تمهيد ضروري :
في العراق هناك حشد شعبي قاتل تنظيم داعش الارهابي تلبيةً لفتوى المرجع الشيعي الأعلى في النجف الأشرف سماحة السيد علي السيستاني حفظه الله. وكان له فضل على جميع دول المنطقة وخصوصا الكويت ودول الخليج وإيران والمصالح الدولية في المنطقة عندما منع تمدد تنظيم داعش الارهابي بسواعد ودماء وأرواح العراقيين .وبعدها نظم صفوفه اي الحشد الشعبي، وتمأسس وأصبح جزء من القوات المسلحة العراقية ويعمل تحت علم الدولة العراقية وبإمرة القائد العام للقوات المسلحة. وبالمقابل هناك فصائل عراقية مسلحة ترفع شعار مقاومة الأحتلال في العراق وخارجه وهي حليفة لإيران عقائديا وروحيا ولوجستيا.ويطلق عليها في العراق تسمية ” الفصائل الولائية”.وايضا هناك فصائل عراقية مسلحة ومنظمة ولكنها توالي مرجعية النجف من الناحية العقائدية والروحية، ولم تجاهر بالمقاومة والممانعة مثلما تفعل الفصائل الولائية والتي تعترض احيانا على سياسات الحكومة والدولة العراقية !
*أكدنا على هذا التمهيد لأنه ضروري في هذا التحليل، و لفهم ما سوف تؤول اليه الأمور في العراق !.
الحدث الكبير !
يعتبر يوم ٢٨ آذار ٢٠٢١ يوماً مهماً بالنسبة لإيران والمنطقة وخصوصا في منطقة الخليج والعراق . وهو اليوم الذي وقعت فيه إيران والصين الشعبية على الأتفاقية الإستراتيجية بينهما والتي ستستمر ل 25 عاما وبقيمة أجمالية تصل الى 600مليار دولار تقريبا .وفسر محللون بأن هذه الاتفاقية التي تأتي ضمن إطار مبادرة “طريق الحرير” الصينية المعروفة باسم “حزام واحد طريق واحد” جاءت بهدف زيادة نفوذ بكين في المنطقة باعتبار الموقع الاستراتيجي التي تملكه إيران على الضفة الشرقية من مياه الخليج.( وسوف نكتب وبمقالات لاحقة عن تلك الاتفاقية وفحواها واهميتها ) !
حدود الحرب الباردة الجديدة !
تعتبر الأتفاقية الاستراتيجية التي وقعت بين إيران والصين الشعبية ولمدة 25عاماً هي اللبنة الأولى في مشروع تقسيم المنطقة والعالم بعد جائحة كورونا والازمة الاقتصادية العالمية . لقد وضعت هذه الاتفاقية الإستراتيجية بين الصين وايران حجر الأساس للحدود الاقتصادية والامنية للحرب الباردة الجديدة بين المحور الصاعد عالميا وهو ( المحور الروسي الصيني ) والذي رأس حربته ( إيران) من جهة ، والمحور الأميركي البريطاني الاوربي من جهة أخرى والذي رأس حربته ( إسرائيل وبعض دول الخليج ).باستثناء ” سلطنة عُمان ” التي سيصبح بل اصبح موقعها ودورها وبالضبط كدور ” النمسا المحايدة ” أبان الحرب الباردة بين المحور الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي من جهة والمحور الرأسمالي “أو الليبرالي” الاميركي من جهة أخرى.
كيف سيصبح حال العراق ؟
هناك دولتان تمثلان حجر الزاوية في المنطقة في موضوع رسم المنطقة من جديد وهما العراق وسلطنة عُمان .ولقد أتضح وتبيّن وضع وموقع وأهمية” سلطنة عُمان” في الحرب الباردة الجديدة التي تتمحور حول شراهة واندفاع وتقدم المحور الصيني الروسي الإيراني من جهة ، ومحاولة صمود ودفاع المحور الاميركي البريطاني الغربي عن النفوذ والمصالح الخاصة بهذا المحور .
فيتضح أن وضع العراق القادم مختلف وهو أمام خيارات عدة وهي :-
الخيار الاول : خيار أوربا الشرقية
وهنا يبرز سؤال كبير ومهم جدا وهو:
—هل سيكرر الرئيس الأميركي جو بايدن موقف سلفه الرئيس الأميركي هاري ترومان عام 1947 حول الوضع في العراق ؟.
فلقد تسربت معلومات مهمة هذه الايام بأن لدى الرئيس الأميركي بايدن خطة أقتصادية للعراق. مما أثارت بعض الأسئلة والتوجسات من بعض المراقبين والمحللين .واهمها كيف يتجه الرئيس بايدن الى خطة اقتصادية والعراق متقهقر سياسيا وامنيا ،وفي داخله فوضى للسلاح المنفلت ،وهناك نفوذ لدول واجهزة استخبارية واهمها ايران وتركيا ودول اخرى ؟
ولكن عندما غضت أدارة بايدن الطرف عن توقيع الأتفاقية الإستراتيجية الضخمة بين إيران من جهة والصين من جهة اخرى والتي تؤسس لحدود متقدمة جدا لصالح الصين وروسيا هنا برز أمامنا أحتمالان مهمان . وهما :
١. الاحتمال الاول :- أما انها صفقة سرية بين واشنطن وطهران بوساطة عُمانية لكي ترخي إيران يدها في العراق، ومن ثم الخروج من هذا البلد تدريجيا. ولمن لا يعرف فأن هناك مجموعة اميركية رفيعة جدا ومرتبطة بوزير الخارجية الأميركي بلينكن وبالرئيس بايدن باتت شبه مقيمة في مسقط لتمرير الصفقات السرية ورسم المنطقة من جديد!
٢. الاحتمال الثاني :- أو ان لدى الرئيس بايدن خطة إستراتيجية لن تنجح حسب رأيه الا بُعيد توقيع هذه الاتفاقية بين طهران وبكين والتي تعتبر رشوة دسمة لطهران . والتي تعطي لسلطنة عُمان هوية الدولة المحايدة ” النمسا الجديدة ” لكي يتفرغ بايدن لخطته في العراق . وهنا بدأنا نعرف لماذا يصر بايدن على السيناريو الاقتصادي في العراق !.
فيبدو أن الرئيس بايدن بات مقتنع للسير في طريق الرئيس هاري ترومان عام ١٩٤٧ وعندما تصدى للاتحاد السوفيتي الذي كان يريد الاستيلاء على دول أوربا الشرقية من خلال تمدد الشيوعيه فيها . وبالضبط مثلما تفعل إيران بدعم “صيني وروس للاستيلاء على القرار في العراق والعبور صوب سوريا ولبنان وصولا للمتوسط ثم دول اوربا مثل اليونان وقبرص وايطاليا …إلخ
فالواضح ان الرئيس بايدن سيستخدم نفس الوسائل التي استعملها الرئيس ترومان ضد الاتحاد السوفيتي وضد المد الشيوعي ، وعندما قرر ( الدعم الاقتصادي) الى الدول الاوربية التي تريد البقاء حرة وخارج المظلة السوفيتية فأطلق حينها مشروع ( مارشال) لدعمها اقتصاديا !.
فالرئيس بايدن وعلى مايبدو ذاهب لاطلاق مشروع ( مارشال) تجاه العراق بهدف تنميته اقتصاديا .والذي يتلخص بدعم العراق أقتصاديا لأعادة بناء مادمرته الحرب الاميركية ضد العراق ومادمرته التنظيمات الإرهابية وتنظيم داعش الإرهابي .وذلك لقطع الطريق على الهيمنة الصينية الروسية على العراق من خلال إيران !.
العودة للوراء قليلا…وسر دعوة الكاظمي لحوار أستراتيجي :
وهذا يعيدنا الى الوراء قليلا حيث حزيران 2020وعندما أجريت مفاوضات الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة وتحديدا في الجانب الأقتصادي .وعندما بحثت واشنطن تزويد العراق بالمستشارين الاقتصاديين للعمل بشكل مباشر مع الحكومة العراقية للمساعدة في تعزيز مستوى الدعم الدولي لجهود حكومة العراق. والدعم المقدم من المؤسسات المالية والدولية لدعم الخطط الجديدة لتشريع اصلاحات اقتصادية جوهرية!….ومن هنا عرفنا السبب الذي دفع رئيس الحكومة العراقية السيد مصطفى الكاظمي ليطلب من ادارة الرئيس الاميركي بايدن حوارا استراتيجيا في شهر نيسان / ابريل٢٠٢١ وسط ذهول المراقبين والمحللين الذين يعرفون الواقع العراقي المهلهل امنيا وسياسيا !
