يُشكّل المجتمع المدني لبنة التحديث المركزية في الدولة الحديثة، فهو الذي يرفد حركة المجتمع وبناء الأفكار، وذلك عبر تقاطعه مع مجمل القطاعات المتعددة في الدولة، وهذا الدور جاء من صلب معطيات الواقع الجديد للحياة الإنسانية التي تتسم بالمؤسسية والنظام والدقة واحترام قيم الحداثة التي تركز على إحداث التحول في بنى العقل الإنساني وحاجات المجتمعات وطرق وأنماط التعليم واكتساب المعرفة والتأثير والتأثر في الفكر البشري، بما يُمّكن من بناء الحياة الأفضل.
إن الحديث عن قانون الجمعيات الأهلية الجديد الذي ناقشته حلقة مختصة نظمتها وزارة التنمية الاجتماعية ممثلة في دائرة الجمعيات وأندية الجاليات، يأتي في هذا الإطار بما يرسم أفقا منشودا في تحقيق العديد من الأهداف فيما يتعلق بمؤسسية المجتمع والتعاضد بين أفراده بصورة عصرية، تسهم في حل مختلف القضايا وصناعة التطوع والحراك المجتمعي الفاعل الذي يحقق الاستدامة للفكر الإنساني الجديد في تقاطعه مع مكتسبات التراث والموروث والأصالة في المجتمع ذاته، بمعنى أن عملية العصرنة ليست انقطاعا مجردا عن مجمل المكتسب، بل هي صورة تحديث يأخذ من صميم الأسس والجذور ويصب في استشراف المستقبل الأمثل للمجتمعات وهذا هو جوهر الفكر الإنساني المتطلع لإيجاد دور فاعل للإنسان وتعزيز قدراته ومشاركته بنحو أوسع في سياقات الحراك العالمي في التجربة الإنسانية اليوم.
إننا نتكلم عن قدرات محلية تتفاعل مع المحيط الكوكبي وتنسج أفقها عبر الاستفادة من التجربة الإنسانية العالمية، وهذا هو شأن كل ما يمكن أن يتحول إلى عمل فاعل وحقيقي، يسهم حقيقة في صناعة المجتمع القادر على حمل ألوية التغيير والتجديد واستكمال طريق النهضة في جميع مسارات الحياة وتفرعاتها في الثقافة والعلوم والمعرفة عامة.
إن الوصول إلى نسق حديث للعمل التطوعي وبناء الفكر التشاركي الفاعل كل ذلك يتطلب أدوات أكثر حداثة، تأخذ من معطى التجارب العالمية وتراكم الرصيد الفكري الإنساني، دون أن يُهمل أو يُنسى أو يُتجاهل المعطى المحلي في التجربة الذاتية، وهذا يؤخذ بعين الاعتبار ويضاف إليه مخاض التجارب التي سلكت وتسلك على مستوى الوطن منذ عقود في ترسيخ التجربة وتوسيعها في هذا الإطار المستقبلي.
تعني التشاركية أكبر من مجرد الأفراد؛ فهي ترد الاعتبار لخريطة تكاملية تجمع بين الفرد والمؤسسة والشركة… الخ، الذين هم شركاء في المهمة الراهنة والمستقبلية في صناعة كل ما من شأنه أن يسهم فعليا في رفد مجريات الحياة عامة ويخدم الاقتصاد وسبل التنويع في الموارد المالية، والدخول بقوة في صميم المسائل العصرية الآنية من أسئلة الابتكار والإبداع وتحديات الثورة الصناعية الرابعة وغيرها من قضايا لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال من مجمل هذه الصورة الكلية.
هناك العديد من الأفكار والمصطلحات التي سوف تظهر هنا ويجب إعادة التفكير فيها بعمق، مثل الإدارة الحديثة والحوكمة والمؤسسية والتفويض وغيرها من مجمل صور المجتمع المدني الحديث، إنها مفاهيم في شكل تحديات تكشف عن تطبيقها من خلال الممارسة الفاعلة وبأن ترى الأفكار والمشروعات المقترحة في أي مجال، أرضَ الواقع العملي.

