ترجمة: أحمد شافعي –
“باريس”: حول طاولة أصغر كثيرا من البيضاوية العملاقة البالغ طولها عشرين قدما التي واجه من طرفها الرئيس فلاديمير بوتن في موسكو، جمع الرئيس الفرنسي قليلا من الصحفيين هذا الأسبوع ليفضي إليهم بأن أزمة أوكرانيا تستولي على “أكثر من نصف وقتي، بل على الأغلبية الضخمة من وقتي” لأن العالم يقف عند “نقطة تحول” في مسار التاريخ.
كانت الطاولة على ارتفاع قرابة ستة أميال في الهواء، بداخل الطائرة الرئاسية التي طارت بالرئيس ماكرون إلى موسكو وكييف وبرلين في هذا الأسبوع حيث حذر من ضرر “لا يمكن إصلاحه” إذا قامت روسيا بغزو أوكرانيا وقال إنه لا مفر من “عدم الاستسلام للقدر”.
الرئيس ماكرون مقتنع بأن الأزمة الحالية، التي تتسم بنزعة روسيا الانتقامية بعد تعرضها لما تراه إذلالا من الغرب، تعكس عجزا عن إعادة التفكير في أمن أوربا الجمعي بعد نهاية الحرب الباردة. ويبدو أنه والرئيس بوتن متفقان في هذا الأمر على الأقل. والمهمة الهائلة التي يواجهها الرئيس الفرنسي هي أن يحاول التوصل إلى ما يمكن أن يكون بديلا لذلك، وأن يقنع الآخرين ـ ومنهم الولايات المتحدة ـ بفضائل هذا البديل.
بحلول نهاية الأسبوع، بدت المواجهة مع روسيا ـ التي أجرت مناورات عسكرية على طول الحدود مع أوكرانيا ـ أكثر تهديدا من ذي قبل. غير أن الرئيس ماكرون ـ قبل تسعة أسابيع فقط من الانتخابات الرئاسية ـ راهن هذا الرهان الخطير على أن بوسعه إقناع الرئيس بوتن بالحوار، وعلى أن الناخبين الفرنسيين سيقدِّرون مكانته العالمية أكثر مما ينفرون من عدم اهتمامه.
هو لا يخاطر ـ في حالة الفشل ـ بأن يفقد فقط ناخبيه وثقتهم، بل يخاطر أيضا بالإضرار بمكانته ومكانة بلده حين يُرى بالخارج باعتباره رئيسا ساعيا إلى توسيع نطاقه.
تحسبا لهذا التصور، كبَّد الرئيس ماكرون نفسه مشقة كبيرة في تنسيق جهوده مع زعماء أوروبيين آخريين، بعضهم متشككون، ومع الرئيس بايدن. وكشف حوار استمر يوم الجمعة لسبع وخمسين دقيقة بين القادة الغربيين عن جبهة موحدة وراء محاولات لإقناع روسيا “بالتراجع عن تصعيد الأزمة واللجوء إلى مسار الحوار” حسبما قالت المفوضية الأوربية.
كان الرئيس ماكرون في الحادية عشرة من عمره حينما سقط سور برلين. وكان الرئيس بايدن في السادسة والأربعين. ومن ثم فلا مفر من شيء من اختلاف وجهات النظر. فالرئيس ماكرون لا يرى سببا لأن تكون بنية التحالف الذي تغلب على الاتحاد السوفييتي بنية دائمة إلى الأبد.
قال ماكرون إن “المسألة لا تتعلق بحلف شمال الأطلنطي، وإنما بكيفية خلقنا منطقة أمن. كيف نعيش في سلام مع هذه المنطقة؟”
وأشار إلى أن جزءا من هدفه في موسكو كان أن يزيح عن الرئيس بوتن هاجس حلف شمال الأطلنطي ـ ووجوب ألا تنضم إليه أوكرانيا ـ وحمله على الفتفكير في “إطار” آخر. وقد قال إنه أخبر الزعيم الروسي بأن “الإطار الذي يقترحه خاطئ”.قال ماكرون إن الظهور في الكرملين ومواجهة الرجل الذي وجه السلاح إلى رأس الغرب بحشده مئة وثلاثين ألفا من القوات على الحدود الأوكرانية كان ضرورة.
