يحضرني في هذا المقام حديث أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟
قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما فقاما معه.. إلى آخره.
ما يحدث في محيطنا العماني في هذه الآونة الصعبة من عمر عماننا الحبيبة من وقفات احتجاجية سلمية مطالبة بتوفير فرص عمل ، وحلولاً فعلية لقضايا المسرحين من أعمالهم، بغية تأمين لقمة العيش الكريمة، وإخراجهم من دائرة البؤس والألم والمعاناة، ومنهم من آل به الحال إلى غياهب السجون، خاصة من فئة المسرحين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بدون عمل، ولا عائد مادي يعينهم على إعالة أسرهم وسداد مديونياتهم التي أفضت بهم إلى السجون..
إن هذه المشاهد ليست ببعيدة عن ذلكم المشهد الذي حصل لرسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وصاحبيه وهم أشرف رجالات هذه الأمة جمعاء، ورغم ذلك فقد أخرجهم الجوع..
ومع التأكيد التام على مشروعية هذه الاحتجاجات والوقفات السلمية التي تحمل في مضامينها مطالبات بحقوق جوهرية مشروعة ولازمة شرعاً استناداً لحديث رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
كما أكدت كل القوانين والتشريعات على أحقية المواطن في الحصول على مصادر تعينه على ديمومته في الحياة بكل كرامة وإباء..
ولذلك فإن هذه الوقفات لا غبار عليها ما دامت أنها سلمية وفي الطريق الصحيح ما لم تتسبب في عنف أو ترويع أو تخريب.. فإن هي خرجت عن إطارها السلمي المألوف فقد وقعت في المحظور، وتسببت في تحقيق مآرب ومطامع الآخرين ممن يتربصون بأمن وسلامة هذا الوطن الابي، وذلك ما لا يرضاه أي مواطن غيور على وطنه، ويستنكره الجميع وتجرمه التشريعات الدينية والدساتير القانونية..
وكم كانت اللوحة زاهية وجميلة لرجالات الأمن وهم يوزعون عبوات مياه الشرب على المتظاهرين مصحوبة بابتسامات حانية، وذلك ليس بغريب على المجتمع العماني، ولربما كان عدد من رجال الشرطة الحاليين ضمن المتظاهرين في أحداث عام ٢٠١١م، ومن الطبيعي أن لا ينكروا للمتظاهرين اليوم حقهم في المطالبة بفرصة عمل تحقق لهم طموحهم وآمالهم المشروعة..
نأمل أن تتسم هذه المسيرات بالسمت العماني المعروف بالتعقل والهدوء والحكمة، وأن تكون الكثرة العددية للمتظاهرين هي للشرفاء والعقلاء الذين يزنون الأمور بموازينها الصحيحة، وأن لا يكون للهمجية والرعاع موطئ قدم في هذه التجمعات الوطنية العفوية ..
وبالمقابل يجب أن يكون المسؤول المعني بالقضية حاضراً في قلب المشهد، وبمعيته الإعلام الرسمي لكي ينقل الحدث بكل أمانة ومهنية، وأن لا يتركه للقنوات الخارجية التي تدس السم في العسل..
كما نأمل أن تتم المعالجة بخطط مدروسة وغير متسرعة وأن لا تكون أشبه بالأقراص المسكنة، وأن تعطى الأولويات والفرص لمستحقيها، وأن لا تتكرر أخطاء المعالجات السابقة، حيث تم تبذير الوظائف هنا وهناك بدون أي تركيز، الأمر الذي تسبب في خلق أزمات مالية أخرى..
إن الاهتمام بالتعليم وتوجيه شراعه إلى الوجهة الصحيحة التي يحتاجها الوطن بدلاً عن هذا الحشو الذي لا طائل من وراءه سوى الهدر المالي، وتغييب العقول والقدرات، لهو من أولى خطوات تصحيح المسار، وأن يعطى الأهمية القصوى، يرادفه تأصيل مبادئ العدالة والمساواة بين شرائح المجتمع وإلغاء المحسوبية، والنأي بعيداً عن أساليب فرق تسد وأشغلوهم بأنفسهم، إن وجدت، واختيار الحكماء لصناعة القرار الرسمي، ومحاسبة وتعقب الفاسدين أكانوا ممن أوصلوا هذا البلد إلى هذا المنحدر الخطير، أو ممن لا يزالون يتخبطون في مناصبهم الحالية، ولعل المحاصصات الأخيرة كفيلة بكشف سوءاتهم..
كما بات مهماً تكاتف المقتدرين مع الحكومة، فلا يعقل أن يوجد في محيطنا العماني حيتان وهوامير ولديهم شركات كبرى،وأموال طائلة، وكثير من ذويهم وجماعتهم يتكفكفون الدولة من أجل توفير فرصة عمل لهم ينافسون فيها البائس الفقير، فيما يعمد ذلك الحوت إلى استجلاب عمالة وافدة ..
نضرع إلى الله جلت قدرته أن يعين جلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد على حمل هذه المسؤولية الجسيمة والتركة الثقيلة التي حملها في هذه الحقبة العصيبة، وهو بلا شك أهلاً لها، وأن يرزقه الله البطانة الصالحة الأمينة الحكيمة التي تؤازره على الإبحار بالسفينة العمانية إلى بر الأمان، وسط هذه الأمواج العاتية المتلاطمة، إنه سميع مجيب الدعاء.
مسهريات يكتبها ناصر بن مسهر العلوي / ولاية بهلا
الأربعاء ١٤ شوال ١٤٤٢
الموافق ٢٦ مايو ٢٠٢١ م
