صنعاء-“عمان”- جمال مجاهد –
يعدّ اليمن واحداً من أكثر البلدان معاناة من شحّ المياه في العالم، حيث يعاني 18 مليوناً من السكّان من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي.
ويرجّح البنك الدولي أن يكون توفير المياه الصالحة للشرب من أكبر المشاكل التي سيواجهها أبناء اليمن في السنوات القادمة.
ومايزيد الأمر تعقيداً أن الصراع المتفاقم منذ أواخر مارس عام 2015 ترك آثاراً شديدة على البنية التحتية للمياه، ناهيك عن أن التفاوت في متوسّط تساقطات الأمطار السنوية، وتعرّض بعض مناطق اليمن بالفعل لنوبات الجفاف، يمثّلان مشكلتين أدّى تغيّر المناخ إلى تفاقمهما.
وتعاني قرى ريفية لا حصر لها من قلّة الخدمات الأساسية في شتّى أنحاء اليمن، لكن نقص المياه الصالحة للشرب هو أكبر التحديات التي يواجهها الكثيرون في هذه المجتمعات المحلية الأكثراحتياجاً.
ويعدّ الحصول على المياه الصالحة للشرب عملاً روتينياً يومياً، ودائماً ما تقع المسؤولية عن جلبه تقريباً على كاهل النساء والأطفال. وهذه المشكلة تزداد سوءاً مع تغيّر المناخ الذي يؤدّي إلى اشتداد شحّ سقوط الأمطار وعدم انتظامها.
ولتحسين إمكانية الحصول على مياه صالحة للشرب ومساندة الأسر اليمنية في ثلاث قرى، عمل البنك الدولي وشركاؤه مع المجتمعات المحلية لبناء خزّاناتها لتجميع مياه الأمطار. وعلاوةعلى تيسير الحصول على مياه الشرب النظيفة، يدفع المشروع أجور العمّال المحليين مقابل مشاركتهم في إنشاء خزّانات تجميع المياه في القرى الثلاث “العدن” (مديرية بعدان بمحافظة إب)، و”العنين” (مديرية وصاب العالي بمحافظة ذمار)، و”حوف”(محافظة المهرة).
ويوضّح البنك الدولي في تقرير- اطّلعت عليه “عمان”- أن المشروع يقوم على تقنية بسيطة يمكنها القيام بدور تزداد أهميته في التخفيف من آثار الاحتباس الحراري العالمي وتحسين الأحوال المعيشية لكثيرين، لا سيّما لمن يعيشون في المناطق الريفية.
وتقول”حلياء الجلال” وهي من سكان قرية “العدن” وأم لستة أطفال إن أسرتها كانت تضطّر إلى السير على الأقدام مسافات طويلة لجلب المياه. وتضيف قائلة “كان جلب المياه من الينابيع يسبّب لنا معاناة كبيرة. وتوقّف كثير من أطفالي عن الذهاب إلى المدرسة حتى يتفرّغوا لأداء هذه المهمة كل يوم.. وبعد أن كبر أطفالي، بدأنا نعتمد على نقل المياه بالشاحنات، ولكن الأسعار باهظة. وكنا نضطّر إلى ادّخار المال، وفي بعض الأحيان للاختيار بين شراء الماء وشراء الطعام”.
وساعدت الخزّانات المنزلية لتجميع مياه الأمطار في القرية في تخفيف الأعباء على “حلياء”وأسرتها. وتقول “حلياء” “لم نعد نضطّر إلى تحمّل عناء جلب المياه من أماكن بعيدة. فقد وضع خزّان تجميع مياه الأمطار الجديد نهاية لبؤسنا”.
وتبنى الخزّانات التي يتم فيها تجميع مياه الأمطار من أسطح المباني وغيرها من الأسطح غيرالمسامية، من الحجارة والمواد المتوفّرة في معظم القرى اليمنية. وكان الشيء الوحيد الذي يضطّر الناس إلى شرائه هو الإسمنت لبناء الجدران الداخلية والحديد لبناء سقف الخزّان.