لقد أدى فتح مسار دبلوماسي آخر، أكثر مرونة من تبادل الرسائل بين روسيا والولايات المتحدة الذي كرر الرئيس ماكرون وصفه بالأمر المجدب ـ إلى كسب وقت من خلال عقد اجتماعات في الأسابيع المقبلة. ومن المتوقع أن يتكلم الرئيسان مجددا يوم السبت.
على مدار أكثر من خمس ساعات يوم الاثنين، واجه الرئيسان أحدهما الآخر. قال الرئيس ماكرون إنه ألح على “الضمانات التي يمكنه [أي بوتن] تقديمها بشأن الوضع على الحدود” إلى حد أن الرئيس بوتن قال في لحظة أنه “تعذب”.وبإصرار مماثل هاجم الرئيس بوتن توسع حلف شمال الأطلنطي شرقا منذ عام 1997 وما شكله هذا من عدوان.
وبسؤاله عن الطاولة العملاقة التي استجلبت الكثير من السخرية قال ماكرون إنه “يصعب وصفها بالحميمية”.شكك الكرملين في أن يكون الرئيس ماكرون قد ظفر بأي تنازلات، لكنه قال إن نهجه احتوى “بذور عقلانية” على النقيض من محاولة الدبلوماسية البريطانية التي رفضها وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف ووصفها بالحوار بين “البكم والصم”.ليس من الواضح كيف هو شكل الإطار الجديد الذي يقترحه الرئيس ماكرون لأمن أوكرانيا. لكن يبدو أنه بطريقة ما سوف يعرض على أوكرانيا ضمانات صارمة لسيادتها واستقلالها بطرق تجعل عضوية حلف شمال الأطلنطي سرابا، وفي الوقت نفسه يرضي روسيا بأن لا تتم تقوية أمن أوكرانيا على حساب موسكو.
فعليا، يعتقد الرئيس ماكرون أن بعض الاحتيال قادر في الوقت نفسه أن يمنح الأوكرانيين الحرية والأمان ويتيح لهم البحث عن مستقبلهم مع الغرب، ويتيح لبوتن حرية التفكير في البلدين انطلاقا من “فضاء تاريخي روحي” حسب تعبير الرئيس الروسي في البيان المؤلف من خمسة آلاف كلمة عن “الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين” المنشور في في الصيف الماضي.
هذا مفهوم هجيني، لكنه ليس بغريب على من يقترحه. فعلى مدار السنين بات الرئيس ماكرون معروفا برئيسِ “في الوقت نفسه”، وذلك بسبب تلاعبه المستمر بالجوانب المختلفة لأي مسألة ـ فقد ناصر بداية تقليل اعتماد فرنسا على الطاقة النووية، والآن يناصر زيادته ـ وأيضا بسبب تحليله المعقد للقضايا بما يجعل المراقبين في بعض الأحيان يتساءلون عما يؤمن به حقا.
لا جدال في أنه يؤمن إيمانا عميقا بالاتحاد الأوربي، وتطوير أوربا بحيث تصبح قوة أكثر استقلالا. فهذه قضية لم يبد فيها قط أي تردد، لكن يبدو الآن أنه يفكر في أنه قد آن الأوان لإعادة النظر في هذه القناعة.
إن لم يكن هناك أي مكسب آخر، فمع لقاء المستشار الألماني أولاف شولتز بالرئيس بوتن الأسبوع القادم في موسكو، يكون ماكرون قد جعل لأوربا صوتا في هذه الأزمة بجانب الولايات المتحدة. وهذا أكثر مما يمكن أن يقال في حق بريطانيا.
لقد كتب ميشيل دوكلو وهو سفير فرنسي سابق في جريدة صدرت هذا الأسبوع عن معهد مونتان يقول “لقد رجعت أوروبا، من خلال دولها الكبيرة، إلى مسرح كانت في ما يبدو قد أزيحت إلى هوامشه”.
