في مواجهة تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا في منطقة الساحل، من رسائل معادية يبثها المجلس العسكري الحاكم في مالي وتظاهرات صاخبة لعرقلة مرور قوافل لقوة برخان في بوركينا فاسو والنيجر، أصبح التعاون العسكري الفرنسي لمحاربة المتشددين في منطقة الساحل موضع تساؤل.
والقوة الاستعمارية السابقة متّهمة بصنع الحكومات في إفريقيا وإفشالها، وإبقاء البلدان تحت وصايتها الاقتصادية من خلال الفرنك الإفريقي، وبأنّها غير فعّالة لا بل متواطئة مع المتشددين الذين يعيثون فسادا في منطقة الساحل.
لكنّ هذه المشاعر ليست جديدة في مالي وتعود جذورها إلى التاريخ الاستعماري المضطرب، وقد تعززت في الأشهر الأخيرة بعد التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها المجلس العسكري الحاكم في باماكو، لدرجة أنه يتم الآن البحث في سيناريو لانسحاب القوات الفرنسية.
السعي إلى تقسيم مالي
واتهم رئيس وزراء مالي شوغل كوكالا مايجا أمام دبلوماسيين معتمدين في باماكو، فرنسا بأنها عملت على تقسيم بلاده من خلال وجودها العسكري فيه.
وحمل مايجا الذي عينه المجلس العسكري الحاكم إثر انقلابين متتاليين في أغسطس 2020 ويونيو 2021، على فرنسا مدة 45 دقيقة أمام دبلوماسيين دعاهم إلى مقر الحكومة، من دون أن يطالب صراحة بانسحاب قوة برخان.
وقال مايجا «بعد فترة البهجة والحماسة» في عام 2013 عندما حرر الجنود الفرنسيون شمال مالي من قبضة الجماعات المتشددة، «استحال التدخل في مرحلة ثانية عملة تقسيم لمالي بحكم الأمر الواقع استندت إلى إقامة ملاذ على جزء من أراضينا أتاح الوقت للإرهابيين للجوء إليه وإعادة تنظيم صفوفهم للعودة بقوة اعتبارا من 2014».
وفي ظل توتر شديد بين باريس وباماكو، أقام مايجا مقارنة بما حصل في الحرب العالمية الثانية قائلا «ألم يحرر الأمريكيون باريس؟… عندما رأى الفرنسيون (أن الوجود الأمريكي) لم يعد ضروريا طلبوا من الأمريكيين الرحيل، هل بدأ الأمريكيون عندها بشتم الفرنسيين؟»
ومنذ فرضت الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) عقوبات على مالي في التاسع من يناير دعمتها فرنسا والدول الشريكة الأخرى، يشدد المجلس العسكري الحاكم في باماكو على سيادة البلاد.
وتتهم السلطات المالية فرنسا قوة الاستعمار السابقة في البلاد، بأنها تستغل إيكواس لتحقيق أهدافها. وقال مايجا إن الهدف «هو في تصويرنا على أننا منبوذون مع هدف غير معلن على المدى القصير يقوم على خنق الاقتصاد للتوصل إلى زعزعة الاستقرار وقلب المؤسسات الانتقالية لحساب من نعرف جميعا».
وأكد «لا يمكن إخضاعنا ولا يمكن استعبادنا انتهى هذا الزمن» في إشارة إلى الاستعمار.
وحمل مايجا أيضا على مجموعة تاكوبا الأوروبية للوحدات الخاصة التي شكلت بمبادرة من فرنسا وتهدف إلى الوقوف بجانب الجيش المالي في مواجهة الجماعات الجهادية.
ورأى أن تاكوبا «تهدف إلى تقسيم مالي».
وتأخذ فرنسا والشركاء الأوروبيون والأمريكيون على المجلس العسكري الحاكم تأخير عودة المدنيين إلى الحكم والاستعانة بمجموعة «فاغنر» الروسية للمرتزقة وهو أمر ينفي المجلس أن يكون أقدم عليه.