وعلاوة على توفير المياه، يتيح المشروع أيضاً فرص عمل بأجر للمواطنين المحليين الذين يعملون في بناء الخزّانات.
ويقول”محمّد الجمال”، وهو أب لعشرة أطفال من قرية “العدن” أيضاً “كان برنامج النقد مقابل العمل حافزاً لنا لبدء بناء خزّانات تجميع مياه الأمطار المنزلية..لم نعد نضيّع المال على شراء المياه من الشاحنات الصهريجية، ولكن الأهم من ذلك أنني سعيد أن أطفالي لن يتوقّفوا بعد الآن عن الذهاب إلى المدرسة لجلب المياه”.
ويرى”محمد جبران” العضو السابق في المجلس المحلي لمديرية وصاب العالي (محافظة ذمار) إن شحّ المياه الذي تعاني منه المنطقة بدأ يقوّض الهيكل الاجتماعي المحلي. ويضيف قائلاً “غالباً ما يجري جلب المياه من الينابيع التي تبعد مسيرة ساعة ونصف على الأقل من القرية. ويحمل الأطفال أوعية مياه بلاستيكية فوق رؤوسهم، ما يلقي عليهم أعباء ثقيلة بدنياً وعقلياً”.
واستدرك بقوله إنه نظراً لأن هذه المهمة غالباً ما يتم القيام بها مرتين في اليوم، فإن عددالساعات التي تستغرقها يؤدّي إلى توقّف الكثيرين عن الذهاب إلى المدرسة. وقد اضطّرهذا كثيراً من السكان إلى النزوح للعيش في ضواحي المدن.
وأضاف قائلاً “لكن الماء النظيف أصبح الآن قريباً من بيوتنا. وأتاح هذا لكثير من الأطفال،لا سيّما الفتيات، العودة إلى المدرسة ومواصلة دراستهم”.
وتأتي مشاريع الحفاظ على المياه في إطار المشروع الطارئ للاستجابة للأزمات في اليمن التابع للمؤسّسة الدولية للتنمية والذي يقوم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتنفيذه بالاشتراك مع “الصندوق الاجتماعي للتنمية”، و”مشروع الأشغال العامة” في اليمن.
وساند المشروع حتى الآن إنشاء 1279 خزّاناً من الخزّانات العامة لتجميع مياه الأمطار و 30686خزّاناً من الخزّانات المنزلية في عموم اليمن، ما وفّر قرابة 900 ألف متر مكعّب من المياه النظيفة.
وثمّة منفعة أخرى للخزّانات المنزلية لتجميع مياه الأمطار تتمثّل في أنها مكّنت المجتمعات المحلية من تجميع مياه الأمطار بكميات كبيرة وتخزينها في خزّانات لاستخدامها في المستقبل بدلاً من الاعتماد على برك تجميع المياه العامة الملوّثة.
ويقول”ياسر جمعان” مسؤول مشاريع المياه والبيئة في “الصندوق الاجتماعي للتنمية”بمحافظة المهرة المجاورة “كان السكان في حوف يعانون كثيراً من شحّ المياه. وهذه المعاناة زادت بسبب الأسعار المرتفعة للشاحنات الصهريجية لنقل المياه، وكانت النتيجة أن أسراً كثيرة لم يكن بمقدورها تحمّل تكلفة هذا الخيار. ولكن بناء خزّانات تجميع مياهالأمطار العامة أعاد الابتسامة على وجوه الناس”.
ويضيف”على باكريت” وهو من سكّان مديرية حوف وعمره 41 عاماً قائلاً “في بعض الأحيان كنا نمكث أياماً بلا ماء، ولكن المشكلة انتهت، فما نحن فيه الآن بمثابة الحلم الذي تحقّق”.








