بين عامي 1971 و1974 التقى المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي مع الفيلسوف الياباني دايساكو إيكيدا في لندن، وأجريا حوارا شفهيا مطولا حول عدد من المسائل الحيوية التي تجابه الإنسان الحديث في الشرق والغرب، ودام حوارهما عدة أيام.
وناقشا العديد من المواضيع الحيوية التي واجهت البشرية مطلع السبعينيات. وفي كتاب “اختيار الحياة: حوار بين أرنولد توينبي ودايساكو إيكيدا” سجل ريتشارد غيج حوارهما بالتفصيل في الطبعة الإنجليزية للكتاب الصادرة عام 1976، فأظهر عمله التحريري مهارة قل نظيرها.
وفي النسخة العربية من الكتاب الصادرة حديثا 2021، عن الدار العربية للعلوم-ناشرون، في بيروت، ترجمة ربيع هندي، ناقش المفكران، في حوار شيق وعميق، أفكارهما حول الكثير من الموضوعات، مثل التلوث، تضاؤل الموارد الطبيعية، دور الدين، النمو السكاني، حيث أصبحت أيامنا هذه أكثر إلحاحا مما كانت عليه في الوقت الذي جرى فيه هذا الحوار.
التغيرات العميقة
يعتبر توينبي (1889-1975) أحدث وأهم مؤرخ بحث في مسألة الحضارات بشكل مفصل وشامل، درس اليونانية واللاتينية في أكسفورد، وتقلب في عدة مناصب، منها: أستاذ الدراسات اليونانية والبيزنطية في جامعة لندن، مدير دائرة الدراسات في الخارجية البريطانية، يرى توينبي أن شرق آسيا ربما يحل محل الغرب، ويستلم زمام المبادرة.
ويضيف “لقد اتحدت البشرية بالفعل في المجال التكنولوجي من خلال التوسع العالمي لأنشطة شعوب أوروبا الغربية خلال 500 عام الماضية”. ويتشارك المؤلفان توقعهما أن تنجح البشرية بالفصل التالي من التاريخ في الاتحاد سياسيا وروحيا، بل يأملان ذلك.
وقد بدا إيكيدا أكثر تفاؤلا من صاحبه حول التغيير العظيم الذي يتوقع أن يحدث طوعا، ويشمل أفراد الجنس البشري كلهم بتساو من دون أن يسيطر الشرق على الغرب. أو بالعكس، ومن دون اندلاع الحروب التي كانت ثمنا دفعته البشرية في سبيل الاتحاد السياسي والروحي.
وبشكل عام كان توينبي أكثر تشاؤما لأنه يتوقع أن تدفع البشرية ثمنا باهظا في سبيل تحقيق هذه التغييرات العميقة في المواقف والسلوك الموضوعي، والتي يعتقد المؤلفان أنه لا غنى عنها لديمومة البشرية.
ويرى توينبي أن الفصل التالي من التاريخ سيكون أكثر عنفا ووحشية، ورغم الاختلاف بين الخلفيات الدينية والثقافية للمؤلفين، نرى درجة ملحوظة من التوافق في وجهتي نظرهما وأهدافهما أثناء حوارهما. فقد اتفقا على أن الإنسان يجب أن يسعى دائما للتغلب على نزعته الفطرية التي تدفع البشر للسعي وراء مصالحهم الضيقة، واستغلال كل ما بقي بهذا الكون.
اللاوعي بالدين والفلسفة
ويقول المؤرخ توينبي: ما من شك أن العقل الباطن مصدر الشعور والبصيرة الدينية، وكل العواطف والدوافع التي تحرك الإنسان.
ويذكر الفيلسوف إيكيدا أن أول رجل استخدم أساليب العلوم الطبيعية هو عالم النفس الطبيب النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939م) ويتابع “لن أعلق أهمية كبيرة على عمله، حتى في العصور القديمة تعمق علماء الهند البوذيون بالنفس البشرية في مستوى الوعي”.