وطرد المجلس العسكري الحاكم في باماكو مطلع فبراير السفير الفرنسي في مالي. ولفرنسا وجود في مالي منذ العام 2013.
شعور معاد لفرنسا
وقال رودريج كوني الباحث في معهد دراسات الأمن لوكالة فرانس برس: «كان هناك دائما شعور ضمني معاد لفرنسا بسبب نوع من التعالي الفرنسي وغطرسة السياسة الفرنسية في إفريقيا التي لم تشهد تغييرًا عميقًا منذ نهاية الاستعمار».
من جانبه، كتب الباحث النيجيري رحمن إدريسا أنّ «فرنسا، بخلاف بريطانيا العظمى، مارست عام 1958، برعاية الجنرال ديجول، سياسة استعمارية جديدة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ودفعت هذه السياسة فرنسا إلى جعل التدخلات العسكرية روتينية في منطقة نفوذها -الإفريقية-».
وبالتالي، يعتبر الرأي العام عملية برخان المناهضة للمتشددين أنها تدخل استعماري جديد، حتى لو حاولت فرنسا إشراك الجيوش المحلية في عملياتها القتالية.
وأضاف كوني: «ارتُكبت أخطاء دبلوماسية، كما كانت الحال عندما منعت فرنسا الجيش المالي من العودة إلى كيدال عام 2013. هذا النوع من الأحداث اعتُبر غطرسة وعزّز الشعور بالوطنية والاستقلال الذي عاد بسرعة اليوم. والمجلس العسكري الحاكم (في باماكو) يحاول الاستفادة من هذا الشعور».
مقاربة جديدة
وفي النيجر المجاورة، اشتد العداء تجاه قوة برخان الفرنسية في نوفمبر عندما قُتل ثلاثة أشخاص في تيرا خلال محاولة لمنع قافلة تابعة للقوة الفرنسية من المرور. وكانت القافلة آتية من بوركينا فاسو حيث كان متظاهرون غاضبون عرقلوا مرورها لأيام.
وأخيرا، أُحرقت أعلام فرنسية في تظاهرات مناهضة للسلطة في تشاد «لم يسبق لها مثيل» في هذا البلد، وفقا للباحثة كيلما ماناتوما.
من جانبه، أكد مايكول زودي المسؤول عن القسم النيجري في حركة «تورنون لا باج» التي تطالب خصوصا بمغادرة القوات العسكرية الأجنبية إنّ «ماضي فرنسا الاستعماري وتدخّلها في سياساتنا الداخلية ومواردنا، بما فيها اليورانيوم الذي تم نهبه، يدفع الشباب إلى التفكير. ليس لدينا عقود مع فرنسا مربحة للطرفين».
وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، تنشر رسائل تتّهم حتى فرنسا بالتواطؤ مع الجماعات الجهادية.
بالمقابل قال بوبكر ديالو، زعيم رابطة مربّي الماشية في منطقة تيلابيري المتضرّرة بشدة من الهجمات في النيجر إنّه «على الأرض، يثق الناس في (قوة) برخان أكثر مما يثقون بجيوشهم. وكل قادة المتطرفين المسجونين أو المقتولين في النيجر تعاملت معهم برخان، فكيف نتحدث عن تواطؤ بين برخان وهؤلاء الإرهابيين؟». وإذا كان مستقبل التدخل الفرنسي في مالي يبدو الآن مهددا، فإن إعادة انتشاره في بقية منطقة الساحل تبقى موضع تساؤل. وقال رئيس هيئة الأركان الفرنسي تييري بوركهارد «يجب أن نتساءل لماذا في ظل العلاقة الجيدة مع القوات المسلحة المالية، لا يفهم الرأي العام سبب وجودنا هناك». وبهدف تجنّب سوء فهم جديد، يصرّ الجيش الفرنسي على أنه هنا «بجانب الدول الإفريقية».
أعلام روسية
ويجد الشركاء الآخرون لإفريقيا في المشاعر المناهضة لفرنسا في الساحل فرصة سانحة لهم لتعزيز موقعهم في المنقطة، وفي مقدّم هؤلاء روسيا.
