كلمة معالي الدكتور / عبد الله بن ناصر الحراصي – وزير الإعلام
في
المؤتمر العلمي الدولي الثالث لقسم الإعلام كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب السمو السيّد الدكتور فهد بن الجلندى آل سعيد الموقر، رئيس جامعة السلطان قابوس
العلماء الأجلّاء
الطلاب الأعزاء
يسرّني في بداية حديثي أن أتقدم بالشكر الجزيل لجامعة السلطان قابوس على تشريفي بدعوةٍ كريمةٍ للتحدث في هذا المؤتمر. إن جامعةَ السلطانِ قابوس هي ينبوعُ العلمِ والتقدّمِ ومعينُ الثقافةِ والإبداعِ في السلطنة، وتدارُسُها للقضايا ذات الأهمية للمجتمعات الإنسانيّة دليلٌ على دورِ المعرفةِ والبحثِ العلمي في تشكيلِ المجتمعِ الواعي بواقعِه والمتقدمِ للمستقبلِ على أسسٍ راسخةٍ تؤسّسُ لواقعٍ أفضل لمجتمعِنا العماني وللإنسانيّةِ جمعاء.
يُعّرف كتيّبُ هذا المؤتمر التربيةَ الإعلاميّةَ على أنها “تعزيز قدرات الجمهورِ ومهاراتِه في فهمِ المادةِ الإعلاميّةِ وانتقائِها والتعاملِ معها بصورةٍ فعّالةٍ”، ويشيرُ إلى أن التعليمَ والتأهيلَ الإعلاميين يقعان تحت تأثيرِ قطبين: قطبٌ يرتكز على التأسيس النظري الفلسفي وآخر محوره التأهيل النوعي القائم على المهارات والمعارف الشاملة. سوف أطرح في حديثي في الدقائقِ القادمةِ بعضَ الرؤى المستمدّةَ من مقاربتي لواقعِ العملِ الإعلامي لمدة عشرِ سنوات في إدارة الإعلامِ العمانيّ، بصفتي رئيسًا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون سابقًا ووزيرًا للإعلام حاليًا.
إننا نتفق مع ما ورد في كتيّب هذا المؤتمر من أن نماذجَ الاتصالِ السائدةَ منذ العقودِ الأولى للقرن العشرين لم تعد تنجح كأطرٍ تفسيريةٍ لحالةِ الإعلامِ المعاصرِ، خصوصًا مع تعّددِ وسائلِه وأطرافِه، وتبادلِ الأدوارِ أحيانًا كثيرة، وهذا يعني إن واقعَ الإعلامِ المعاصرِ يستلزمُ تدارسَ الأدواتِ النظريةِ الأنجعَ لقراءتِه وتنظيمِه، إضافة إلى مناهجِ تعليمِه وتدريبِه. غير أننا ونحن نتحدث عن ذلك علينا كذلك أن نلتفت إلى أمرٍ مهمٍ للغايةِ وهو ضرورةُ تعزيزِ قراءة الواقع الإعلامي بأدواتٍ مبنيّةٍ على الواقع المُتثبّت منه، فعلى الرغم مما تقدّم ذكره من تطوّرٍ في وسائلِ التعبيرِ والتواصلِ بين بني البشر، خصوصًا ما وفّرته التقنيّةُ الحديثةُ من آلياتٍ ومنصّاتٍ، إلا أن وسائلَ الإعلامِ التقليديةِ، أي التلفزيون والإذاعة والصحافة، لم تزل تؤدي دورًا محوريًا في عالمِ اليوم، برغم ما يُشاع من موتِ الإعلام التقليدي، فكم بشّرت بعض النظريات التي تقع تحت إغراءِ تطورات الواقع باندراس أثر الوسائل التقليدية، لنتبيّن بعد حينٍ أن ذلك ليس إلا توهمًا غير حقيقي، وأن تلك الأدوات لم تزل مؤثرةً غايةَ التأثير، بل بسطوةٍ أعلى وشوكةٍ أمضى، وإن علا صوتُ من يقول بضعفِ أثرِها إن لم يكن بزوالِه.
