صراحةً، يبدأ تاريخ استقبال كبار الشخصيَّات من حضارة سومر وبابل، استنادًا إلى الألواح الطينيَّة الموجودة في المتحف الوطني البريطاني بلندن، والقسم الآخر متوافر في البلد الأُم «العراق». وهي عبارة عن سِماتٍ بسيطةٍ، وحسب مستوى وفد الضيف والهدايا التي يحملها، تدلل على العمق الاقتصادي والتاريخي للضيف، احترامًا وتقديرًا للمستضيف.
تتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة بمختلف مسمَّياتها وجنسيَّاتها بوضع اللمسات الراقية والاحترافيَّة لاستقبال كبار الشخصيَّات، فذهبت المدرسة الإنجليزيَّة لتضع سِماتٍ لكل نوع من كبار الشخصيَّات. وتُعَد اتفاقيَّة فيينا عام 1961 دستورَ العلاقات الدوليَّة والعمل الدبلوماسي، وهي موثقة في أرشفة الأُمم المتحدة، وتستند إليها الدول كافة. وقد بدأت أغلب الجامعات البريطانيَّة تطوِّر مفهوم استقبال كبار الشخصيَّات، ورفدت السلك الدبلوماسي البريطاني بأحدث الدراسات في فن الدبلوماسيَّة، حيث قسَّمت كبار الشخصيَّات إلى ثلاثة مستويات، أهمها: المستوى الأول، ويشمل الأمراء والسلاطين والملوك ورؤساء الجمهوريَّات ورؤساء الوزراء… وهذا يعتمد على نوع الزيارة، حيث هناك عدة أنواع من الزيارات، ومنها: زيارة دولة، وزيارة رسميَّة، وزيارة أخويَّة، وزيارة خاصة، وزيارة سريَّة، وغيرها، وطبعًا لكل زيارة سِمات وأجندة خاصة بها. ويُعَد البروتوكول العُماني في المقدمة على مدى الأعوام الماضية ـ ولا يزال ـ وقد أضاف والدنا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ لمساتٍ راقية ومتقنةً لمفاهيم بروتوكول وإتيكيت استقبال كبار الشخصيَّات في زيارة دولة، حيث يتم إنزال العَلم العُماني من قصر العَلَم العامر «قصر الضيافة»، ويُرفع عَلم دولة الضيف لتصبح هذه الرقعة هي أرض الضيف، إكرامًا وتقديرًا لمقامه والوفد المرافق له. ويدرس كثير من الدول الآن العمق التاريخي والاقتصادي لدولة المستضيف، وبعدها تضع سِمات مفاهيم البروتوكول والإتيكيت لاستقباله ونوع الزيارة. وتسبق كل الزيارات تفاهمات حول مفردات الزيارة وهدفها، وهذا يأتي من خلال وزارتي الخارجيَّة وسفارتي الطرفين، بحيث تبدأ هنا مهارة التخطيط والتنفيذ الدبلوماسي وفريق العمل النموذجي؛ لأن أي خلل يُعَدُّ كارثيًّا على سمعة البلد المستضيف، بالإضافة إلى التوقيتات الرسميَّة المتفق عليها بين الطرفين منذ لحظة الوصول حتى مغادرة الوفد.
في تحليلٍ بسيطٍ من الناحية البروتوكوليَّة والإتيكيت لزيارة الرئيس الأميركي ترامب الأخيرة إلى جمهوريَّة الصين، التي كانت محط أنظار العالم، حيث كلفت هذه الزيارة الجانب الأميركي (37) مليون دولار، تم نقل معدَّات وسيارات مصفحة، بالإضافة إلى الفرق التي كانت ترافق الرئيس ترامب: فريق أمني، وفريق الحماية الشخصيَّة، وفريق مخابراتي، وفريق طبي، والفريق الإعلامي، والفريق الهندسي والفني، وفريق المعدات والأدوات الشخصيَّة للرئيس، وفريق المراسم والتشريفات، وفريق المترجمين، وفريق المرافقين له ولحرمه، وفريق الإقامة، وفريق الخطط البديلة والساندة. بل يذهب بعض المرافقين إلى مسح أكواب الماء أو أي شيء يستخدمه الرئيس، خوفًا من استنساخ الحمض النووي له. لذلك تُدرَّس هذه الزيارة على المستوى الخامس من مفاهيم البروتوكول والإتيكيت لاستقبال كبار الشخصيَّات. وهناك بعض الخلل غير المقصود الذي حدث أثناء الزيارة، ولكن الصين وفريق العمل نفَّذا مفاهيم البروتوكول والإتيكيت في المستوى الخامس لكبار الشخصيَّات بكل إتقان ورُقي وحنكة منذ الوصول ولغاية المغادرة. ومن الملاحظ أن الرئيس الأميركي قد دخل في برنامج مخصص بكيفيَّة التعامل مع المستضيف، وهو الرئيس الصيني الذي أحكم مفاهيم الاستقبال بكل إتقان وحرفيَّة، وحتى المباحثات التي جرت بين الطرفين، وانبهار الوفد الأميركي بالقاعة وطبيعة الاستقبال، وكذلك حفلة العشاء؛ نشاهد وقوف جميع الحاضرين عند دخول الرئيسين إلى القاعة، كما نلاحظ الحذر الشديد في إتيكيت المشي المصطنع للرئيس الأميركي وصعوده على المنصة لإلقاء كلمته. وقد أتقنت الصين مفردات الزيارة كلها، ابتداءً من وقوف الرئيس الصيني على السجادة الحمراء وانتظار الرئيس الأميركي، ولم يحرك خطوةً واحدةً باتجاه الضيف، وتوزيع السجادة الحمراء، وتفتيش الحرس، واستعراض أفراد القوات المسلحة الصينيَّة، والاستقبال الشَّعبي من قبل الأطفال الصينيين الذين كانوا بالطول والحركة نفسيهما، وغيرها من مفاهيم البروتوكول والإتيكيت.
تختلف بروتوكولات استقبال كبار الشخصيَّات من دولة إلى أخرى استنادًا إلى تراث كل بلد وتاريخه وعاداته، فالبروتوكول العُماني، الذي يُعُدُّ الأول في التخطيط والتنفيذ لجميع أنواع الزيارات، ومنها زيارة الدولة، يبدأ فيه الاستقبال الشَّعبي والرسمي من الهجانة والخيول وفرقة الموسيقى التابعة للحرس، والخيول البيضاء التي تحيط بسيارة الضيف، ثم يدخل إلى بوابة قصر العَلم، حيث يقف على جانبي المدخل مجاميع من المحافظات العُمانيَّة بأزيائهم وأهازيجهم التراثيَّة الأصيلة، وهي من إضافات والدنا جلالة السُّلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ. ولا ننسى جهود أشقائنا المتميزة في دول مجلس التعاون الخليجي، الذين أبدعوا في تنفيذ زيارات الدولة خلال زيارة مولانا جلالة السُّلطان لهم.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت








