تضمنت شروط فاروق لإتمام الطلاق أن تعيد فريدة الهدايا التي أعطاها لها ومنها التاج الذي أهدته لها أمه الملكة نازلي يوم عقد قرانها.
القاهرة – في 20 يناير/كانون الثاني 1938 شهدت مصر حفل زفاف أسطوريا فرح المصريون به كما لم يفعلوا لقرون، فالملك الشاب فاروق الأول يعقد قرانه على الملكة فريدة، في قصر القبة بمصر الجديدة، في حضور أفراد البيت الملكي وكبار رجال المملكة من الوزراء وشيخ الأزهر وفضيلة المفتي والقضاء.
وفقا لصحيفة أخبار اليوم، فقد اهتز قصرا عابدين والقبة سرورا وطربا، وعمت البهجة كل إقليم وكل قرية في مصر سعيدة بسعادة مليكها، وازدحمت شوارع القاهرة وشرفاتها بعشرات الآلاف من المواطنين والأجانب في انتظار موكب الزهور إلى سرايا القبة، وأخذت إحدى عرباته تمر أمام السرايا في شكل استعراضي وظلت تطوف هذه المواكب حتى ساعة متأخرة من الليل.
وجاءت الوفود من أقاليم مصر إلى القاهرة، وامتلأت الفنادق والشوارع بالوافدين، وتجول الفرسان بخيولهم في طرقات القاهرة، وأقيمت حفلات الرقص وألعاب الفروسية، وكانت القصور الملكية تلمع مثل قطع الماس وتحولت الليالي إلى نهار مشرق متلألئ، بحسب الصحيفة.
رحلة ملكية
ولدت الملكة فريدة في 5 سبتمبر/أيلول 1921 في الإسكندرية، لعائلة ذي الفقار الشركسية المصرية العريقة، واسمها الحقيقي صافيناز ذو الفقار، كان والدها وكيلا لمحكمة الاستئناف المختلطة، وجدها على باشا ذو الفقار محافظ العاصمة السابق.
تعرفت على فاروق خلال الرحلة الملكية التي قام بها الملك ووالدته الملكة نازلي وأخواته إلى أوروبا عام 1937، وأعلن البلاط الملكي عن خطبة فاروق إلى فريدة عقب عودة الأسرة إلى مصر صيف 1937.
الزواج
بعد عودة فاروق إلى مصر من إنجلترا، لتولي الحكم بعد وفاة والده الملك فؤاد، تم تشكيل مجلس وصاية عليه، وحصلت الملكة نازلي على فتوى من شيخ الأزهر بحساب عمره بالتقويم الهجري، حتى يستطيع تولي الحكم خوفا من طمع الأمير محمد علي في عرش البلاد.
وفي 29 يوليو/تموز 1937 توج الملك فاروق على عرش مصر، وفرح به المصريون فرحا عظيما، وكانت الخطوة التالية زواج الملك حتى ينجب ولي العهد.
حرف الفاء
قبل إتمام زفافه من فريدة، عرض عليها تغيير اسمها من صافيناز إلى اسم يبدأ بحرف الفاء، قيل إن ذلك تيمنا بنبوءة عرافة لوالده الملك فؤاد الأول، تنبأت له بملك مزدهر بشرط أن يحافظ على حرف الفاء في أسرته، فيطلقه على أبنائه وزوجاتهم وباقي ذريتهم.
جاء زواج فاروق وفريدة وسط احتفالات شعبية كبيرة، وأنجبت فريدة 3 بنات نلن لقب أميرة هن فريال وفوزية وفادية.
عام 1939 اشترى الملك فاروق القصر المعروف باسم قصر الطاهرة من مالكه محمد طاهر باشا بمبلغ 40 ألف جنيه، وأهداه إلى زوجته.
تأخر ولي العهد
شهدت حياتهما الزوجية الكثير من الخلافات والمتاعب وشائعات عن خيانات زوجية وخلافات بين فريدة والملكة نازلي أم الملك فاروق، وعام 1948 بعد 10 سنوات من الزواج الأسطوري وقع الطلاق، ليكون واحدا من الأسباب التي أدت لتراجع شعبية الملك.
