في الجزء الأول تحدثنا عن الإمام الحافظ الكبير الخطيب البغدادي بشكلٍ عام، في محاولة بسيطة أن نستذكر مناقب هذا النابغة في عصره وإلى اليوم، وفي شهر الرحمة والمغفرة أبحرنا بما استطعنا في هذه العلوم لنشارككم إياها، ونستحضر معاً عراقة أمتنا الإسلامية والعربية على لسان علمائها في كل المجالات والميادين.
إن القيمة التاريخية لكتاب تاريخ بغداد، كبيرة جداً، هو كتاب في التراجم، وأصبح المصدر الرئيس لكل الكتب التي أتت بعده، وتأتي أهميته من كونه قد خدم علم الحديث من خلال اهتمامه الواسع بالمحدِّثين؛ وكذلك تأتي أهميتهم من كونه قد عرَّف بالكثير من الكتب المفقودة في معظم المجالات المختلفة، وقد استفاد أكثر مؤرخي الإسلام من هذا الكتاب وأصبح من المراجع الرئيسة لهم، وقد أثنى عليه الإمام السُّبكي وطاش كبرى زاده وابن ماكولا وأبو يعلى وابن عساكر وابن الجوزي وغيرهم.
إن كتاب مدينة السلام (بغداد) كتاب تراجم المحدثين ورجال الحديث، وإن كان فيه غيرهم، هو كتاب لتواريخ الرجال كتاريخ أصفهان ونيسابور وتاريخ دمشق، كتابٌ مفيد للمحدثين من بعد البغدادي، مثل الذهبي وابن حجر وغيرهما، وكان مرجعاً للمؤرخين من بعده يذكرون حوادث السنين من أمثال ابن الجوزي في كتاب “المنتظم” وابن كثير في البداية والنهاية، والأثير في الكامل، كما أن هذا الكتاب مرجعاً في الأدب والشعر ونقل منه الأدباء القصص والنوادر والأشعار، وكذلك المصنفون في الوعظ والتصوف ، وباختصار إنه مرجع لكل المصنفين لأنه اشتمل على تراجم جميع أصناف العلوم والفنون، لكن فائدة الكتاب لعلماء الحديث كانت لها الحصة الأكبر والفائدة الأكثر من غيرهم.
إن أشهر من ذكر كتاب تاريخ بغداد من المصنفين، المالكي وأسماه “تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها”، وشهبة في كتاب “تاريخ مدينة السلام”، وابن الجوزي في “المنتظم”، وياقوت الحموي في “معجم الأدباء”، وحاجي خليفة في “كشف الظنون”، وغيرهم، هذا الكتاب بعد الإطلاع والبحث يوجد منه نسختان، الأولى في دار الكتب المصرية وهي عبارة عن مخطوطة، والثانية مصورة عن نسخة مخطوطة في تركيا، وأيضاً في مكة المكرمة، هذا الكتاب ثروة نادرة جمعت عبقرية فذة لعالم جعل العلم وتحصيله هدفاً له، فقد شرح في مقدمة الكتاب مضامين التراجم وصنوف أصحابها وما بلغه عن كل منهم من (قدح ومدح، توثيق وجرح، وما وصل إليه من ألقابهم وكناهم، وأنسابهم ومشهور مآثرهم، ومستحسن أخيارهم، وتاريخ وفياتهم، وأنه سيترجم لعلمائها المولودين فيها ولمن وردها من غير أهلها، وحدث بها، كما انه سيترجم لعلماء المدائن والنواحي القريبة من بغداد، كالنهروان والأنبار).
تاريخ مدينة السلام (بغداد) حمل المدينة في طيات الكتاب، وكانت لها الحصة الراقية والرائعة في دقة الوصف وإجادة السرد، فلقد وصفها البغدادي بإسهاب ووصف تخطيطها، وتعداد مساجدها وحماماتها وسككها، وما كانت عليه من الحضارة والمدنية أولاً، ثم على ترجمة الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والأشراف، ثم على ترجمة العلماء من سائر أصنافهم، المحدثين والمفسرين والقرّاء، والأصوليين والمجتهدين والفقهاء، والنحاة والصرفيين والبيانيين واللغويين والمتكلمين والمنطقيين، والقضاة والفرضيين، والزهاد والنساك والمتصوفة، والقصاص والوعاظ والرياضيين والمهندسين، والفلكيين والمنجمين والموسيقيين والأطباء والصيادلة والجراحين والكتّاب والخطاطين والأدباء والأخباريين والنسابين والمؤرخين والعروضيين والشعراء والمغنين والرماة والفرسان وحذاق الصناع، هذا يدلل على أن الخطيب البغدادي لم يترك شيئاً في تاريخ هذه المدينة وما فيها إلا وضمنه في كتابه، ليكون فعلاً تاريخاً متكامل الصورة والمضمون.
لقد أراد الخطيب البغدادي في كتابه وصف بغداد بدقة وتعداد معالمها بدقة حتى من خلال ما وصل إليه من أخبار وما قيل عنها، ففصل وصف بغداد لوحده أخذ أكثر من مئتي صفحة من كتاب (تاريخ بغداد)، وأما التراجم فقد شرع البغدادي بتراجم أهل المدائن، ومن دخلها من الصحابة، ومن بعدهم، يقول البغدادي: (إنا أوردنا ذكر المدائن في كتابنا، لقربها من مدينتنا، وذلك أن المسافة إليها بعض يوم، فكانت في القرب منها كالمتصلة بها، وسنورد في هذا الكتاب أسماء من كان من أهل العلم بالنواحي القريبة من بغداد، كالنهروان وعُكبرا والأنبار وسرّ من رأى، وما أشبه ذلك عند وصولنا إلى ذكرها إن شاء الله، فأما تقديمنا ذكر المدائن، فإنما فعلنا ذلك تبركاً بأسماء الصحابة الذين وردوها، والسادة الأفاضل الذين نزلوها، وقد قُبر في المدائن غير واحد من الصحابة والتابعين رحمهم الله).
