
عمّان في 21 يونيو /العمانية/ تتنوّع أعمال الفنانة التشكيلية الأردنية داليا أبو هنطش
لتشمل لوحاتٍ تحاكي الطبيعة ومفرداتها، وأخرى تنتمي إلى فن البورتريه، وثالثة تقترب
من حدود الفن التجريدي والعمارة.
ورغم التنوُّع الذي تنطوي عليه هذه الأعمال، إلّا أنّها تنبثق بمجملها من تجربة فنية
وفكرية ترى في الطبيعة مصدرا للإلهام. ففي مجموعة من اللوحات الكلاسيكية التي
تتضمن مشاهد رُسمت بالألوان الزيتية الحارة والباردة، يمكن للمشاهد التأمل في تناغم
أشكال الورود في باقة تضجّ بألوان الفرح، أو إنعام النظر في تشكيلة من الفواكه المتنوعة
بألوانها الطبيعية، أو التجوال بين سرب من الأشجار وارفة الظلال، أو عبور سلسلة
جبلية تكشف عن انسجامٍ في الشكل واللون.
وتحضر الطبيعة في أعمال أبو هنطش المنحدرة من قرية طولكرم الفلسطينية، في لوحات
ذات محمول فكري، فهذه اللوحات وإن كانت تستند إلى المشهد الطبيعي إلّا أنها ترمز في
ما تشتمل عليه من أشكال إلى أفكار واضحة ومحددة، كأن يجري تصوير بذور الأجاص
وكأنها جنين في رحم أمه، أو إظهار خروج فتاة وولادتها من قلب زهرة وهي تبتسم على
أنه إشارة إلى الأمل بالقادم من الأيام، أو تقديم جذور الأشجار على أنها دليلٌ على التمسك
بالأرض والهوية.
وتستخدم الفنانة في لوحاتها خلفيات مفتوحة على الفضاء، على غرار مشهد غروب
الشمس، والغيوم التي تسبح في سماء زرقاء هادئة، والبحر بأمواجه الصاخبة، الأمر الذي
يبعث في النفس إحساسا مربكا بسبب التضاد بين هذه الحالات وعدم اتخاذها نسقا واحدا.
أما رسم البورتريه، فتعتمد فيه الفنانة على الفحم الأسود لتخطيط الوجوه، وتتنوع
البورتريهات التي تقدمها لتشمل وجوها وأجسادا بشرية، ووجوها لخيول، وقد نُفِّذ أكثرها
بالفحم الأسود مع الحرص على إظهار أدق التفاصيل، وهو ما يكشف عن براعة في رسم
الخطوط وتجسيد الملامح والتقاط تعابير الوجوه، والأهم من ذلك القدرة على اللعب في
المسافة الكامنة بين مفردتَي الظل والضوء.
وفي المجموعة التي يمكن أن تندرج ضمن الفن التجريدي، يَظهر استلهام أبو هنطش لفن
العمارة في تصوير المدن، وخاصة مدينة القدس، إذ تظهر التشكيلات الهندسية للبيوت
وكأنها مكعبات لونية متراكبة بعضها فوق بعض، وفي عمقها تنتصب قبة الصخرة بلونها
المميز، أو تظهر الكنيسة كبرج شاهق يسبح في فضاءات لونية حارّة تتدرّج بين البني
والأحمر والأصفر والبرتقالي.
وعلى خلاف الألوان المبهجة في لوحات الفنانة المستوحاة من الطبيعة، تبدو اللوحات
التجريدية قاتمة وبألوان معتمة، معبّرةً عن حالة المدن التي يخنقها الاحتلال، ويُستثنى من
ذلك اللوحات التي يحضر فيها المسجد الأقصى؛ إذ يظهر محاطا بحمائم بيضاء تشير إلى
الحرية والسلام. ففي هذه اللوحات الاستشرافية، تعمد الفنانة إلى خلفيات متدرّجة من
الأبيض والأزرق البارد، وتستخدم ألوانا مشرقة وظلالًا تُظهر الحمائم كما لو أنها تمتلك
أجنحة مضيئة.
المتأمل في ما تقدمه داليا أبو هنطش من أعمال، يشعر أنّ ثمة موسيقى صامتة تتغلغل في
تفاصيل المشاهد، وأصوات يتكفل اللون بالتعبير عنها، حتى تكاد الطيور تزقزق والحمائم
تهدل والأمواج تتفجر.. وهو ما تؤكده الفنانة في حديثها عن اهتمامها بالموسيقى
الكلاسيكية، وتعلّقها بالطبيعة، وشغفها بركوب الخيل، مستذكرةً سقوطها ذات مرة عن
ظهر الحصان الذي عاد إليها ونظر في وجهها كأنه يعتذر، فرسمت المشاعر التي انتابتها
في تلك اللحظة في غير لوحة، منطلقةً من أن كلّ لوحة إنما هي تجربة متكاملة من
الألوان والتشكيلات ومن الأصوات والموسيقى، ومن المشاعر الإنسانية العميقة.
يُذكر أن أبو هنطش أقامت عددا من المعارض الشخصية، وشاركت في معارض جماعية،
وهي تستثمر عملها في مجال الطب لتعبّر عن الأفكار والهواجس الوجودية التي تنتاب
الكائن البشري.
/العمانية/ 174







