د. صالح بن عبدالله الخمياسي
سرية كانت الكلمة السحرية التي جذبت الجمهور و جعلتهم يتساءلون ما الذي يرمي إليه الخطيب الذي يقف أمامهم و هو يلقي عليهم رسالته الملهمة و ما الذي يقصد بمفردة ” سرية” التي عنون بها خطابه.
هذا الخطاب كان من ضمن الخطب التي نافس بها المتسابق راشد بن علي الحجري في مسابقات الخطب العربية الملهمة ضمن فعاليات مؤتمر التوستماسترز السنوي للقطاع ١.٥ – الذي احتضنته أبوظبي خلال الفتره من ٨-١٠ مايو ٢٠٢٦ و الذي حصد من خلاله المركز الثاني في مسابقة الخطب العربية الملهمة.
هذا الخطاب جذب قلوب الجماهير و غاص في أعماق وجدانهم، و شحذت خيالهم قصته لأنها قصة واقعية بطلها الخطيب ذاته .
بدأت تلك القصة عندما بشر الخطيب أمه بأنه بات ينتظر مولوده الأول ، فما كان من تلك الأم الحانية إلا أن طارت فرحا و تهللت أسارير وجهها بهجة و حبورا . همست تلك الأم التواقة لرؤية حفيدها او حفيدتها قائلة ، مبروك يا ولدي سيولد مولودك الأول شعورا مغايرا بداخلك لم تشعر به من قبل.
كلمات بسيطة شدت فضوله و جعلته يتساءل مع نفسه كيف يعني غير يا أمي الحبيبة؟
لقد دفعه ذلك الفضول أن يسرح في الخيال فوجد نفسه منزويا في ركن من زوايا غرفته يجلس على طاولته التي يلجأ اليها لكي يسكب مشاعره . في تلك الليلة أخذ يكتب لطفله المنتظر المجهول دون إدراك منه بما يفعله حينها. لقد كان طفله آنذاك نطفة في بطن أمه في مراحل الحمل الأولى لم تتضح معالمه بعد.
يتسلسل الخطاب في تفاصيله التي ظل الجمهور يتابعها بشغف. حدثه عن حياته و عن أحلامه و طموحاته كما أشار إلى ما كتبه عبر أسطر تلك الرسالة التي تساءل كاتبها عبرها ماذا يسمي طفله المنتظر؟ و كيف سيعلمه و يربيه ؟ كيف يضمن له الحياة الكريمة؟ و ما التحديات التي ستعترض طريقه ؟ ثم طوى تلك الرسالة التي قدر لها أن تكون سرية حتى إنتهاء الثانوية موعد تخرج ذلك المولود المجهول من مرحلة التعليم الثانوية. لقد ضمنها وصايا جوهرية كأنه لقمان الحكيم تمثلت في التمسك بكتاب الله، و أن يهتم بعلمه و أن يكون بارا بوالديه قيم إنسانية تقوده للفضيلة و الخلق الحسن.
مرت الأيام و تطاير الزمن معها و الأب يرى إبنته تكبر أمام ناظريه. تتفوق في دروسها و تقرأ القران حتى حفظت سبعة أجزاء منه من البقرة حتى الأنعام. خلال تلك السنوات كان فضوله يحرضه على زيارة تلك الرسالة التي ظلت قابعة في عتمة مكانها لا تكاد نسمة هواء تصلها لتدب في أوصالها الحياة. ظلت قابعة في تلك البقعة فلم تلمسها أنامل بشر غيره. لم يجرؤ أحدا على الإقتراب منها . كانت نفسه تسول له أن بسحب الرسالة ليقرأ ما كتبه فيها و لكن هناك ثمة صوتا داخلي ظل يزجره ، قائلا : لا لا لم يحن الوقت بعد ، دعها في مكانها و لا تجهض المفاجأة و هي في مهدها ، سيكون وقعها كبيرا عندما يحين موعد جني ثمارها.
تمضي الأيام تترى ، و يرى الأب الحنون إبنته تتقدم من نجاح إلى نجاح . أخذت المسافات تتقلص و بات الإقتراب من الموعد المعلوم يطرق الباب للإستعداد لتلك المفاجأة الكبرى. موعد تسمر له الجميع و هم يتابعون الإعلان عن نتائج خريجي الثانوية العامة لذلك العام . دقات قلبهم تتسابق و نظراتهم تتساءل و عيونهم تتوجس و هم يجلسون بالقرب من بعضهم البعض.
