د. صالح بن عبدالله الخمياسي
من منّا لا يتذكّر أثرًا جميلًا غرسه معلّمٌ شغوفٌ في نفوس طلابه، فظلّ عالقًا في الذاكرة، رغم أن صاحبه غادر مقاعد الدراسة منذ زمنٍ بعيد؟
فالمعلّم، بما كرّمه الله به من منزلة، ومنذ فجر الخليقة، وعبر تعاقب الحضارات، ظلّ كالشمعة التي تحترق وتنصهر رويدًا رويدًا لتضيء الدرب للآخرين. وهو كحامل المسك، لا يعبق المكان بطيب حضوره فحسب، بل يمتدّ أريج أثره، وينتشر عبقه في النفوس، فيبقى خالدًا وإن غاب صاحبه.
ولعلّ هذا ما عبّر عنه الأديب مصطفى صادق الرافعي في القول المنسوب إليه: “المعلّم ليس الذي يملأ الأذهان بالمعلومات، وإنما الذي يوقظ فيها قوة التفكير.”
وكذلك كان سقراط يرى أن المعلّم لا يلقّن المعرفة، بل يعين الإنسان على اكتشافها بنفسه؛ ولذلك نُسب إليه قوله الشهير: “أنا لا أستطيع أن أعلّم أحدًا شيئًا، إنما أستطيع فقط أن أجعله يفكّر.”
لم تكن رسالة المعلّم يومًا مجرد نقلٍ للمعرفة، بل كانت صناعةً للإنسان، وبناءً للقيم، وتشكيلًا للعقول. فمنذ أقدم الحضارات، ظلّ المعلّم قدوةً قبل أن يكون ناقلًا للعلم، وفي الحضارة الإسلامية اقترن طلب العلم بالأدب وحسن الاقتداء. واليوم، ورغم أن المعرفة أصبحت في متناول الجميع، وأن الذكاء الاصطناعي يجيب عن الأسئلة في لحظات، فإن القدوة، والإلهام، والاحتواء، والإيمان بالإنسان، ستظل رسالةً لا يحملها إلا المعلّم.
ومن الخطب الملهمة التي تنافست في المؤتمر السنوي للقطاع (105) لأندية التوستماسترز في مايو 2026، خطابٌ ملهم في رسالته، مشوّق في أدائه، قدّمه المتسابق خميس البلوشي في إطارٍ قصصي استحوذ على انتباه جمهوره.
رسم خميس لوحةً فنيةً لصفٍّ مدرسي دخل إليه أحد التلاميذ، فوجد مقعد معلّمه، المألوف بهيبته، وصفاء سريرته، وحسّه الفكاهي، ونبرته الأبوية الملهمة، فارغًا… كرسيًّا فارغًا. تسمر الطالب أمام ذلك الكرسي الذي كان يمثّل دائمًا صوت الحكمة، والأبوة، والدفء، والأمان. دار في ذهنه ألف سؤالٍ وسؤال، وأخذ خياله يرسم له العديد من سيناريوهات “ماذا لو؟” ثم تساءل في أعماقه: ماذا لو كان لهذا الكرسي أن يتحدّث؟ ترى… ماذا سيقول؟
هل سيسرد قصة طالبٍ جلس في هذا الصف يومًا، ثم خرج إنسانًا آخر، بعد أن تغلغلت حكمة معلّمه في أوصاله، وتسربت إلى شرايينه، وسكنت وجدانه، وأوقدت جذوة التفكير في عقله؟
أم أن بطل الحكاية الحقيقي سيكون ذلك المعلّم الذي جلس على هذا الكرسي، فجعل منه ميناءً ترسو فيه سفن المعرفة، وتتزوّد بالحكمة، وتستلهم الإبداع، حتى غدا أثره أريجًا زاكيًا يفوح في أرجاء المكان؟
ويتدرج الخطيب الملهم خميس في استنطاق ذلك الكرسي الفارغ، فيتساءل: أترى هذا الكرسي سيحدّثنا عن دموع فشل بعض الطلبة وإخفاقهم في تحصيلهم العلمي؟ أم سيحتفي بضحكات المتميزين منهم، وقد غمرت نفوسهم بهجة النجاح؟ ثم يرفع سقف التساؤل، فلا يستبعد أن يبوح ذلك الكرسي بأسرارٍ شهدها، ولم يجرؤ أحد على البوح بها.
