هل حُجَب تطبيق «تيك توك» في عُمان؟! هذا ما تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أصبح التطبيق غير متاح للرواد، دون صدور بيان رسمي يوضح للناس أسباب توقف الخدمة. وبما أنّ الجهات المختصة لم تُصدر بيانًا حول ذلك – حتى لحظة كتابة هذا المقال – فإنّ البعض ربط في منشوراتهم عبر منصة «إكس» توقف الخدمة بإعلان الادعاء العام مؤخرا حول قضية تتعلق بمحتوى ظهر خلال بث مباشر عبر إحدى منصات التواصل يسيء للعُمانيين من خلال استخدام كلمات سوقية نابية، تتنافى تماما مع تعاليم الدين الحنيف ومع قيم وأخلاق العُمانيين. ومع تطور الأمور لم تعد سياسة الحجب أو المنع مجدية، إذ أنّ الوسائل البديلة من الكثرة بمكان، ويجب أن تناقش الفكرة بفكرة، وأن تُبنى خططنا ودراساتنا حول مسايرة هذا التطور لا محاربته، لأنّ من يحارب التطور هو الخاسر.
وسواء كان الربط بين التوقف وبين تلك الحادثة صحيحًا، فإنّ من الخطأ حجب منصة لها جمهورها في العالم، بسبب فئة قليلة مخطئة على حساب الأغلبية. ولا يمكن إنكار مثل هذه المنصات الآن، فهي حقيقة واقعة يجب أن نعلم كيف نتعامل معها ونسايرها؛ فالفضاء الرقمي أصبح وسيلة مهمة للثقافة والتوعية وللتكسب المادي أيضًا، فلا ينبغي أن يؤخذ الكلّ بجريرة البعض؛ بل إنّ الواجب يحتم تضافر الجهود – كلٌّ في مجاله – لتوعية النشء حول الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه المواقع، باعتبارها من الأمور المستحدثة، والتي يعتمد عليها الشباب في كلِّ مناحي الحياة.
في هذا الإطار أعجبتني رسالة خطبة الجمعة قبل أسبوعين، التي ذكّرتنا بأنّ ما نكتبه وننشره عبر هذه الوسائل أمانة، وأنّ المسلم الحق هو من سَلِم الناس من لسانه ويده، سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي، وركزت الخطبة على أنّ التكنولوجيا منحتنا فرصًا عظيمة لنشر العلم وتعزيز صلة الأرحام، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام الشائعات والتنمر والإساءة، وهنا يبرز السؤال: هل نحن نستخدم هذه النعمة بما يرضي الله ويخدم المجتمع، أم نحوّلها إلى نقمة تهدم القيم وتزرع الفتنة؟ الخطبة ذكّرتنا بقول الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، لتؤكد أنّ كلَّ كلمة نكتبها أو نشاركها هي أمانة سنُسأل عنها، وفي الفضاء الرقمي لا فرق بين اللسان والقلم ولوحة المفاتيح؛ كلها أدوات تعكس ما في القلب والعقل وتُسجَّل في صحيفة أعمالنا.
وحقيقةً أرى أنّ تلك الخطبة كانت مهمة، بما حملت من رسائل للجيل الجديد حول كيفية التعامل مع هذه الوسائل، خاصةً عندما وضعت قواعد للنشر، بأنْ أشارت إلى أنّ الواجب يقول: «ضع لنفسك قبل أن تنشر أيَّ منشور أو أيّ تعليق، أو تعيد مشاركة أيّ مقطع، مجموعةً من الأسئلة تجيب عنها قبل إقدامك على ذلك الأمر، واسأل نفسك: هذا الأمر أو هذا المقطع أو هذا المنشور أصِدقٌ وحقّ، أم هو إشاعة من مصدر غير موثوق؟ ثم سل نفسك: أهو خير يسهم في النفع والإصلاح ويفيد الناس، أم هو لغو وجدال ومراء؟ وانظر إلى جوابك ثم أقدم أو أحجم».
ولو أننا التزمنا بذلك لما وقعنا في المحظور الأخلاقي وغير ذلك.
والدليل أنني عندما أقرأ بعض ردود العُمانيين في هذه الوسائل أخجل تمامًا من الانحدار الذي وصلنا إليه، فبعض هذه التعليقات تسيء إلينا أيّما إساءة، في وقت نحسن الظن فيه بمن يرد، فقد أراد أن يدافع عن عُمان ولكنه أساء من حيث لا يدري.
ومثل تلك الردود تقودنا إلى الحديث عن ظاهرة «الذباب الإلكتروني»، وهي جيوشٌ منظمة من الحسابات الوهمية تُستخدم لتشويه الحقائق وبث الكراهية، وقد نشط هذا الذباب في الآونة الأخيرة في الهجوم على سلطنة عُمان، مستهدفًا سياستها المتوازنة التي تقوم على الحياد والحكمة، لأنّ صوت العقل في المنطقة يُعتبر تهديدًا لمشاريع الفوضى، ولأنّ عُمان ترفض أن تكون جزءًا من الحملات الإعلامية الموجهة ضد الآخرين، فتُصبح بدورها هدفًا لهذه الحملات.
وقد ظلّ المجتمع العُماني متميزًا بالوعي والهدوء، ولفترة طويلة لم ينجرف العُمانيون وراء الاستفزازات، ولكن يبدو أنّ البعض بدأ في الانجراف ووقع في الفخ المنصوب له، فأصبحنا نقرأ ردودًا انفعالية وجارحة ومسيئة لنا قبل أن تسيء للآخرين، رغم أنّ الدوافع قد تكون الغيرة أو الحماسة الوطنية، ومع ذلك ظهرت تعليقات بعضها منطقي وقوي يعتمد على الحجة والبرهان ويُظهر صورة عُمان الحقيقية كدولة متوازنة، وبعضها الآخر يخجل قارئها أن ينسبها لعُمان وأهلها.
وأرى أنّ أجمل رد على الذباب الإلكتروني هو أن نكون كما نحن دائمًا، عُمانيين بهدوئنا وحكمتنا وأخلاقنا، وأن يكون ردّنا دائمًا هادئًا ومنطقيَّا ومبنيَّا على الحقائق.
زاهر بن حارث المحروقي/ كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.