وتؤكّد مستشاريات غربية أن مدرّبين من مجموعة فاغنر شبه العسكرية الروسية يعملون في مالي، وهو ما تنفيه باماكو ولا يمكن التحقق منه بشكل مستقل في الوقت الراهن.
إلا أن هذا التعاون الجديد مرغوب فيه من جانب جزء من السكان، كما يتّضح من الأعلام الروسية التي رفعت خلال تظاهرات جرت في واغادوغو ترحيبا بالانقلاب العسكري.
وقال الحسن سانفو وهو ناشط في المجتمع المدني: إنّ «بوركينا فاسو تحتاج إلى إقامة شراكات مع قوى أخرى أكثر مصداقية والاعتماد على جيشها للقضاء على الإرهاب».
وأوضح مايكول زودي أنّ «الوضع (الأمني) يزداد سوءًا. لا يعني ذلك أن الناس يثقون في الروس أكثر. لكن إذا جربت علاجا ولم ينجح، فأنت تشعر بالحاجة إلى تجربة -وصفات طبية- أخرى».
وختم رودريج كوني «نحن نشعر باستياء عميق من النظام الديمقراطي الذي لم ينتج نُخبا. هناك رغبة في العودة إلى رجال أقوياء وسلطات قوية، وروسيا لا تكترث كثيرًا في هذا المجال».
«قرار كان منتظرا»
وبعد قرار الرئيس إيمانويل ماكرون بإنهاء عملية برخان العسكرية في منطقة الساحل الإفريقي، أشادت الصحافة الفرنسية بهذا القرار وقالت إنه سيضع حدا للخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبدتها فرنسا على مدار 8 سنوات.
وجمعت وكالة الأناضول التركية للأنباء حينها ردود فعل الصحف الفرنسية على القرار، حيث علقت صحيفة «لاكسبريس» الفرنسية، على أنه كان قرارًا منظرًا، وقالت الصحيفة، في تقرير، أظهرت من خلاله فشل العلمية الفرنسية التي انطلقت تحت قيادة الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند: إنّ «بعد 8 سنوات من الاشتباكات المكثفة ومصرع العديد من الجنود الفرنسيين والمدنيين، قرر ماكرون تقليص الوجود العسكري وإغلاق القواعد وتعديل شكل القتال ضد الإرهابيين في المنطقة».
وقالت: إن ميزانية العمليات العسكرية الفرنسية على الصعيدين الخارجي والداخلي، ارتفعت في عام 2020، أكثر من 60 مليون يورو مقارنة بعام 2019. ويعزى هذا بشكل أساسي إلى قرار زيادة قوة عملية برخان، حيث تم نشر 600 جندي إضافي في بداية 2020 لتصل إلى 5100 جندي.
من جانبها، قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية، إن قرار عملية «برخان» يضع حدا للوهم بشأن أي انتصار عسكري محتمل.
ورأت الصحيفة أن إعلان ماكرون قرار تخفيض عدد القوات الفرنسية في العملية والانسحاب التام بحلول 2023 «لا يعني سوى أن نتائج 8 سنوات من التدخل الفرنسي في منطقة الساحل ليست رائعة». واعتبرت «لوموند» أن النتائج السلبية تظهر في استمرار الخسائر البشرية، لافتة أن أكثر من 8 آلاف شخص، معظمهم من المدنيين، قتلوا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو منذ عام 2013.
كما أشارت أنه رغم العملية الفرنسية نزح مليون شخص بسبب القتال، وقتل 50 جنديًا فرنسيا كانوا في الخدمة.
من جهته، ركز موقع قناة «بابليك سينات» الفرنسية في تقرير حول إنهاء الوجود العسكري في دول منطقة الساحل الإفريقي على الخسائر في الأرواح التي تكبدها الجيش الفرنسي. وذكر الموقع أن «50 جنديًا فرنسيًا لقوا مصرعهم منذ عام 2013 في العمليات العسكرية»، بينهم 5 قتلوا منذ بداية العام الحالي.