ويوافق توينبي هذا الرأي قائلا “إن اكتشاف أعماق العقل الباطن، الذي بدأ بالغرب في عهد جيل فرويد فقط، يتوقع أن يكون قد وجد بالهند على الأقل في وقت مبكر جدا من جيل بوذا ومعاصريه الهندوس، أي قبل فرويد بـ 2400 سنة على الأقل”.
أدوار تؤديها الأديان
ويوصف إيكيدا (عام 1928) بأنه معلم وزعيم روحي لمنظمة بوذية عالمية مكرسة لتعزيز التعليم والثقافة والسلام، ويرى أنه في المرحلة الحالية من تاريخ البشرية سيعتبر الدين والعلم من ضرورات الحياة لأن كليهما مطلوبان، وبالتالي يجب ألا يعارض كل منهما الآخر.
ويستشهد بهذا الصدد بقول عالم الفيزياء الألماني الأميركي ألبرت أينشتاين (عام 1879- 1955) “العلم من دون دين أعرج، والدين من دون علم أعمى”.
في حين يرى توينبي أن العلم والدين لا يحتاجان إلى أن يتماثلا، ولكن ينبغي ألا يتعارضا، فهما عنصران متكاملان للتعامل مع الكون بعقلانية ومنطق من أجل التأقلم فيه.
بدوره يقول الفيلسوف البوذي: يستطيع الإنسان أن يطور حياته بشكل خلاق من خلال العيش بانسجام مع الطبيعة، وذلك وفق مبدأ البوذية التي تعلم الإنسان أن العلاقة بينه وبين الطبيعة تبادلية، أو ما يسميه “كيان الحياة المستقل” البيئة التي تدعم تلك الحياة.
ومن جهته، يقول توينبي: يجد المواطن الغربي الذي تعلم اللغتين اليونانية واللاتينية، ودرس الأدب اليوناني والروماني قبل ظهور المسيحية، مبدأ البوذية مألوفا، لأن فلسفة الرومان واليونان كانت سائدة قبل ظهور المسيحية.
ويخلص توينبي إلى نتيجة مفادها أنه من أجل إنقاذ البشرية من عواقب التكنولوجيا الوخيمة التي يقودها الجشع، لابد من التعاون العالمي بين أتباع جميع الأديان والفلسفات على اختلاف أنواعها.
المحرر غيج دون حوار المؤرخ الإنجليزي والفيلسوف الياباني الذي جرى بين عامي 1971 و1974 (الجزيرة)الموت الوشيك
ويقول إيكيدا: وفقا لإصرار عدد من المثقفين، يبدو أن مستقبل الجنس البشري ليس مشرقا على الإطلاق، فعندما ينظر المرء إلى الوضع الحالي للعالم، والكوارث العالمية المتلاحقة، يضطر إلى التساؤل عما إذا كانت البشرية ستنجو حتى القرن 21.
ويضيف “تشبه المخاوف الحالية نبوءات النهاية المذكورة في اليهودية والمسيحية والإسلام”.
وبدوره يؤكد توينبي أن السكان الذين يقيمون في الطرف الغربي من العالم القديم، وغرب المناطق التي انتشرت فيها الهندوسية والبوذية، يعتقدون أن العالم الذي نعرفه اليوم سينتهي بأمر من الإله القدير، ويؤكد “إن عصرنا ليس العصر الأول الذي تواجه فيه البشرية احتمال زوال الحياة بالشكل الذي اختبرناه حتى الآن”.
وسائل الإعلام وحرية الصحافة
ويرى إيكيدا أن وسائل الإعلام الجماهيرية تؤثر في مختلف مجالات الحياة في المجتمع المعاصر، كما أنها تميز عصرنا إلى حد ما، فتنقل موجات الراديو ما يحدث في دولة ما إلى مختلف أصقاع العالم على الفور.
ومن جهته يرد توينبي قائلا “لقد وسعت التكنولوجيا ويتابع “بعد أن كان يقتصر عدد الذين تصلهم أخبار الأحداث التي كانت تجري في الماضي على من يتجمعون حول المتحدث لسماعه ورؤيته في الوقت نفسه”.
