يختصر نديم ملحم (37 عاما)، قصّة آلاف اللبنانيين الذين علقوا آمالهم على وطنهم، فراكموا سنوات من التعلم والعمل، قبل أن يُصابوا بخيبة كبيرة، دفعتهم للبحث عن مسارات للهجرة.
مع اشتداد وطأة الانهيار التاريخي الذي يعصف لبنان، يحاول الجميع البحث عن فرص جديدة، و”كأننا نقفز هربًا من غرق السفينة”، حسب تعبير ملحم.
وبعد أن حاز ملحم على ماجستير بإدارة الأعمال والتسويق، عمل 7 سنوات بكبرى الشركات المختصة بالمنتجات الاستهلاكية في إحدى الدول الخليجية، ثم قرر الانتقال إلى فرعها في لبنان عام 2015.
وقال للجزيرة نت “كنت أطمح أن استثمر خبرتي في بلدي، وأن أبني مستقبلي المهني والشخصي قرب عائلتي وأصدقائي”.
وفي خريف 2019، شارك ملحم مع آلاف اللبنانيين بالحراك الشعبي ضد الطبقة السياسية التي عاثت فسادا، حسب قوله، فقد دفعه الشعور بالمسؤولية إلى القيام بذلك لكن “الانهيار غلب الجميع”.
وكأغلب اللبنانيين، تآكلت قدرة نديم الشرائية بعد أن خسرت الليرة أكثر من 95% من قيمتها، مما دفعه للتفكير في الهجرة، وهو يستعد الآن للذهاب إلى فرنسا.
وقد دفعت الأوضاع المتدهورة ملحم إلى ذلك “لأن القضية بلغت المس بكرامتنا، ونحن نعاني يوميا من الإذلال أمام محطات الوقود والصيدليات والمستشفيات والأفران”.
ويعترف الشاب اللبناني بصعوبة الانطلاق من الصفر بعد أن جرى قبوله لإكمال الدكتوراه في مجاله، “لكنه أهون من البقاء ببلد تحكمه الفوضى، وأقله أضمن إمكانية إرسال تحويلات مالية لمساندة عائلتي”.
إقبال مكثف
في الأشهر الأخيرة، تشهد مراكز الأمن العام اللبناني إقبالا كثيفا للحصول على جوازات السفر أو تجديدها، وبلغ الاكتظاظ ذروته عند بعضها، حيث ينتظر المواطنون دورهم لساعات.
وفي مقارنة حسابية، أصدر الأمن العام اللبناني 32 ألفا و500 جواز سفر كمتوسط شهري، منذ بداية عام 2021 حتى أغسطس/آب الماضي.
وفي الفترة عينها من عام 2020، كان يصدر كمعدل شهري 17 ألفا و750 جواز سفر، وفق ما يشير للجزيرة نت الباحث في “الدولية للمعلومات”، محمد شمس الدين، مما يعني أن الإقبال على جوازات السفر ارتفع بعام واحد نحو 83%.
وشكليا، تبدو الزيادة مؤشرا لرغبة شرائح واسعة من اللبنانيين بالهجرة، لا سيما أنها ترافقت مع موجة من هجرة العاملين بالقطاعات الصحية والأكاديمية؛ كما أن النقاش السائد بين اللبنانيين، يتمحور حول البدائل عن البقاء في بلد يعاني شحًا بكل شيء وتحيطه مخاطر أمنية.
لكن هذه الأرقام لا تعطي صورة واضحة عن وتيرة الهجرة، بحسب ما يشير إليه مصدر رسمي بالأمن العام اللبناني للجزيرة نت، مشيرا إلى أن المراكز تشكو غالبًا إقبالًا غير مبرر.
وتعكس الظاهرة قلقًا شديدًا يساور اللبنانيين، كما يربطه المصدر بأسباب عدة، منها:
- فئة قررت الهجرة بعد إيجاد فرصة عمل في الخارج.
- ارتفاع الحالات التي تنجز الجوازات تحسبا لأي طارئ قد يدفعها لمغادرة البلد.
- بعض المغتربين يفضلون تجديد جوازاتهم لدى زيارة لبنان، لأن كلفتها صارت بمعدل 20 دولارا بعد انهيار الليرة، بينما بالخارج تبلغ كلفتها معدل 120 دولارا.
- فئة من الطلاب الجامعيين والخريجين الجدد، تصدر الجوزات تحسبا لإمكانية قبولها بالخارج.
وراج أخيرا قلق اللبنانيين من فقدان المواد الأولية لإصدار الجوازات على غرار ما يحصل بأوراق إخراج القيد، وتداول البعض أخبارا عن إمكانية توجه السلطات لرفع كلفة إصدارها أيضا.
لكن المصدر يؤكد استحالة رفع الرسوم بالمدى المنظور، والأمر يحتاج لقرار وزاري بعد تشكيل الحكومة وإقرار الموازنة.
الدول الاوروبية تستقطب أيضا المهاجرين من لبنان (الجزيرة)فروقات المداخيل
وحذر مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية ببيروت أخيرا، من أن استمرار تدهور الأوضاع، قد يؤدي إلى موجة هجرة واسعة، وأعطى مثالا الجامعة الأميركية التي سجلت هجرة نحو 190 أستاذا خلال عام، يشكلون نحو 15% من الكادر التعليمي.