الخيار الثاني :-الخيار التشيكوسلوفاكي!
يعتبر هذا الخيار مؤلم بالنسبة للاغلبية المطلقة في العراق في حالة حصوله على الأرض .وهو ليس مستبعد لأن هناك من يعمل عليه بقوة. ولقد وصل الاعداد له بنسبة ٧٠٪ و ٨٠٪ وبنسبة ٩٠٪ من قبل .أي خلال السنوات الماضية واجهضته الولايات المتحدة بطرق مختلفة ( ولدي أسرار حول ذلك نؤجلها الى مناسبات اخرى ).
فهناك مخطط وراءه المحور الصيني الروسي الايراني لتكرار أنقلاب الشيوعيين في تشيكوسلوفاكيا ليكون في العراق، أي مثلما حصل في تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٤٨ عندما نجح الاتحاد السوفيتي بمباغتة المعسكر الأميركي باحداث انقلاب شيوعي في تلك الدولة. فتم حينها تصفية خصوم الشيوعيين من السياسيين ورجال الاعمال وغيرهم وتمكن السوفيت من السيطرة على تلك البلاد .
وبالتالي فأذا نجح المحور الصيني الروسي الايراني بذلك في العراق .فسوف تكون ضربة استراتيجية قاصمة لظهر الولايات المتحدة عندما تفقد العراق لصالح المحور الصاعد بقيادة الصين ! …ولكننا نعتقد ان الولايات المتحدة لن ولن تعطي العراق لغيرها .وحتى وان استخدمت السلاح النووي ضد الدول التي تحاول خطف العراق منها . لهذا وعلى مايبدو يريد الرئيس بايدن المباشرة بالمخطط الاقتصادي في العراق ليُنسي الشعب العراقي فقدانهم للأتفاقية الصينية العراقية التي حاول رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي الشروع بها في العراق و التي ذهبت أخيرا صوب ايران. بعد ان دفع ثمنها عبد المهدي وحكومته بالضربة القاضية التي وراءها واشنطن وحلفاءها في المنطقة وداخل العراق !.
الخيار الثالث: الخيار الالماني !
هنا يكمن الخطر . ويكمن السر الاعظم !
١. فياترى هل ستمرر ادارة بايدن مشروع رئيسها القديم والذي يصب في تقسيم العراق أم أن بايدن النائب يختلف عن بايدن الرئيس ؟
٢. وبصيغة أخرى :- هل ستخسر الولايات المتحدة نصف العراق لصالح المحور الصيني الروسي الايراني ومثلما حصل في المانيا ؟
٣. أم أن بريطانيا العائدة بقوة نحو تركتها القديمة في الخليج والعراق ستكون عوناً للأميركيين بمنع سقوط نصف العراق بيد المحور الصيني الروسي الايراني . وفي نفس الوقت منع بايدن من تنفيذ تقسيم العراق مثلما جاء في النقطة رقم (١).
فالخيار الألماني ليس مستبعدا في العراق في حالة استخدام ايران وبدعم صيني وروسي لحلفاء ايران في العراق من سياسيين وفصائل مسلحة للقيام بمعركة كبيرة في العاصمة بغداد أو في جنوب العراق ضد الولايات المتحدة، وحينها ستكون النتيجة تقسيم العراق الى شطرين ومثلما حصل في المانيا ابان الحرب الباردة. أو دخول العراق في حرب اهلية ستدمر الجنوب العراقي ، او ستضطر الولايات المتحدة باستخدام (الخيار الهاييتي) بالصعود من جهة الكويت وبدعم بريطاني لفرض الأمر الواقع وبدعم من المجتمع الدولي والامم المتحدة ومجلس الأمن !!
الخيار الوطني :- صمود الشعب العراقي !
الشعب العراقي منقسم حيال ايران بسبب سياسات وفساد وطغيان وفشل معظم حلفاء ايران في العراق. مما ادى الى زيادة الرفض والكراهية لإيران ( وهذه حقيقة وليست فرية من كاتب السطور ) .
