إستقراء الأزمان على نحو رجعي؛ يعطينا لمحة عن تلك النقلات المتتالية، التي أخذت بيد الحضارات قدما للأمام، لتصل الى ما نحن عليه الآن.
وعند قراءة خط سير التاريخ، الذي صيغ على يد الإنسان، وبتركيز أكثر على ذلك الإنسان، الذي صنع بيده وبفكره، وبالخطوات المتتابعة، وعمّر من حوله البلاد، نجد أنه في نهاية المطاف، وبعد سنين عديدة من العمل، وبعد أن صنع ما صنعه، يحاول التجرد من كل ذلك، ليعود على نحو أعمق الى الداخل، والى المشاعر الإنسانية الأولى.
فكل ما صنعه كان إعمالا للعقل، وتحديدا للجانب الأيسر من المخ، وطاقات الجسم الأخرى، لينتبه بعدها الى الجانب الأيمن من الدماغ، والذي يحقق له التوازن النفسي، ويوقظ في داخله المشاعر العميقة، الأجدر بأن تكون السائدة على الدوام، وأن تطفو على السطح من حوله، الا انه تجاهلها محاولا اللحاق بمتطلبات الحياة التنموية، ليكون يدا فعالة لما حوله، ويكون رقما ذا قيمة ترفع بالمستوى الحضاري، وليس صفرا على الشمال لا فائدة ترجى منه، ليجد في نهاية الرحلة؛ وبعد أن تحقق كل ذلك أن تجليات المشاعر الإنسانية الأولى لا بدّ أن تكون لها الأولوية، ليتمنى أن يعود به الزمان الى الوراء، لتظل تلك المشاعر الأعمق بتجلياتها نصب عينيه، وأن لا يفلتها؛ محاولة منه للحاق بالحضارة والعمران.
” إني جاعل في الأرض خليفة” ( البقرة:٣٠)، فيستمر الإنسان في إعمار الأرض على النحو الذي يحقق له سبل العيش الحضاري، وتوفير كل ما يحقق له الراحة والاستقلالية والحرية، حتى قال الفلاسفة في محاولة استقراء للمراحل الحضارية، التي مرت عليها البشرية جمعاء، بأن الإنسان في طريقه ينشد السعادة والحرية أبد الآبدين، وهي المحرك الرئيسي لكل ما نراه الآن في عصرنا الحالي.
ليعود كل فرد بعد رحلة عمران، استمرت حياته بسنينها، تضمنت سجلا حافلا لتحقيق جملة من الأهداف، تسير كلها نحو توفير سبل العيش الحضاري، ليعود أدراجه بعدها، وفي سنين متأخرة ليلتقط تلك المعاني الأعمق، والأهداف الأسمى التي غفل عنها فيما سبق.
يعود بوعي تام للأشياء الأعمق والأجدى، التي تختصر جوهر سنين عمره، ليستفيق سؤال في ذهني: الا يعد الفن كافيا لإعمار الأرض؟ ذلك الفن الذي نقرأه بواسطة انطباعنا الشعوري، متجردين ولو قليلا من الأفكار التي تكاد لا ترى الجمال المطلق في الفن، وما يودعه في نفوسنا من مشاعر إنسانية كافية وطاغية قادرة على احتواء الحياة بما فيها.
ألا يعد الفن كافيا للحياة؟
إن كنت تظن ذلك ضربا من العبث، أو أنك في محاولة للتفكر حول تلك الأشياء المنوط بتحقيقها للفن، أو تجد صعوبة في تطبيق ذلك حرفيا..لا بأس..لا بأس بأن نتفق أخيرا على ضرورة أن يسير الفن بالتوازي مع مجالات الحياة الأخرى، كظهور الأفكار على نحو متأنق، وأقصد بذلك رؤية الفن بنظرية كلية ليكون بكل أشكاله، ليتعدى كونه رسما وموسيقى وشعرا ونحتا وعمارة، ليكون لكل شيء طابع فني، حتى تلك الأفكار المجردة، وإن بدت تخاطب العقل، لا تخلو من كونها تحمل جانبا فنيا بشكل أو بآخر.
وعلى غرار ما قاله ماثيو ليبرمان: ” الفلسفة بالنسبة لتعليم التفكير، كالأدب بالنسبة الى تعليم القراءة والكتابة”، كذلك يمكننا اعتبار الفن، ضروريا ولا بد أن يسير في تواؤم حتى مع تلك الأهداف عصية التحقق.
بهذه الطريقة وبعد أن أخذت الفن كمثال، رفعت فيه سقف التوقعات، وبنبرة تحيز يصطدم معها القارئ ويرفضها، لأعود مجددا وأنه قد قبِل الحد الأدنى من الهدف، وهو أن يسير الفن بالتوازي مع كل مجريات الحياة، ليتحقق بذلك الهدف الحقيقي بشكله الواقعي السابق.
هي حيلة ذكية تجعلك تقبل بالفكرة، بعد أن عرضتها عليك في أوج مستوياتها، وبعد أن رفعت سقف التوقعات ليتحقق الأدنى من قبول الفكرة، والتي كانت من الأساس هي الأصح والأجدى.
وعند اسقاط تلك التجربة على العملية التعليمية، أيًا كان مجالها ومستوياتها ومرحلتها، فإن وضع سقف عالٍ من الأهداف؛ يتيح للمتعلم فرصة أن يحقق الهدف الأدنى المرجو منه من الأساس، والتي تمثّل الأهداف كاملة بمستواها القديم.
بهذه الطريقة يسهل عليك قبول الفكرة، بعد أن رفعت سقف التوقعات بداية، وكحيلة مجدية ليتحقق لي ويتسنى قبولك للرأي.
رفع سقف التوقعات من الأهداف، يعد حيلة لاجتياز الهدف على نحو تام، فإن كان الهدف القديم أن يشكل الطالب لوحة تجريدية بالكولاج، فإن الانتقال بالهدف الى مستوى أعلى كأن يشارك الطالب بمعرض فني خاص به، وبعدد لوحات لا يقل عددها عن 5 أعمال.
كتقنية جديرة يتسنى فيها تحقق الهدف الأخير بل ويفوقها، بل أنها مقياس ذكي لاستنهاض تلك القدرات الكامنة.
قم بتطبيق ذلك على المجال الذي تعمل فيه؛ وستعلم يقينا مدى جدوى ذلك في تقريبه من تحقق الهدف، وزيادة رقعة الأعمال الإبداعية من حولك، ولتقترب فيها الحدود الدنيا من الأهداف بالمستوى الإبداعي، حيث أن الانغماس الشديد، مع اليقظة وحضور الذهن؛ يؤديان الى التدفق المشبع بالإنتاجية الغزيرة.
كما أن رفع سقف توقعاتنا حول الهدف، تجعل من المتعلم يقف على قاعدة الهدف الذي يجد نفسه لا مناص ويتعيّن عليه تحقيقه، ليرتفع وينطلق منه الى المستويات الأعلى إن رغب في ذلك، أو أنه يتملّص من الأهداف العليا، التي يجد أنها عصيّة التحقق، فيكتفي بتلك الأهداف الدنيا المزمع تنفيذها، والتي اكتفت العملية التعليمية بها.
كما أن رفع مستوى الهدف فيه استنهاض وتحدّ للقدرات، مما يعرّض المتعلم الى رحلة طويلة، مليئة بالإخفاقات والتجارب والمحاولات والعمل المضني، والذي يسلكه يكون عرضة لمزيد من الخبرات؛ التي تلزمه التكيف مع الصعوبات والعوائق، مما يمهد لحياة رصينة يسلكها بثبات، ويزيد من سعة أفقه، وتجنبه الرؤية الضيقة المحدودة، وخاصة ما إذا كان المعلم أو المدرب بصحبته، ومن زاوية تتيح له فقط الإرشاد والتوجيه، حيث يجد أن تعرفه على الأفكار غير قابلة التنفيذ يسهل عليه اجتياز تلك التي تقع على خط ومستوى قدراته، وإن صعب عليه الوصول الى الحد الذي رفعت عليه التوقعات، فقد يكون نثر بذورا من الأفكار ستثمر ولو بعد حين.
وفي سردي لأفكاري السابقة، وكما استطردت مقالي في مفتتحه، طبقت على القارئ حيلة سقف التوقعات، الا يعدّ الفن كافيا للحياة؟
وإن وجدت فيه كثيرا من التحيز والمبالغة، فسيكون من السهل عليك أن تقبل بأن يكون الفن يسير بالتوازي مع شؤون الحياة الأخرى، ومن بينها التعلم، لأستخلص من الفن بذوقه الرفيع فنا آخر للإقناع، وتقديم الحجة بنكهة فنية.