لقد تحتم على الرئيس ماكرون أن يبذل جهودا مضنية ليبقي الدول الأوربية ـ وبخاصة التي كانت خاضعة ذات يوم لنير السوفييت ـ واقفة في صف جهوده الدبلوماسية. ولأن فرنسا في الوقت الراهن تتولى الرئاسة الدورية لمجلس للاتحاد الأوربي، فقد حاول التواصل مع الجميع، وهذا من أسباب استيلاء أوكرانيا على أيامه.
غير أنه جدوله لا محالة سوف يتغير بعض الشيء في الأسابيع القادمة. فالرئيس ماكرون لم يعلن بعد ترشحه لانتخابات الرئاسة، ولكن من شبه المؤكد أنه سوف يلزمه أن يفعل ذلك خلال الأسبوعين القادمين، إذ إن الموعد النهائي هو الرابع من مارس، والجولة الأولى للتصويت تحل في العاشر من ابريل.
في الوقت الراهن يتصدر الرئيس ماكرون الاستطلاعات التي تعطيه قرابة 25% من الأصوات ويتبعه ثلاثة مرشحين من اليمين مع تذيل الأحزاب اليسارية المفككة. هناك دعم كبير من المنافسين عن يمينه لصورة بوتن الرجل القوي وإدانته للغرب، ومن ثم فإن الاشتباك مع الرئيس الروسي يخدم ماكرون على الصعيد السياسي أيضا.
وبرغم أنه المرشح الأوفر حظا بالفوز، فاحتمال ارتفاع نسبة الممتنعين عن التصويت بين الفرنسيين المحبطين من السياسة والجاذبية الكبيرة لليمين المتطرف تجعل إعادة انتخاب الرئيس ماكرون أمرا غير مؤكد. فلو تجاهل الرئيس بوتن دبلوماسيته وقام بغزو أوكرانيا، ستمنى جميع المراهنات بالفشل.
قال إريك زيمور، المتمرد اليميني المتطرف في هذه الانتخابات، الشهر الماضي إنه “لا بد من احترام” الرئيس بوتن فـ”دعاواه ومطالبه مشروعة تماما”، وأعرب أيضا عن اعتقاده بأن “حلف شمال الأطلنطي منظمة كان ينبغي أن تختفي في عام 1990”.وقالت مارين لو بان المرشحة القومية الدائمة المناهضة للهجرة في العام الماضي إن “أوكرانيا تنتمي إلى مجال نفوذ روسيا”.وأضافت أنه “بمحاولة انتهاك مجال النفوذ هذا، تنشأ التوترات والمخاوف ونصل إلى الوضع الذي نشهده اليوم”. ورفضت السيدة لو بان توقيع بيان أصدرته الأحزاب اليمينية المتطرفة في اجتماعها بمدريد الشهر الماضي لانتقاده الرئيس بوتن.
يتبين من هذه المواقف وجود هوة فاصلة بين إعجاب اليمين المتطرف بالرئيس بوتن والطريقة التي يتدخل بها الرئيس ماكرون. فقناعة الرئيس الفرنسي هي أن روسيا بحاجة إلى أن تكون جزءا من معمار أمني أوربي جديد مع تصميم على محافظة أوكرانيا على سيادتها.
ولو أن الرئيس ماكرون يسبب بعض الإزعاج بانتقاده حلف شمال الأطلنطي، فقد تمسك بعدم التنازل لمطالب الرئيس الروسي.
وعند سؤاله عن الموعد الذي سيغير فيه اهتمامه ويعلن ترشحه، قال الرئيس ماكرون “سيتعين عليّ أن أفكر في الأمر في مرحلة ما. لا يمكن التعجل في بعض الأمور. لا بد من اقتناص اللحظة المناسبة”.وفي حال عدم عثوره على هذه النقطة الجميلة، فإن دبلوماسية الرئيس ماكرون، وأفكاره بشأن إعادة ابتكار الأمن الأوربي، قد لا تصل إلى أي شيء. وما يمكن القيام به خلال خمس سنوات ثانية يقود فيها فرنسا سوف يختلف يقينا عما يمكن القيام به قبل الرابع والعشرين من ابريل، وهو تاريخ الجولة الثانية من الانتخابات.
*نيويورك تايمز في 12 فبراير 2022