أعلنت النتائج و برهنت إبنته ملاك من خلالها بأنها ملاكا لا يرضى الإ بملاحقة النجوم فقد بهرت بنتيجتها الحضور و رفعت رأس والديها بحصولها على نسبة ٩٩٪ معلنة بذلك لوالدها أن موعد تسليم الرسالة التي لم تكن تعلم عنها شيئا قد حان.
لحظة فاصلة للأب و هو يسلم إبنته تلك الرسالة التي حملت بين ثناياها لمسته الأبوية الحانية. أخذ الحضور يرمقونه و أعينهم تقتفي أثر يده التي إمتدت لتسليم تلك الرسالة التي كتبت قبل ميلاد إبنته لتقرأها فتجعل إيقاع فرح العائلة يغدو أكثر إشراقا. دب بداخلهم الفضول عن ما تحمل تلك الرسالة السرية بين سطورها.
تستلم الإبنة و هي في أوج فرحها جراء نتيجتها المشرفة الرسالة التي لم تكن تعرف ما كتب بين طياتها. أخذت تنقل عينيها بين سطورها و باتت مشاعرها تمتزج بين فرح عارم و دهشة و إستغراب. تساؤلات تمطر ذهنها هل ما تقرأه حقيقة ؟ هل فعلا كتب والدها كل ذلك؟ هل كتبت الرساله قبل الولادة حقا؟ و فيض من الأسئلة يهطل عليها كزخات المطر. أخذت دموعها تتدحرج على خديها و هي حائرة ماذا تقول؟ و أي العبارات تنتقي لتشكر ذلك الأب العظيم وصاياه الخالده و الأم الرؤوم التي حفظت السر طيلة تلك السنوات و سعت لتمكين إبنتها مترجمة ما سكب في تلك الرسالة من وصايا كأسس و مبادئ لتربيتها .
لقد حمل هذا الخطاب الملهم بجدارة قيماً إنسانية عديدة، أبرزها الأبوة والحب الأسري والمسؤولية، حيث حرص الأب على مستقبل ابنته وتوفير حياة كريمة لها، مع إظهار مشاعر الترابط العائلي. كما برزت بين ثناياه قيمة التربية الصالحة والتمسك بالدين من خلال وصاياه بحفظ القرآن والاهتمام بالعلم وبرّ الوالدين، مما يعكس أهمية القيم الإسلامية في بناء الشخصية. اما قيمة الأمل والتخطيط للمستقبل فقد تجسدت في كتابة الرسالة قبل ولادة ابنته وما تحمله من تفاؤل واعتزاز بإنجازاتها. في الوقت ذاته ظهرت قيمة الوفاء وصدق المشاعر في احتفاظ الأب بالرسالة لسنوات طويلة وحرصه على التعبير عن مشاعره تجاه أسرته.
لقد استحوذ الخطيب الملهم راشد الحجري على إنتباه جماهيره التي ظلت تتابع كلماته و جمله و فقراته و نبرات صوته و لغة جسده و هو يرسم ملحمته الأبوية الخالده ، فقد لامس خطابه شغاف قلوبهم و جعلهم يسرحون في الخيال يفكرون في تجاربهم الإنسانية .
لقد طرز راشد خطابه برسالة إنسانية ملهمة، أكدت أن المشاعر الصادقة حين تُكتب وتُحفظ تتحول إلى أثر خالد لا تمحوه الأيام. فقد غمرت كلماته قلب ابنته بالحب والأمان، وكشفت عن عمق مشاعره وصدق إحساسه بها، حتى وصفها بأنها واسطة العقد بين إخوتها وأخواتها.
كما حمل الخطاب دعوة مؤثرة للجمهور كي يعبّروا عن مشاعرهم لأبنائهم وأحبابهم، وأن يخطّوا رسائلهم بصدق ومحبة، ويتركوا للكلمات مساحة تنساب فيها على الورق لتبقى ذكرى خالدة تبعث الأمل، وتنتشل النفوس من اليأس، وتملأ القلوب دفئًا وطمأنينة. فالكلمة الصادقة قادرة دائمًا على أن تثلج صدورهم وتبهج ارواحهم.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية.


