
الجزائر، في 15 مارس/ العمانية /في خضمّ اشتغالها بالبحث العلمي وإنجاز الدراسات في
مجال اللّسانيات، تحاول د. ربيعة برباق، أستاذة التعليم العالي بجامعة تبسة (شرق
الجزائر)، أن تجد لنفسها فسحة راحة من خلال كتابة القصّة القصيرة، بوصفها متنفّساً
إبداعيّاً يتيح لها التعبير عن هواجسها الإبداعيّة.
وتقول برباق لوكالة الأنباء العمانية: “نظريّاً، البحثُ العلميُّ الجادُّ يحتاج تفرُّغا تامّا،
وذهنا صافيا، ومحيطا مشجّعا”، مضيفة أن الباحث يمكن أن “يوجد مساحات للراحة
بممارسة هواياته، لتفريغ مخلفات الإرهاق البحثي، وشحن الهمّة، وتجديد الطاقة”.
وترى برياق أن لكلّ باحثٍ ظروفه؛ متحدثة عن تجربتها في هذا السياق: “أنا لم أكن
أمارس أيّاً من هواياتي في الفترة التي اشتغلتُ فيها بالبحث العلمي، إذ كنت اوجد
مساحات للراحة والتجدُّد الذاتي من السفر، وحياتي الاجتماعية، ولم أفكر في الكتابة
الأدبية إلا في السنوات الثلاث الأخيرة. وربما كان الدافع إلى ذلك متغيّرات الحياة
الجديدة، وفساد كثير من العلاقات الاجتماعية، وزيادة ضغوط الحياة بشكل يفوق طاقة
الاستيعاب وإمكانية التقبُّل، فوجدتني أهربُ من غربتي في هذا الوجود إلى وجود آخر
أشكّله بنفسي، بحثا عن نفسي، أمارس فيه وجودي بعيدا عن قبح الواقع، فكانت الومضة
والقصة القصيرة أقدر على احتوائي من كلّ هذا العالم الفسيح”.
وتقول برباق عن منهجها وأسلوبها في كتابة القصة القصيرة: “يصعبُ عليّ الحكم على
كتاباتي، فقط يُمكنني أن أقول إنّي أحاول أن أكون أنا وأنا أكتب، حتى وإن اقتبستُ،
أحاول أن أُلبس ما اقتبست كثيرا من ذاتي ليشبهني في البداية، ويكون أنا في النهاية.
قصصي متنوّعة ومختلفة حجما وشكلا ومضمونا، تخضع للّحظة، للفكرة التي تقفز إلى
ذهني فجأة. باختصار أظنُّني ما زلت في البداية، ولم تتّضح بعدُ ملامح مذهبي
القصصي”.
وتتحدث عن علاقتها بفكرة القصة قائلة: “في أغلب الأحيان، يكون العنوان آخر شيء
أكتبه في قصصي، وأحيانا أخرى في منتصف الأحداث يتّضح العنوان، لأنّي كاتبة
تنصاع لفكرة تأتي فجأة، فتفرض نفسها عليّ، فأجاريها حتى تُغلق بابها. أذكر يوم كتبتُ
قصّتي (صم بكم)، وهي التي تُرجمت إلى ستّ لغات عالمية، أني استيقظت ذات صباح
على صوت البائع المتجوّل، فتخيّلت أحداثها، وفي نهايتها فكّرت أن أجعلها مختلفة، بجعل
الشاب الذي ظنّته البطلة لصّاً من فئة الصم البكم. حينها قرّرتُ أن يكون ذلك عنوانا
للقصة”.
أما عن الثيمات التي تتناولها برباق في قصصها، فأغلبها اجتماعية وإنسانية، كما كتبت
القصص الرمزية موظفة شخصية جحا الأسطورية لما تحمله من فكاهة، وفي كتاباتها
حضور كبير للقصص والومضات الرومانسية.
وبخصوص من يرون كتابة القصّة مدخلا ضروريّاً لاقتحام عوالم الرواية، ترى برباق أن
القصّة، وإن اشتركت مع الرواية في كثير من العناصر البنائية والفنية وانتمائهما
المشترك إلى السرد الفني، تمتلك من الخصوصية والصعوبة الكثير، وربما يكون صنع
الدهشة والتشويق فيها أصعب مما يمكن صنعه في الرواية، فضلاً عن أن كاتبها بحاجة
دائمة إلى تجديد نفسه وفكره وأسلوبه.
وحول من يقولون بأنّ هذا زمن الرواية، تقول برباق: “لا أعتقد ذلك، فقد تأخّرت الرواية
في الظهور مقارنة بالشعر والقصة لأسباب طبيعية، تتعلق بحجمها، لأنّ فن السرد موجود
إلى جانب الشعر منذ القديم، ويقال إنّ ما ضاع من النثر أكثر بكثير ممّا ضاع من الشعر،
فالأمر يتعلق بالسماع والحفظ والعوامل المساعدة على ذلك، ولكن انتشار الطباعة ودور
السينما ووسائل الإعلام والتكنولوجية الحديثة، خدم كثيرا فن الرواية، ففرضت والقصة
وجودها، وتنوّعت وسايرت فنون الكتابة الأخرى، وما زال المبدعون يصدحون بالشعر
في المنابر، بل وظهرت منه أشكال جديدة كالهايكو والقصيدة النثرية”.
/العمانية /178