تضمنت شروط فاروق لإتمام الطلاق إعادة الملكة الهدايا التي أعطاها لها ومنها التاج الذي أهدته لها الملكة نازلي يوم عقد قرانها، كما طلب فاروق من شيخ الأزهر مصطفى المراغي أن تتضمن وثيقة الطلاق ألا تتزوج فريدة بعده، وهو ما رفضه الشيخ لمخالفته الشريعة الإسلامية، كما تنازلت الملكة عن حضانة بناتها عدا ابنتها الصغرى الأميرة فادية، حتى تتم عامها التاسع.
تتعدد الأقاويل والشائعات عن أسباب الطلاق، والمؤكد أن تأخر إنجاب ولي العهد كان أحد أبرز هذه الأسباب. تقول الكاتبة الدكتورة لوتس عبد الكريم -الصديقة المقربة من الملكة فريدة- إن سبب الطلاق الأساسي كان عدم إنجاب فريدة ولي العهد، وكان فاروق يثور كلما أنجبت فتاة، وحدثت بينهما فجوة رهيبة عندما أنجبت فتاة ثالثة، مما دفعها للمهدئات ودخلت في نوبات اكتئاب.
وتضيف الكاتبة -في حديث لصحيفة الأهرام– أن فريدة ندمت بشدة على قرار الطلاق، لأنها كانت تحب الملك حبا جما، ورفضت عروضا كثيرة للزواج من بعده.
وتؤكد أن الملكة فريدة كانت تتحدث بكل خير عن الملك فاروق، وتقول إنه ظلم، ولم يعرف الخمر طوال حياته، ولم يكن زير نساء كما قيل، بل “كان طفلا يحتاج إلى العناية”.
الملكة فريدة وابنتها الأميرة فريال (مواقع التواصل)بعد الطلاق
في كتابه عن الملك فاروق، يحكي الكاتب هشام خضر أن فريدة عاشت حياة العزلة والوحدة بعد طلاقها من فاروق، وبعد ثورة يوليو/تموز تمت مصادرة أملاكها حيث تم فرض الحراسة والتأمين على جميع ممتلكات أسرة محمد علي.
طلبت الملكة فريدة من الصحفي علي أمين أن يكتب لها خطابا للرئيس جمال عبد الناصر، حتى تتمكن من السفر والعيش مع بناتها، واقتنع ناصر بالخطاب وسمح لها بالسفر، لكن بناتها لم يرحبن بها، ووجدت منهن جفاء ونفورا، مما جعلها تعود إلى مصر، وفقا لجريدة أخبار اليوم المصرية.
لجأت فريدة إلى الرئيس أنور السادات حتى تجد مكانا تعيش فيه في مصر، فخصص لها شقة على النيل، لكنها لم تحصل عليها.
وتقول صديقتها لوتس إن فريدة راسلت بعد ذلك الرئيس حسني مبارك، فقدم لها 30 ألف جنيه، اشترت بها شقة صغيرة في المعادي، وكانت والدتها تنام على أريكة متواضعة، وتفرش الملاءة على الأرض لحفيدها عند زيارته لها.
شغلت فريدة نفسها بهواياتها، وأبرزها الرسم، حيث ورثت حب الرسم عن خالها الفنان التشكيلي الشهير محمود سعيد، وكانت قد عادت لتنمية هوايتها عقب ثورة يوليو/تموز 1952، وقدمت أعمالا عن البسطاء وعالم الجنوب والأرياف في مصر، كما أقامت معارض فنية في أوروبا ومصر والولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات.
الملكة فريدة وابنتها (مواقع التواصل)“لولا الفن لانتحرت”
تحكي صديقتها لوتس أن الملكة فريدة لم ينقذها من الجنون سوى الفن والصداقة، وأنها قالت لها “لولا الفن لانتحرت منذ زمن طويل”.
وتؤكد أن الدكتور بطرس غالي أخبرها بعد وفاة الملكة أنها كتبت مذكراتها، وأنه ترجمها من الفرنسية إلى العربية، واحتفظت بها الملكة في خزانتها، لكن بناتها أحرقن هذه الأوراق بعد الوفاة.
توفيت فريدة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1988 بعد معاناة مع المرض، وشهدت القاهرة موكب جنازة مهيبا كبيرا، يتقدمه كبار المسؤولين، وكثير من كبار السن من الشعب الذين لابد قد احتفظت ذاكرتهم بذكريات احتفالات الزواج الأسطوري للملكة الراحلة قبل نحو نصف قرن.
المزيد من مرأة








