لم يكن مستغرباً أن يخرج علينا مارك سيفرز، السفير الأمريكي الأسبق، بمقالٍ يحاول فيه ممارسة دور “الوصي” على السياسة الخارجية العمانية، فالعقلية التي يمثلها لا تزال تحنُّ إلى زمنٍ كانت تُدار فيه شؤون المنطقة عبر إملاءات “الغرف المغلقة”. لكن ما فات السفير الأسبق هو أن عُمان، في نهضتها المتجددة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله-، قد تجاوزت مرحلة “الوساطة الصامتة” إلى مرحلة “الوضوح الاستراتيجي” الذي يضع النقاط على الحروف حين تغيب الرؤية عن الآخرين.
يزعم الكاتب أن جودة الوساطة العمانية قد “تدهورت” لأنها لم تمنع الحرب. وهنا نسأل السفير: منذ متى كان الوسيط مسؤولاً عن قرارات التهور التي تُتخذ في عواصم كبرى؟ إن لوم مسقط على اندلاع الحرب هو اعتراف ضمني بفشل الدبلوماسية الأمريكية التي لم تستطع كبح جماح التصعيد. وحين صرح معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي بأن “الاتفاق في متناول اليد”، لم يكن يمارس ضغطاً على واشنطن، بل كان يدق ناقوس الخطر الأخير أمام إدارة كانت قد حزمت أمرها على إشعال الفتيل، فجاء تصريحه شهادة تاريخية على أن الحرب كان يمكن تجنبها.
إن الهجوم الشخصي والممنهج على وزير الخارجية العماني، ووصفه بـ”الصاخب”، ليس سوى تعبير عن انزعاج واشنطن من وجود صوت خليجي يملك الشجاعة ليقول “لا” لمشاريع الحروب التي تستنزف المنطقة. عُمان اليوم لا تمارس “الوساطة” كخدمة فنية فحسب، بل كرسالة أخلاقية تحمي جغرافيتها وسيادتها. والحديث عن “عزلة عُمان” هو أمنية يسعى الكاتب لترويجها أكثر من كونه واقعاً؛ فعُمان تدرك أن “صمام الأمان” في الخليج لا يُصان بالتبعية العمياء للمحاور، بل بالوقوف في منطقة التوازن التي يخشى الآخرون الاقتراب منها.
أما استشهاد الكاتب بنموذج “حذف المنشورات” في باكستان كقدوة للدبلوماسية، فهو سقطة فكرية لا تليق بدبلوماسي سابق. عُمان دولة مؤسسات، ومواقف مسؤوليها لا تُبنى على تغريدات تُحذف وتُعدل لإرضاء الخارج، بل على عقيدة راسخة تؤمن بأن السلام العادل هو الخيار الوحيد. إن التعامل مع إيران كجار تاريخي، ومع القوى اليمنية كجزء من نسيج المنطقة، هو قمة “الواقعية السياسية” التي تحمي مضيق هرمز من التحول إلى ساحة معارك عبثية، بينما يسعى الكاتب لجرنا نحو “حفرة” الاستقطاب التي حذرنا منها هو نفسه!
إن الرسالة التي يجب أن يستوعبها مارك سيفرز وغيره هي أن مسقط ليست “ثكنة” تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، وأن السياسة الخارجية العمانية يقررها السلطان هيثم بن طارق بما يخدم مصلحة عُمان وشعبها أولاً، واستقرار المنطقة ثانياً. إن زمن الدبلوماسية “الهادئة” التي تعني الصمت عن الخطأ قد انتهى، وبدأ زمن الدبلوماسية “الحكيمة” التي تسمي الأشياء بمسمياتها، وتواجه الأزمات بعقلٍ بارد وقلبٍ لا يرتجف.
ستظل عُمان “صديقة الجميع”، لكنها لن تكون أبداً “تابعة لأحد”. ومن يظن أن الضغط الإعلامي أو السياسي سيغير من ثوابت مسقط، فإنه لا يعرف عُمان، ولا يعرف سلطانها، ولا يدرك عمق الجذور التي تنطلق منها سياستنا في هذا الشرق المكلوم.
الكاتب العماني / محمد بن علي البادي