ثم يمضي خميس عبر فضاءات خطابه الملهم، مستخدمًا الكرسي رمزًا للمغزى الذي يريد أن يوصله إلى جمهوره، فيقول: “في حياتنا كراسٍ لا يجلس عليها الناس فقط، بل تجلس عليها الذكريات، والدروس، والأحلام.”
تلك الكراسي شهدت علينا ونحن نطوي الأيام بإخفاقاتنا ونجاحاتنا، بيأسنا وقوة الأمل الكامنة في داخلنا. نعم، فهي قادرة على لملمة شظايا حكاياتنا المتناثرة، واحتضان تفاصيل تجربتنا الإنسانية بكل ما فيها من تواضع وبساطة.
ومن هذا المشهد الذي رسمه الخطيب، يلج إلى تجربته الشخصية. فالكرسي يخبئ حكايته؛ إنه الكرسي ذاته الذي جلس عليه معلّمه الملهم، وبقي أثره عالقًا في ذهنه رغم تعاقب الأيام والسنين.
لم يكن ذلك المعلّم مجرد رجل يشرح مسائل الرياضيات، بل كان يعلّمهم كيف يفهمون الحياة من حولهم. ويستطرد خميس في حكايته قائلًا: “كنت أجلس أمامه كل يوم، ومع نهاية الحصة كان يسألني: اليوم… ماذا تعلّمت؟”
لم يكن ينتظر مني أن أردد القوانين، بل كان يريد أن يعرف: ماذا أضاف ذلك اليوم إلى إنسانيتي؟ لكنني كنت صغيرًا، فلم أدرك يومها مغزى ذلك السؤال الذي ظلّ يكرره ويغرسه في عقولنا.
وتمضي الأيام… حتى جاء يوم دخلت فيه الفصل، وكان الكرسي فارغًا. تساءلت: أين معلّمي؟ فقيل لي: “لن يعود.” تتملكه الدهشة، ويردد الكلمة: لن يعود! لماذا نحرم من صوت حكمته، وعبق إلهامه؟ وهنا تنسلّ من فمه أبيات شعرية، لتنتشر كعبير اللبان في أرجاء القاعة التي احتشد فيها نحو ثلاثمائة شخص، يقول فيها:
مَا لِلْكَرَاسِي أَوْحَشَتْ أَطْرَافُهَا؟
وَغَدَا مَكَانُ العِلْمِ مِثْلَ البَلْقَعِ
قَدْ كَانَ يَمْلَؤُهَا الضِّيَاءُ فَأَظْلَمَتْ
لَمَّا تَرَجَّلَ بَدْرُ ذَاكَ المَجْمَعِ
ثم يواصل خميس سرده، فيقول: “هربت من هذا الكرسي سنواتٍ طويلة؛ لأنه كان يذكّرني بالغياب. كنت أظن أن القصة انتهت عند رحيل معلّمي.” غير أن ما غرسه فيهم من قيم، وما بثّه في نفوسهم من معانٍ، ظلّ مشعلًا يضيء الطريق، وأمانةً ينبغي أن يحملها كل جيل إلى من بعده.