أي نعم، إن وسائل التعبير المفتوحة التي وفّرتها التقنية الحديثة قد أثرَت تعدد الأصوات في المجتمعات، ومن بينها مجتمعاتنا، ووفّرت آلياتٍ أسرعَ لتبادلِ الآراء والتحاورِ حولها، غير أن هذا لا يعني تضعضعَ قوّةِ الأدوات الإعلامية الكلاسيكيّة وتأثيرها، وهذا ما شهدناه هنا في سلطنة عُمان، فقد أكدت الدراساتُ والاستقصاءات الإحصائية، ومنها دراسات أجريت وبمناهج موضوعيّة في جامعة السلطان قابوس والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، على قوّة التلفزيون في سلطنة عُمان وقدرته الهائلة على التأثير على المجتمع، بل أنه يأتي على رأسِ الأدوات الإعلامية من ناحيةِ الموثوقيّةِ والتأثيرِ، وهو ما يعني أن كثرةَ المنصّاتِ وتعددَها وما يشوب ما يُطرح في بعضها من أخبارٍ غير موثّقة وإشاعاتٍ زائفةٍ قد قادت إلى تشبّثٍ أكبرَ بموثوقيّةِ التلفزيون، بل أن الدعوات إلى تطوير الأدوات الإعلاميّة التقليدية هي تعبيرٌ آخر على ثقةِ المجتمعات بها وبأهميّتها المعاصرة.
وانطلاقًا من الخبرة نقول كذلك بأننا أحوجُ، ونحن في معرضِ الحديثِ عن التربيةِ والإعلامِ، إلى أن تقوم التربيةُ بشتّى أدواتها، التي لا تقتصر على دور العلم كالمدارس والجامعات، بل تشمل كلَّ المؤسسات الاجتماعيّة كالأسرةِ ومؤسسات المجتمعِ الأهليّ والمدنيّ، بغرسِ القيمِ والمفاهيمِ التي تشكّل مجتمعةً أرضيةً لازمةً لاستقرارِ المجتمعات وتقدّمها، ومشاركتِها بقيةَ المجتمعات في العالمِ في التقدمِ البشريّ، ويأتي على رأس هذه القيم والمفاهيم الولاءُ للوطن والشعورُ بالمسؤوليةِ تجاهه وبذلُ الجهدِ والغالي والنفيسِ لأجله والعملُ لما ينفعه لا ما يضره، والتعلّمُ والمثابرةُ والصدقُ والإخلاصُ في أداءِ العملِ، والمساهمةُ بعصارةِ العقولِ والتقنيّةِ لما يخفّف آلام البشريّة، خصوصًا من الأوبئة كما علمتنا تجربة جائحة كورونا التي وحدت البشرية في أيامنا هذه.
لقد مرّ الإنسانُ بتطوراتٍ عديدةٍ طوالَ تاريخه، كما أن طبيعةَ التقدّمِ العلميّ في علومٍ مثل التقنيةِ والهندسةِ الوراثيةِ قد طرقت أبوابًا جديدةً لم تُطرق من قبل، وأثارت أسئلةً أخلاقية وفلسفيّة لم تشغلَ عقلَ الإنسانِ قبل اليوم، وفتحت آفاقًا واحتمالاتٍ لا يحدُّها حدٌّ حول مستقبل الإنسان، لكن الإنسان يظلّ مع هذا وذاك هو الإنسان: الإنسان الذي يحب وطنه. الإنسان الذي يرغب في تأمين قوت أسرته وتنشئة أبنائه خير تنشئة. الإنسان الذي يسأل ويسعى ويسبر المجهولَ فكرًا وتجربةً، بحثًا عن الإجابات وسعيًا وراء الاستكشافات والاختراعات.
إن علينا ونحن ندرس آفاق العلوم والتكنولوجيا أن لا نتجاوز هذه الحقيقة. كما أن من واجبِنا كذلك، حتى ونحن نتطرق لمختلف النظريات، بما فيها على سبيل المثال النظريات النقدية في تاريخِ الأفكارِ وتحليلِ الخطابِ مثلًا، أن لا نتجاهل أن على التعليم أن يغرسَ القيمَ النبيلةَ البناءةَ، كتلك التي ذكرناها فيما تقدم، خصوصًا في أوطاننا التي هي أحوج ما تكون لكل قدرةٍ ولكل مهارةٍ ولكل بذرةِ إبداعٍ ولكل جهدٍ في مختلف الميادين، وبما يمكننا من أن نساهمَ مساهمةً فعّالةً في تقدمِ البشريةِ من خلال العلمِ والمعرفةِ والإنتاجِ المفيد.