ثم شرع الحافظ الكبير، في تراجم علماء بغداد ومن وردها من غير أهلها، وسكن بها أو حدث فيها، ورتبهم على أحرف المعجم، وتأملوا معي التبويب والترتيب في ذاك الزمان والنظام والدقة على بساطة الأدوات، لكن البغدادي رغم تبويبه على أحرف المعجم لكنه قدم من كان اسمه محمد تبركاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورتب المشتركين بالاسم الواحد، على حسب حروف المعجم بالنسبة لآبائهم، كما رتب من كثر الاشتراك في اسمه واسم أبيه، (كمحمد وأحمد) على حسب حروف المعجم بالنسبة لأجدادهم، كما ابتدع طريقة موفقة فيمن كثر الاشتراك في اسمه واسم أبيه، فرتبهم على حسب التاريخ الزمني لوفياتهم، وتعتبر هذه طريقة جديدة في التراجم.
وبلغ عدد التراجم في الكتاب (7831) على (6500) صفحة، حيث تختلف التراجم طولاً وقصراً، وتعد ترجمة أبي حنيفة النعمان أطول ترجمة في الكتاب، وجاءت على 100 صفحة كاملة، وهنا قال لي العلامة المحدث الدكتور محمود سعيد ممدوح في حديث جمعنا في القاهرة العام 2020، أثناء زيارتي له: (الخطيب البغدادي رحمه الله قسّم ترجمة الإمام أبي حنيفة إلى قسمين، قسم أول أورد فيه التعديل، وقسم ثانٍ أورد فيه الجرح على سبيل الجمع، الإمام البغدادي هو حافظ كبير يريد أن يجمع المادة العلمية المتعلقة بالإمام أبي حنيفة جرحاً أو تعديلاً والجرح كثير لأن الإمام النعمان كان بينه وبين المحدثين خلافات كثيرة ، فأصبحت ترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت في تاريخ بغداد هي ترجمة فخمة جداً فيه جرح وتعديل وفيها إحاطة لترجمة عظيمة) بينما كانت التراجم القصيرة من نصيب للأدباء والشعراء والموسيقيين والمغنيين، والطويلة فكانت من نصيب المحدثين والفقهاء والقضاة، وأصحاب العلوم الشرعية، يليهم الخلفاء والملوك، لكن بطبيعة الحال هذا الكتاب خصّص لتراجم رجال الحديث وبيان حالهم، وأقوال الأئمة الحفاظ فيهم، من قدح ومدح وجرح وتعديل، فلقد استقصى البغدادي تراجم محدثي بغداد منذ أن بنيت المدينة إلى تاريخ وفاته، وترجم لما يقارب أربعة آلاف محدث، ليكون الكتاب المرجع الشامل لكل المحدثين الذين عاشوا في بغداد، أو قدم إليها، أو حدث بها منذ تأسيسها، وعليه يكون هذا الكتاب ثروة حقيقية لا تقدّر بثمن، وكل طالب علم يجد ضالته في القرون الخمسة الأولى للهجرة.
اعتمد البغدادي في تراجمه على أسلوب رائع، فكان يبدأ بذكر اسم المحدث تفصيلاً، مثلاً في ترجمة أبي حنيفة يقول: (النعمان بن ثابت أبو حنيفة التيمي)، ثم يكتب عبارة في وصف الشخص، وأهم مميزاته، مثل (إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق)، ثم يذكر أشهر من أخذ عنهم وأشهر من أخذوا عنه، ورحلته في طلب الحديث، إن كانت له رحلة، ثم يذكر نسبه وبلده ونشأته، وصفاته الجسيمة والعلمية وينقل أخبار العلماء في دعم ما يقول، ويذكرها جميعها بالسند إلى قائلها، ثم يتبع ذلك بأقوال الناقدين له أو المثنين عليه، لذلك يطيل في هذه الجزئية ويذكر كل ما وصله مما قيل في مدحه أو جرحه، بالسند الكامل، ويختم بذكر سنة وفاته ومكانها وقد يصف في بعض المواضع الجنازة، وما قيل في رثائه، وغالباً ما يروي بسنده من طريق صاحب الترجمة حديثاً أو أكثر، وذلك للفائدة كبيان حال المترجم له أو معرفة طبقته أو ضبط اسمه وغير ذلك من الفوائد.
إذاً، كتاب “تاريخ مدينة السلام” يعكس مدى نشاط المحدثين في بغداد، الذين ارتفع شأنهم بعد تأسيس المدينة بفترة وجيزة، منهم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدار قطني وأبو بكر البرقاني، وأبو القاسم الأزهري، فكانت بغداد مركز اتصال مع المدن الأخرى، وفيها ازدهرت الحركة الفكرية وساعد على وجود المكتبات العامة والمدارس الخاصة بالفقه وعلوم القرآن والحديث، ليكون هذا الكتاب أضخم من أن يتسع المقام لذكره.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان

