كما أسلفنا في مقالاتٍ سابقة أن القصاص هو عقوبة القتل العمد والجرح العمد، وسنتناولهما بشيءٍ من التفصيل مع مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، فإن الحكم بالقصاص مقيد بإمكانه بتوفر شروطه، فإذا لم يكن ممكناً ولم تتوفر شروطه امتنع الحكم به ووجب الحكم بالدية ولو لم يطلب المجني عليه أو وليه الحكم بها؛ لأن الدية عقوبة لا يتوقف الحكم بها على طلب الأفراد.
وفي الشريعة الإسلامية، ليس هناك ما يمنع في حالة عدم إمكان الحكم بالقصاص من معاقبة الجاني بعقوبة تعزيرية مع الدية إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة. حيث ذهب مذهب مالك على إيجاب عقوبة التعزير كلما سقط القصاص أو امتنع الحكم به في حالة القتل والجرح، القصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد، أما الدية أو التعزير فكلاهما عقوبة بدلية تحل محل القصاص عند امتناع القصاص أو سقوطه بالعفو، في حين أن الشريعة جعلت الدية عقوبة أصلية للقتل والجرح في شبه العمد والخطأ، ومصدر هذه العقوبة القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والدية بالمفهوم العام والشائع هي عبارة عن تعويض مالي، يتفاوت مقادره بحسب ضخامة الجرم، ويختلف بحسب تعمد الجاني للجريمة وعدم تعمده لها، وعليه تكون الدية عقوبة وتعويض في آنٍ معاً، فهي عقوبة لأنها مقررة جزاء للجريمة, وإذا عفا المجني عليه عنها جاز تعزير الجاني بعقوبة تعزيرية ملائمة, ولو لم تكن عقوبة لتوقف الحكم بها على طلب المجني عليه, ولما جاز عند العفو عنها أن تحل محلها عقوبة تعزيرية, وهي تعويض لأنها مال خالص للمجني عليه ولأنه لا يجوز الحكم بها إذا تنازل المجني عليه عنها.
وعقوبة الدية ذات حد واحد فليس للقاضي أن ينقص منها شيئاً أو يزيد في مقدارها, وهي إن اختلفت في شبه العمد عنها في الخطأ واختلفت في الجراح بحسب نوع الجرح وجسامته فإن مقدارها ثابت لكل جريمة ولكل حالة, فدية الصغير كدية الكبير, ودية الضعيف كدية القوي، ومن المتفق عليه أن دية المرأة على النصف من دية الرجل في القتل, أما في الجراح فأبو حنيفة والشافعي يريان أن ما يجب للمرأة هو نصف ما يجب للرجل بصفة مطلقة, وبينما يرى مالك وأحمد أن المرأة تساوي الرجل إلى ثلث الدية, فإن زاد الواجب على ثلث الدية فللمرأة نصف ما يجب للرجل، وهناك خلاف على دية غير المسلمين, فالبعض يسوي بين دية المسلم وغير المسلم والبعض يفرق بينهما.
وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد وعقوبة القتل شبه العمد, فجعلتها في الأول القصاص وفي الثاني الدية المغلظة؛ لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه, ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينهما في العقوبة, وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص على القتل شبه العمد؛ لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به، والجاني لم يقصد قتل المجني عليه, فإذا قتل الجاني بالمجني عليه فإن قاتل الجاني لابد أن يقصد قتله, وهنا ينعدم التماثل, فالعدالة والمنطق هما أساس التفريق بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد، كما فرقت الشريعة بين عقوبة العمد الخالص والخطأ, فجعلتها في حالة العمد القصاص وفي حالة الخطأ الدية المخففة، ناظرة في ذلك إلى أن الجاني في جرائم العمد يتعمد الجريمة ويفكر فيها ويتوسل ارتكابها بمختلف الوسائل ليحقق لنفسه أو لغيره مصلحة مادية أو معنوية، أما الجاني في جرائم الخطأ فإنه لا يتعمد الجريمة ولا يفكر فيها وليس ثمة ما يدفعه لارتكابها, وكل ما هنالك أن إهماله أو عدم احتياطه يؤدي إلى وقوع الفعل المكون للجريمة دون أن يتجه ذهن الجاني إلى هذا افعل بالذات، فالجريمة العمدية إذن تتكون من عنصرين: عنصر معنوي هو اتجاه المجرم النفسي للجريمة، وعنصر مادي هو الفعل المكون للجريمة، أما جريمة الخطأ فيتوفر فيها العنصر المادي فقط وينقصها العنصر المعنوي لتساوي الجريمة العمدية، والفرق بين نفسية الجاني المتعمد وبين نفسية الجاني المخطئ هو علة التفرقة في عقوبة الجريمتين, والفرق بين النفسيتين يساوي تماماً الفرق بين العقوبتين؛ لأن المجرم المتعمد إذا تجرد من العوامل النفسية التي دعت لارتكاب الجريمة أصبح مساوياً للمجرم المخطئ ولم يبقى إلا العنصر المادي للجريمة, ومن أجل ذلك سوت الشريعة بين عقوبة العمد في حالة العفو وبين عقوبة الخطأ وجعلتها الدية في الحالين, فكأن العفو ينصرف إلى العنصر المعنوي في الجريمة العمدية, فإذا كان العفو عن الدية انصرف إلى العنصر المادي في الجريمتين.
ولم تعاقب الشريعة في حالة الخطأ بالقصاص؛ لانعدام الدوافع النفسية لدى الجاني, ولأنه لم يتعمد الجريمة ولم يفكر فيها, ولكن لما كانت الجريمة سببها الإهمال وعدم الحرص, ولما كان يتسبب عنها في الغالب أضرار مالية للمجني عليه أو لورثته, فقد رأت الشريعة لهذين السببين أن تكون العقوبة في أعز ما يحرص عليه الإنسان بعد النفس وهو المال. فكان جزاء عدم الحرص هو الحرمان من المال الذي يتعب الناس أنفسهم في الحرص عليه, وكان جزاء الإضرار بما الآخرين هو الإضرار بالمال, ولا شك أن هذه العقوبة كافية لحمل المتهاون المهمل على أن يتمسك بأهداب الحرص واليقظة.
من هنا، إن الدية عقوبة مشتركة بين العمد الذي لا قصاص فيه وبين شبه العمد وبين الخطأ, ولكن مقدار الدية ليس واحداً في هذه الحالات الثلاث, فدية العمد وشبه العمد واحدة وهي الدية المغلظة, ودية الخطأ هي الدية المخففة.
من يحمل الدية؟
إن دية العمد تجب في مال المجني عليه دون غيره سواء كانت الدية عن النفس أو ما دون النفس، حيث اختلف الفقهاء فيمن يحمل الدية إذا كان الجاني صغيراً أو مجنوناً, فرأى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن الدية الواجبة على الصغير والمجنون تحملها العاقلة ولو تعمد الفعل؛ لأنهم يرون أن عمد الصغير والمجنون خطأ لا عمد, وإذ لا يمكن أن يكون لهما قصد صحيح فألحق عمدهما بالخطأ، وفي مذهب الشافعي رأيان أحدهما وهو المرجوح يتفق مع الرأي السابق, والثاني هو الراجح والذي يرى أن عمد الصغير والمجنون عمد؛ لأنه يجوز تأديبهما على القتل العمد وإن كان لا يمكن القصاص منهما, فكان عمدهما عمداً كالبالغ العاقل, وعلى هذا تجب الدية في مالهما، كما يختلف الفقهاء في حكم شبه العمد والخطأ فيرى مالك أن العاقلة تحمل ما يبلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني, فما كان دون الثلث فهو على الجاني وحده، ويرى أحمد أن الجاني يحمل ما دون ثلث الدية الكاملة، فإن بلغ الثلث أو زاد عليه حملته العاقلة، ويرى أبو حنيفة أن الجاني يحمل ما دون نصف عشر الدية الكاملة وما زاد على ذلك تحمله العاقلة، ويرى الشافعي أن العاقلة تحمل الجميع ما قل أو كثر؛ لأن من ألزم بالكثير ألزم بالقليل من باب أولى، وعاقلة القاتل هم عصباته, فلا يدخل في العاقلة الإخوة لأم ولا الزوج ولا سائر ذوي الأرحام، أما العصبة يدخل فيها سائر العصبات مهما بعدوا؛ لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم كن وارث أقرب منهم، ولا يشترط أن يكونوا وارثين في الحال, بل متى كانوا يرثون، لولا الحجب عقلوا.
بالتالي، لعل الاستثناء في الشريعة الإسلامية هو الاستثناء الوحيد لقاعدة “ألا تزر وازرة وزر أخرى”، أو لقاعدة تفريد العقاب كما تسميها النظريات القانونية الحديثة، وقد أخذت الشريعة بهذا الاستثناء لأنه يحقق الرحمة والمساواة والعدالة ويمنع إهدار الدماء ويضمن الحصول على الحقوق.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