إن العناصرَ الحضاريّةَ للأممِ والشعوبِ هي بطبيعة الحال أكثرَ من أيقوناتٍ ترويجيّةٍ لأطعمةٍ أو أزياء أو عناصر أخرى مرتبطةٍ بأمةٍ أو شعبٍ بل هي تلك الرواسي الحضاريّة التي شكّلت تلك الأمة أو الشعب، وضمنت استقرار هويّتها طوال التاريخ ودفعتها للإنجاز التاريخي، وفي سياقنا العُماني فإن التاريخَ والإرثَ الثقافيَ من فنونٍ وآدابٍ ومعارف شتّى وتراثَنا الملموسَ وغيرَ الملموس هي العناصرُ التي شكّلت هويّتَنا الحضاريّةَ تاريخيًّا، وهي التي تحمي هذه الهويّة من الذوبانِ والانصهارِ. إن ما ندعو إليه هنا هو ترسيخُ الصلابةِ والالتزامِ والترقّي الحضاري، وهذا الترسيخ من خلال التربية الإعلاميّة والتربية والتعليم عمومًا كفيلٌ بحماية أجيالِنا من مداهمةِ الإعلامِ غيرَ النافعِ ووسائلَه المتقدمةَ لهويّتِهم وصلابتِهم الحضاريةِ.
إننا لا نتبنى صيغَ العداءِ المتأصل بين الأمم والشعوب، خصوصًا بين الغرب وعالم الإسلام، فالغربُ محيطٌ حضاريٌ متنوّعٌ، وعالمُ الإسلامِ كذلك، ولذا فإن الأوجب بدلًا من نشر هذا المفهوم، أي صراعِ الحضارات، التأكيد على عناصر النهوضِ الحضاري الإنساني، وهي عناصرٌ إنسانيّةٌ تشاركت البشريةُ كلها في بنائها في مراحل التاريخ المختلفة، وفي حديث نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلّم “اطلبوا العلم ولو من الصين” بيان بذلك، فالصين هنا دلالة على الاختلاف الحضاري بين الشعوب التي دعاها القران الكريم “لتتعارف” وتتعلّم وتستفيد من بعضها بعضًا، ليكونَ المجتمعُ البشريّ حالةً متكاملةً تمضي قدمًا من خلال تطوير المعرفة التي تتشارك فيها كل الأمم.
لقد توصّلت البشرية إلى التعليم من خلال دور العلم لتشكيل النشء لتحقيق أهدافٍ أعلى ومُثُلٍ أسمى، ليكون النشءُ جيلًا واعيًا قادرًا على العطاءِ مستقبلًا، وفلسفاتُ التعليمِ باختلاف مشاربها تكادُ تجمع على ذلك وإن تباينت في مناهجِ تحقيق ذلك. إننا نرى أن هذا الفهمَ للتعليمِ هو مدخلٌ ضروريٌ في سياق الحديث عن التربيةِ الإعلاميّةِ. إن الإعلامَ الحديثَ ليس خطرًا صرفًا، بل أن فيه من العناصرِ ما تُشكّل، إن أحسِنَ فهُمها واستثمارُها، فرصةً لتعزيز الهويّة الوطنيّة والحضارية، وللتقدمِ بشتّى المجالات، والمجتمعاتُ البشرية بحاجةٍ إلى توجيهٍ قيميٍ من خلال التربية الإعلاميّة ومن خلال الخطاب الإعلامي المسؤولِ نفسِه لتتمكّن من تأصيلِ قيمِ المواطنةِ والحضارةِ والوئامِ بين الأممِ والحضاراتِ والتقدمِ العلمي والالتزامات الأخلاقية.
إن الوجهَ السلبيّ لوسائل التواصل الحديثة هو أنها تُستخدم في أحيانٍ كثيرةٍ كمنصّات للإشاعات ولخطابات ضارّة، إن لم نقل مُدمّرة، للمجتمعات وللبشرية جمعاء، مثل الخطابات الفئوية بشتى أشكالها، وخطابات الكراهية، وخطابات التجهيل، وهذا ما نرى وجوب مناهضته من خلال التربية الإعلاميّة المسؤولة.