١. فإيران دولة جارة ومسلمة ومهمة للعراق. ودولة محورية واستراتيجية في المنطقة ومن مصلحة العراق ان تكون له افضل العلاقات مع إيران .ولكن السياسات الخاطئة من قبل ايران وأصرارها على نفس الحلفاء العراقيين الذين عرفوا بالتنمر على العراقيين، وعرفوا بالطغيان والفساد وعدم احترام المجتمع والدولة ، والاصرار على هدر كرامة العراقيين وتفكيك الدولة وبسط الاقطاع السياسي الذي يقودونه هم كلها أسباب بنفور اغلب ومعظم العراقيين من ايران، وبضمنهم نفور اغلب شيعة العراق من ايران ولنفس الاسباب المذكورة!.
٢. ومن الجانب الآخر فالشعب العراقي لا يثق بالدول العربية ” الانظمة العربية” ويعتبرها شريكة في جميع فصول دمار وتخريب العراق، وكذلك في جميع فصول مآسي الشعب العراقي.فما نسبته ٨٠٪ من العراقيين لديهم قناعة بأن الدول الخليجية اولا والدول العربية ثانيا لا تريد للعراق ان ينهض ويعود لسابق عهده لاسباب كثيرة واهمها نفسية واقتصادية وتاريخية وطائفية !.
٣. بالمقابل للعراقيين والعراق حقوق قانونية واخلاقية على الولايات المتحدة بسبب حربها المدمرة وغير الشرعية ضد العراق ، وبسبب قتلها للعراقيين، ونهبها لثروات وتراث وحضارة العراق ، وبسبب قتلها او مساعدتها بتهجير وقتل علماء العراق ، وهناك آلاف القضايا العراقية ضد الولايات المتحدة والتي تدر مئات المليارات من الدولارات على العراق والعراقيين. ولكن ليس هناك من يطالب بهذا . فحان وقت المطالبة بذلك ! .
فالخيار الوطني الذكي هو الحل ويجب ان يتحرك ( سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا ) ضد الولايات المتحدة لحين اجبارها بالتعويض او مساعدة العراقيين لتحرير أنفسهم من الاستبداد الديموقراطي الكاذب الذي استمر ١٧ عاما على التوالي . والتعهد بتأهيل العراق اقتصاديا وامنيا وسياسيا ليصبح دولة مدنية تحترم شعبها وتفرض احترام شعبها وحدودها ومصالحها على جميع الدول . ويجب التحرك بهذا الاتجاه وكفى العمل باستراتيجية الظاهرة الصوتية التي لا تقدم للعراق غير الفرقة والكراهية والتباعد وانعدام الثقة !.
الكرة بملعب الحكومة العراقية :
والحاقاً بما تقدم يجب على الحكومة العراقية وضع الخطط العسكرية والامنية ومن الآن. وضمن مبدأ ( أسوأ الأحتمالات ) لمنع الانقلاب من خلال تفكيك أدواته فورا .ومنع جميع انواع تقسيم العراق.ومنع تمرير الخيارات التي ذكرناها باستثناء الخيار الوطني. ويجب ان تفرض الدولة سلطتها على كل شبر من الارض العراقية. ويجب تحرير المدن جميعا من مظاهر السلاح ومن مظاهر العسكرتاريا التي دمرت المجتمع والاجيال !. والضغط على ادارة بايدن للشروع في مشروع مارشال العراقي وهو الامل المتبقي للعراق والعراقيين!
وان الولايات المتحدة ووزارة الخزانة الاميركية :
تعرف جيدا لصوص العراق. وتعرف الذين نهبوا ثروات العراق والعراقيين. ولديها الاسماء كاملة. ولديها معرفة المال العراقي المسروق و بالسنت وليس الدولار. كيف خرج من العراق. وأين أستقر ومن سرقه. وماهي الجهات التي ساعدت باخراجه واستثماره خارج العراق .
فيجب الضغط على الولايات المتحدة وضع جميع الفاسدين على لائحة الحظر ولائحة الأنتربول الدولي وضمن استراتيجية ( يتغدى بهم الشعب والعراق قبل ان يتعشون بالعراقيين والعراق من خلال تمرير سيناريو غير متوقع !!!) !فالكرة في ملعب الكاظمي وحكومته !
د. سمير بن عبيد
٢٨ آذار ٢٠٢١

