من الذكريات التي يستحضرها جيل الطيبين عندما كانوا صغارا جالسين في بيت الجد والجدة الذان يمارسان التحفيز (مال أول) بتوجيههم للأحفاد بقولهم : يا فلان أريدك معلما وانت يا فلان أريدك مهندسا وانت يا فلان أريدك طبيبا وكان ذلك أشبه بالتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى وإن لم يكن مقصودا!
إن تكرار ذلك الموقف له تأثير سحري لدى الطفل الذي تخلق لديه رؤية لما يريد أن يكون في المستقبل – وهذا شيء حسن بلا شك – وهناك من الأطفال من تقمص الشخصية التي يريدها أبواه منه فيظهر ذلك في تفاعلاته داخل وخارج المدرسة ومن هنا فإن تعميم ذلك كفكرة عامة يعزز بشكل مبسط ثقافة التخطيط للمستقبل على المدى الطويل ولكن الأمر في ظل واقعنا الحالي (ما يوكل عيش!).
الأخذ بذلك يعني ببساطة توجيه النشء نحو مقاعدهم الوظيفية المحدد اختيارها لهم سلفا وذلك قد يكون متاحا قبل أربعين سنة وما قاربها ولكن واقعنا الآن يقول أن تلك الفرص لم تعد سهلة المنال لمجرد الحصول على (الشهادة العودة) بل يجب ربطها بالمهارات التي تعد المادة الخام لدخول المعترك الوظيفي وسوق العمل خلال السنوات القريبة القادمة.
بناء تلك المهارات يكون وفق رؤية تحدد ماذا نريد خلال السنوات القادمة وفي ذلك تتحدد الإحتياجات المطلوبة ومنها يتم بناء المهارات التي تخدم تلك الإحتياجات ومن ثم يأتي التوافق مع الميول الشخصي ولا يشترط حدوث التوافق لتحقيق النجاح الوظيفي والقصص في ذلك كثيرة منها قصة أحمد الذي أراد من بعد مرحلة الدراسة الثانوية أن يدخل مجال دراسة الطب ولكنه دخل المجال العسكري واصبح بعد أمد ليس بالهين ذا رتبة عالية ومكانة سامية.
مسؤولية وضع النشء في المسار الوظيفي الصحيح تبدأ من مرحلة المدرسة ممثلة بالتوجيه المهني الذي يراد من مشرفه إستشراف المستقبل الوظيفي وإرشاد الطلاب بعد إخضاعهم لإختبارات منهجية تقيس ما يملكونه من كفايات بشكل دقيق ودعم للمهارات القائمة وإكتساب المفقود منها وليس مجرد أن الطالب يرغب في هذا التخصص أو ذاك ثم يهدر جهدا ووقتا وأموالا وفرصا لمقاعد جامعية ثم يأتي لنسمع منه المقولة المشهورة (ماشي شغل! ).
ما تم سرده أعلاه لا يعني اهمال القدرات الشخصية الذاتية فمجال ممارستها وتنميتها متاح للجميع قبل وبعد مرحلة الدراسة الجامعية وأستحضر مثالا اثناء دراستي الجامعية لأحد المحاضرين الذي يمارس في الصباح أعماله الأكاديمية العلمية وفي المساء نراه نجما متألقا في بحر النقد الأدبي وعالم الشعر والشعراء.
إن توصيات الجد والجدة كانت محل التقدير من الأبناء وفق متطلبات زمانهم وجاء الوقت الذي ينتظر أن تكون الرؤية المستقبلية هي المحددة للأدوار الوظيفية التي نريدها في بلادنا ولتكون هي الصوت الذي يقول أريدك يا فلان أن تكون معلما أو تكون مهندسا أو تكون طبيبا.
محمد بن سيفان الشحي
١٤ فبراير ٢٠٢١ م