لقد تأسست عُمان المعاصرة التي قاد مسيرتَها لخمسين عامٍ زاهيةٍ جلالةُ المغفورِ له السلطانُ قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، على أساسِ صدقِ الشعور الوطنيّ ومشاركةِ الجميع في بناء الوطن، من خلال نشر التعليم والخدمات الصحيّة وغيرها من الخدمات في شتى بقاع عُمان، ومن خلال صدق الرسالة الإعلاميّة وهدوءِها والتزامِها الوطنيّ، كما أن عمان اليوم في عهدِ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، تسيرُ على نفسِ الأسسِ في البناءِ الداخليّ وفي العلاقاتِ الخارجيّةِ تحت شعارِ “عُمانٌ نهضةٌ متجددة” يقودها جلالة السلطان المعظم بكل ثقةٍ واعيةٍ ورؤيةٍ راسخةٍ نحو مستقبلٍ أفضل في زمنٍ اضطربَ فيه العالمُ بأكمله تحت تأثيرِ الأزمات الاقتصادية، وجائحة كورونا (كوفيد19) وغيرها من الأزمات غير الخافية.
إن من أهم واجبات الإعلام العماني ترسيخَ مفهومِ المواطنةِ الحقةِ بكل أبعادها، وتنميةَ قدراتِ المواطنِ، وتوعيتَه بدورِه الأساسيّ في البناءِ والتنميةِ، والمساهمةَ في البنيةِ الثقافيةِ والتعليميةِ للمجتمع، بترسيخِ دعائمِ هويته ووحدته الوطنية ودورهِ في المحافظة على هذه المكتسبات، وتعميقَ تجربة المشاركة في اتخاذِ القرارِ وتحملِ المسؤولية، وتأصيلَ مبدأ العملِ كقيمةٍ دينيةٍ وحضاريةٍ بالإتقان في أدائه والتميز في عطائه. ويمكن إجمال واجبات الإعلام العماني في تعبيرٍ واحدٍ هو “المسؤولية الوطنيّة” المتعددةِ الأوجه والمجالات. إن من أهم أوجه المسؤولية التي يُتوقع من التربية الإعلامية تعزيزها في زمنِ التقنيةِ الحديثة ويسرِ التواصلِ الاجتماعي والإعلامي تقديمَ المفيدِ للوطنِ وللمجتمعِ وللبشريةِ جمعاء في ما يُطرح، وترسيخَ “السَّمتِ” (أي السكينةُ والوقارُ) في الطرح، وجودةَ الصنعةِ المهنيّةِ الإعلاميّةِ بالالتزام بضوابط الإنتاجِ في مختلف مجالات العملِ الإعلامي.
غير أن التربية الإعلاميّة التي تعزز الوعي بمفاهيم الوطن والقيم والتقدّم لا يمكنها لوحدها أن تلاقي النجاحَ إن لم تسندها تنظيماتٌ قانونيّةٌ تضبط الأرضية للممارسةِ الإعلاميّةِ الفُضلى، وهنا فإننا نقترح على مؤتمرِكُم الكريمِ هذا أن يضيف البعد القانوني التنظيمي كذلك ليكتمل المثلث: الإعلام، التعليم، القانون.
هذه بعض الأفكارِ المتواضعةِ التي رأينَا من الفائدة طرحَها على مؤتمركم الكريم، ولا شكّ أن خبرتَكم العلميّةَ ومناهجَكم الموضوعيةَ في مقاربة التطورات الحديثة وفي وضع أسسٍ صلبة للتربية الإعلاميّة ستضمن لمداولات هذا المؤتمر النجاحَ في الوصول إلى توصياتٍ تعزز الوعيَ والمسؤوليةَ والتقدمَ الحضاريَ من خلال تحديدِ آلياتٍ محددةٍ تستطيعُ المجتمعاتُ، أفرادًا ومؤسسات، تفعيلَها بما يقودُ إلى واقعٍ أفضلَ وغدٍ أزهى وأجملَ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