ويعتبر ناصر ياسين، أكاديمي ومسؤول مرصد الأزمة، أن بحث اللبنانيين عن فرص للهجرة، يرتبط بعوامل عدة، أولها الفجوة الكبيرة بالمداخيل، بعد انهيار الليرة مقابل الدولار، فراتب الطبيب والأستاذ الأكاديمي مثلا يساوي نحو 5 أضعاف بالخارج مقارنة مع لبنان.
وإلى جانب العناصر الضاغطة كعدم الشعور بالأمان وانهيار البنى التحتية والمنظومة التعليمية والصحية، يجد ياسين، في حديث للجزيرة نت، أن الاندفاع نحو الهجرة يحصل على 3 مستويات:
- أولًا، هجرة الطبقات المهنية المتقدمة: كالأطباء والأكاديميين والعاملين بالقطاعات التكنولوجية.
- ثانيًا، هجرة الميسورين الذين يملكون قدرة على التملك بالخارج أو لديهم جواز سفر ثانٍ إلى جانب الجواز اللبناني.
- ثالثًا، عامة اللبنانيين الذين يبحثون عن أي عمل بالخارج، ولو براتب زهيد.
تجارب سابقة
وسبق أن شهد لبنان هجرة نحو مليون مواطن أعقاب الحرب الأهلية في الثمانينيات، والبعض يحاول الاستلهام من التجربة، وإن كانت الظروف مختلفة، وفق ياسين، ويحاول آخرون الاستفادة من الطلب على اليد العاملة في الدول التي تحفز اقتصاداتها بعد بجائحة كورونا.
ويلحظ الأكاديمي أن وجهة استقطاب اللبنانيين مؤخرا تختلف بين بلد وآخر. فمثلًا، يستقطب الخليج الأكاديميين والمهنيين، وكذلك أربيل تستقطب عددًا منهم، وقبرص تستقطب الأسر الميسورة، كما تشهد تركيا هجرة مئات من اللبنانيين إليها، إضافة إلى الهجرة التقليدية نحو دول أوروبا وكندا وأستراليا.
بالمقابل، يعتبر مصدر الأمن العام اللبناني أن الحديث عن موجة هجرة جماعية يتطلب شهورا إضافية قبل بلورتها.
لبنان يخسر كثيرا على مستوى النخب الفكرية والثقافية والمنتجة (الأوروبية)انعكاسات سياسية
من جانب آخر، تقفز التساؤلات عن الآثار المترتبة لرغبة فئات من اللبنانيين بالهجرة، لأن لبنان يمر بمنعطف مفصلي، وفق كثيرين، قد تدفع نحو تحولات كبرى، سياسيا وميدانيا.
وهنا، يحذر وهيب معلوف، وهو باحث لبناني في شؤون الهجرة صدر له هذا العام كتاب “الهجرة وتشكل النخبة السياسية في لبنان”، من أن يساهم الاندفاع نحو الهجرة بإعاقة العملية التغييرية، قبل أقل من عام من موعد الانتخابات البرلمانية، التي من شأنها أن ترسم خريطة المرحلة المقبلة.
ورغم أن الجانب الاقتصادي والمعيشي يضاعف الرغبة بالهجرة، وفق معلوف، لكن الجانب السياسي والأمني لا يقل أهمية، كعوامل دافعة للهروب لمن لا يجدون مكانا لهم بالتركيبة المستجدة، فـ”صار أصحاب الكفاءات والنخب المتعلمة يشعرون بالفجوة بين تطلعاتهم وواقعهم الذي تديره المنظومة والشبكات المستفيدة من سطو الأسواق السوداء واتساع عمليات الاحتكار والتهريب”.
ويطرح معلوف إشكالية دور الكوادر البشرية المتبقية بلبنان بالعملية التغييرية، مقابل دور عشرات آلاف اللبنانيين ببلاد الاغتراب، والأرقام مرشحة للتصاعد، بعد اشتداد لأزمة.
وقال الباحث للجزيرة نت، إن لبنان يخسر كثيرًا على مستوى النخب الفكرية والثقافية والمنتجة، وعلاقتهم به، “لأن انبثاق موجة هجرة جديدة سيترك أثرًا بالداخل، وسط مخاوف من تعزيزه نفوذ المنظومة الحالية”.
ويلفت معلوف أن الطبقة السياسية قد تراقب باهتمام شديد حركة الهجرة من لبنان، خصوصًا أن المال “الاغترابي” هذه المرة، لن يقتصر على البعد الاقتصادي لتحويلات العملة الصعبة، “بل يتعداه إلى البعد السياسي، عبر الدور الذي سيلعبه استقطاب هذا المال بالانتخابات، ولجهة اقتراع اللبنانيين للمرشحين في بلاد الانتشار، ما من شأنه تحديد طبيعة ولاء المهاجرين، لأحزاب السلطة أو للقوى المعارضة لها”.
المزيد من سياسة