ويتابع بعد سنوات، وفي أحد صفوف المدرسة، رأيت طالبًا وحيدًا يقلب دفاتره بصمت. اقتربت منه، وجلست أمامه، ومن دون وعي خرج من فمي ذلك السؤال الذي طالما ردده معلّمي وهو يتابع تقدمي عبر السنين: “اليوم… ماذا تعلّمت؟”
رفع رأسه، وابتسم ابتسامةً صغيرة، لكنها أيقظت في داخلي نورًا كنت أظنه قد انطفأ. في تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا: معلّمي لم يرحل. لقد ترك كرسيه فارغًا… لكي أجلس أنا عليه، وأحمل مشعل النور من بعده.
غير أن خميس لا يكتفي باستحضار أثر المعلّم بعد رحيله، بل ينتقل بخطابه إلى مستوى أعمق من التأمل، حين يعترف بصدق أن الكرسي لم يكن فارغًا بسبب غياب معلّمه وحده، وإنما كان يبدو فارغًا أحيانًا وهو جالس عليه. فقد يكون المعلّم حاضرًا بجسده، لكنه غائب بقلبه، مؤجلًا السؤال، ومؤجلًا الاهتمام، ومؤجلًا ذلك الحضور الإنساني الذي يمنح التعليم روحه ومعناه.
ومن هنا يلتقط الخطيب واحدة من أجمل رسائل خطابه؛ فليس الموت وحده هو الذي يترك الكراسي فارغة، بل قد يتركها أصحابها خاوية وهم لا يزالون يجلسون عليها، حين يتحول التعليم إلى أداءٍ للواجب، لا رسالةٍ تنبض بالحياة. ذلك الإدراك كان نقطة التحول في حكايته؛ إذ عقد العزم ألا يترك كرسيًا فارغًا في حياته. فصار يجلس مع طلابه كما كان يجلس إليه معلّمه، لا ليمتحن قدرتهم على استرجاع المعلومات، وإنما ليوقظ فيهم إنسانيتهم، ويغرس في نفوسهم السؤال الذي ظل يتردد في أعماقه منذ طفولته: «اليوم… ماذا تعلّمتم؟.
ويختتم خميس خطابه برسالة إنسانية مؤثرة، يؤكد فيها أن الأعمار لا تُقاس بعدد السنين، وإنما بعدد الأرواح التي تركنا فيها أثرًا، وبعدد الكراسي التي ملأناها بالمعنى. ولذلك يدعو جمهوره إلى ألا ينتظروا الغياب ليشعروا بقيمة الحضور، بل أن يملؤوا كراسيهم بالاهتمام، والسؤال، والحب، وأن يرددوا ذلك السؤال البسيط في ألفاظه، العميق في أثره: «اليوم… ماذا تعلّمت؟» فهو ليس سؤالًا عن مقدار ما حفظناه من معلومات، بقدر ما هو دعوة إلى مراجعة الذات، وإيقاظ الفكر، واستدامة التعلّم، حتى يبقى الإنسان في رحلة نمو لا تنقطع.
ولعل هذا هو جوهر رسالة المعلّم الحقيقية؛ أن يغرس في تلاميذه القدرة على التفكير، وحبّ المعرفة، والإيمان بأن التعلم رحلة تمتد ما امتدت الحياة. وما أجمل ما يعبّر عن هذا المعنى ذلك البيت الخالد:
وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ
وفيك انطوى العالم الأكبر
وهكذا ينجح خميس البلوشي في أن يحوّل الكرسي الفارغ من قطعة أثاث جامدة إلى رمزٍ خالد لرسالة المعلّم؛ فالمعلّم لا يرحل حين يغيب جسده، وإنما يبقى حاضرًا ما دام أثره حيًا في تلاميذه، ينتقل منهم إلى من بعدهم، جيلًا بعد جيل. وتلك، في تقديري، هي أعظم رسالة يتركها المعلّم، وأخلد إرث يورّثه للأجيال؛ فالأشخاص يرحلون، أما الأثر الصالح، فيبقى شاهدًا عليهم، ويواصل إشعاعه في عقول من علّموهم، وقلوب من آمنوا بهم
——————————————-
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في القيادة الذاتية والتغيير الشخصي