ويقول في الحوار “حدت قدرة الإنسان الطبيعية من حجم مستمعيه، فلم يزود سابقا لا بمكبر صوت، أو بما يمكنه من نشر صوته أو صورته عبره كالمذياع أو التلفاز” وقدر الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 ق.م) هذا العدد بحوالي 5 آلاف شخص لا أكثر، ورأى وفقا لذلك ضرورة ألا يتجاوز عدد المواطنين الذين يحق لهم الانتخاب في دولة يسود فيها النظام الديمقراطي 5 آلاف ناخب، حسب الكتاب.
ويبين إيكيدا أن الدول ذات الأنظمة الديمقراطية الحديثة تقر بحرية التعبير، ومن بينها حرية التعبير عن وجهات النظر وحرية الصحافة، ويستدرك “لكن قد تنشأ مشاكل القيود المرتبطة بتأثير العناوين المطروحة على الجمهور، ولا سيما المتعلقة منها بشخصيات الأفراد بشكل عام”.
ويبدي توينبي موافقته: أجل، لابد أن تكون الحياة الشخصية محمية، ولا ينبغي نشر الأسرار بشكل علني، ويضيف “فقد انتحر ابني الأكبر عام 1939، وقد أحاط بنا مجموعة من المراسلين فور انتشار الخبر، وقد ضايقونا بلا هوادة، فتوسلت إليهم أنا وزوجتي أن يرحلوا ويتركونا وشأننا، ولكنهم أصروا على معرفة تفاصيل ما جرى” ويتابع “وقد أحرجوا عندما قررنا التحدث إليهم، والشعور بالألم والحزن يعتصر قلبينا” ويؤكد “إن هذا المثال يظهر الآثار السيئة للسعي الدؤوب من أجل الحصول على الأخبار المثيرة”.
ويذكر أيضا “رفضت كل مرة الدعوة لتولي منصب دائم بعد نهاية الحرب العالمية، لأني لم أرغب في قضاء بقية حياتي وأنا أطلع على أوراق سرية ينبغي أن تظل مخفية عن الجميع”.
الانتحار
يتوجه إيكيدا بالسؤال إلى توينبي: هل توافق على أن الانتحار يتعارض مع كرامة الحياة الإنسانية؟ ويجيب صاحبه “أعتقد أن حرمان أي شخص من حياته هو الشر الأعظم، وأن تعمد المرء إنهاء حياته أمر غير مرغوب فيه تحت أي ظرف من الظروف”.
ويذكر المؤرخ توينبي أن الفيلسوف اليوناني ديمقريطوس (460-370 ق.م) أب النظرية الذرية لتركيب المادة، عندما أدرك تدهور قواه العقلية، انتحر من خلال تجويع نفسه عمدا حتى الموت، ولم يحاول أحد ردعه للبقاء على قيد الحياة عن طريق إطعامه بالقوة.
ويضيف: كما انتحر الفيلسوف ماركوس بورسيوس كاتو (95-46 ق.م) أحد خصوم يوليوس قيصر السياسيين، بدلا من الخضوع لحكم قيصر غير الدستوري والدكتاتوري.
ويقول توينبي: أما في الجانب الآخر من العالم بالأراضي الإنجليزية والبلدان المسيحية الأخرى، فقد حرمت التعاليم الدينية الانتحار، ويتابع “افترض العديد من الغربيين المعاصرين، ومن بينهم أنا، اعتناق مختلف أجيال الهند وآسيا الشرقية مبدأ تبرير الانتحار في سبيل الحفاظ على الكرامة الإنسانية بشكل مماثل لما كان يحدث أيام الرومان واليونان قبل ظهور الديانة المسيحية” ويؤكد “يعد انتحار المرء اعتداء على الله وعلى حقه، فهو وحده صاحب الحق في تحديد لحظة وفاة الإنسان”.
هذا الكتاب ضرورة لجيل جديد من القراء، يطلعهم على النظرة الإطارية والملهمة التي كانت لدى الرجلين، ويطلع على رأييهما بشأن أسئلة جوهرية من قبيل: هل ستختار البشرية إنقاذ مصيرها من خلال ثورة في الفكر والأخلاق؟ أم ستحدث كارثة إذا اتبعت مسارها الحالي نحو تدمير الذات ونهب البيئة؟








