“يا رب أنت الذي خلقته وأنت كفيل به”، الجملة التي رددها الأب المزارع البسيط فور رؤيته وليده الذكر الأول للعائلة، وقد وضعته القابلة بين يدي الأب وهي تردد “شد حيلك”، لم يفهم الأب المعنى في البداية، فولده حي وقلبه نابض فلما الحزن يكسو الوجوه، لكن سرعان ما عرف حين دقّق النظر فوجد الابن بلا ذراعين مصابا بضمور كامل في الذراعين.
كانت مقولة الأب عبد السلام “يا رب إني رضيت.. وهو رضا”، فصار رضا عبد السلام صاحب الصوت المميز، الذي عرفه المصريون عبر أثير إذاعة القرآن الكريم مذيعا بين الفواصل، ومقدما للبرامج وأخيرا رئيسا للإذاعة العريقة.
قبل أيام صدر قرار بتعيين رضا عبد السلام، كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم، في منصب رئيس إذاعة القرآن، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها ذلك المنصب شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة.
لم يكن طريق الطفل المولود بلا ذراعين في قرية من قرى المنوفية ممهدا نحو العاصمة لولا دعم والده، الذي حرص على تعليمه في وقت كان فيه التعليم مقتصرا على الأسوياء، والأزهر لأصحاب الحاجات الخاصة، إذ أصر والده على ذهابه إلى مدرسة عادية، فرفضته كل المدارس، إلى أن أنصفه وكيل وزارة التربية والتعليم حين استغاث به الأب مهددا باللجوء لجمال عبد الناصر من أجل أن يتعلم طفله.
استطاع رضا بمساعدة والده الإمساك بالقلم والكتابة به عن طريق الفم، والتحق بمدرسة الشيخ إبراهيم، ثم التحق بكلية الحقوق جامعة طنطا، لم يفضل رضا أن يصبح محاميا، وشجعته مهاراته في اللغة العربية والشعر على التفكير في الالتحاق بالإذاعة.
يروي الدكتور ناجح إبراهيم، في مقال له بصحيفة الأهرام، قصة صعود رضا عبد السلام مذيعا في إذاعة القرآن الكريم، فيقول “كان لعبد الوهاب مطاوع فضلٌ على رضا حيث عرفه عليه أستاذه الجامعي، وزكاه عبد الوهاب لدى رئيس الإذاعة فهمي عمر، وبالفعل تم تعيينه في الإذاعة، لكنه رُفض مذيع هواء (بث مباشر)، وهو ما جعله يذهب إلى حلمي البُلك وأخبره بمهاراته، وبالفعل اختبره البلك مع لجنة الإذاعة بنفسه، ونجح رضا عبد السلام ليكون أول مذيع هواء في العالم بلا ذراعين”.
لم يكتف عبد السلام بكونه مذيع هواء، لكنه قدم العديد من البرامج الناجحة مثل “سيرة ومسيرة”، و”مساجد لها تاريخ”، و”مع الصحابة”، “وبشر الصابرين”، وقدم رضا مسابقة القرآن الكريم العالمية في دبي، وكان مذيع الإذاعة المصرية في بعثة الحج 2006.
اقتحم رضا عبد السلام عالم تأليف الكتب، وله 4 مؤلفات كتبها بالقلم بين أسنانه، وهي: “أشهر المعاقين في العالم”، و”حياتي”، و”علماء ومواقف بين ثوابت الدين وعواصف السياسة”، و”نقوش على الحجر”.
في كتابه “حياتي” الذي خطه عن قصة حياته ومولده، يقول “هذه حياتي، آية لمن ظن ألا تحيا، فعاشت تنقش النقوش على أحجار الحياة، هذه حياتي سكنت في مهدها أمي وأبي قلبا وعطفا وصدرا وثيرا، وحدبا ودفئا، هذه حياتي طفلا بلا جناجين مجهول الطالع، يطرق على أبواب قدر الله الذي يفتح للسالكين إليه الدرب، فيحبو ويقف ويسند الظهر المتعب على جناب فضل الله، فتستحيل الوهدة سلما للوصول”.
لم يكن يتخيل رضا حين خط من بين فكيه هذه الكلمات أن سلم الوصول سيصعد به إلى رئاسة إذاعة القرآن الكريم، الخيال الذي لم يجرؤ يوما على الحلم به، فكان فضل الله عليه عظيما.
المزيد من منوعات

