د. صالح بن عبدالله الخمياسي
التوتر أمرا قد يكون إيجابياً أو ضاراً، فهو قوة تُلهمنا لتحقيق المزيد، أو عندما يصبح مرهقا، يجعلنا عرضة للاحتراق النفسي، والانهيار، وتحديات الصحة النفسية. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني تقريباً واحد من بين كل سبعة من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عاماً على مستوى العالم من حالة صحية نفسية.
لتسليط الضوء على هذه القضايا المهمة، تحاورت مع حنان بنت سيف السمرية، وهي مختصة في مجال الرعاية الصحية و تحظى بخبرة واسعة في مجال الصحة النفسية، لا سيما صحة النفسية للأطفال والمراهقين. وهي شغوفة بتطوير خدمات تتمحور حول الإنسان قائمة على الأدلة، وتعزيز أنظمة الصحة النفسية، وتشجيع التدخل المبكر والوقاية.
تشمل خبراتها التخطيط الاستراتيجي، وتطوير الخدمات، وبناء القدرات، والتعاون بين القطاعات. كما تلتزم حنان تمكين الشباب، وتعزيز أنظمة الدعم في البيئات التعليمية، والنهوض بالصحة النفسية باعتبارها مكوناً أساسياً للرفاه العام.

حاليا ، تعمل حنان ضمن فريق من المختصين الذين تم أختارهم للعمل مع مكتب متابعة رؤية عمان 2040 في وزارة الصحة. خلال المحادثة تطرقنا إلى تساؤلات منها كيف يؤثر التوتر على الشباب، وما الذي يجب معالجته، وكيف يمكن إدارته بفعالية. لقد قادنا الحديث إلى التأمل في المحطات التالية:
1 -كيف يمكن للشباب التمييز بين التوتر العادي والإكتئاب والاحتراق النفسي؟
التوتر جزء عادٍ من الحياة، لا سيما عندما نكون ندرس، أو نبدأ مسيرة مهنية، أو نلاحق أهدافاً طموحة. السؤال الأساسي ليس ، هل أنا متوتر؟ بل هل ما زال هذا التوتر يساعدني، أم أنه بدأ يرهقني ويؤثر على طريقتي في أداء وظائفي؟ هذا تقييم ذاتي مهم للغاية. عادة ما يتحسن التوتر العادي عندما يقل الضغط أو ينتهي التحدي. أما الإكتئاب والاحتراق النفسي يستمرلوقت أطول. قد نرى إرهاقاً عاطفياً، أو فقداناً للحافز، أو صعوبة في التركيز، أو سرعة غضب، أو عزلة عن الآخرين، أو اضطراباً في النوم، أو شعوراً بأن المهام البسيطة أصبحت مرهقة. رسالة مفيدة للشباب هي: لا تنتظر حتى تنهار تماماً لتأخذ صحتك النفسية على محمل الجد. التعرف المبكر هو الوقاية. وكما يقال: درهم وقاية خير من قنطار علاج.
- ما هي الأسباب الرئيسة للاحتراق النفسي بين الشباب العماني؟
أعتقد أننا بحاجة إلى النظر أبعد من الفرد. يتعامل الشباب اليوم مع عدة ضغوطات في آن واحد: التوقعات الأكاديمية، والمنافسة على التوظيف، والاهتمامات المالية، والتوقعات الاجتماعية، والمسؤوليات العائلية، والمقارنة المستمرة التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي. في سياقنا العماني، قد تكون هناك أيضاً رغبة قوية في تشريف العائلة وتحقيق الاستقرار والنجاح في سن مبكرة نسبياً. تبرز المشكلة عندما يبدأ الشباب في الاعتقاد بأن قيمتهم تُقاس بإنجازاتهم. وعندما يصبح النجاح هو النتيجة المقبولة الوحيدة، يمكن أن تبدو الراحة وكأنها فشل. وهناك تدريجياً يتحول الطموح الصحي إلى إكابوس مرهق.
. 3- عندما يصبح الطموح إرهاقاً، هل يمكن لضغط الإنجاز والنجاح أن يحول الطموح إلى احتراق نفسي؟
بالتأكيد. الطموح بحد ذاته لا يعد مشكلة. المشكلة هي عندما يصبح الطموح ضغطاً متواصلاً. ينبغي أن ندرك أن هناك فرقاً شاسعا بين “أريد أن أحقق أهدافي” و”يجب أن أحقق أهدافي، وإلا فأنني لست جيداً بما يكفي”. يترك الطموح الصحي مساحة للراحة، والأخطاء، والتعلم، وتغيير الاتجاه. أما ضغط الإنجاز غير الصحي فلا يترك مساحة لكون المرء إنساناً. ففي النهاية، جل من لا يسهو، ولله الأمر من قبل ومن بعد. يُذكرنا قرآننا الكريم بأن “لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت”. نحن بحاجة إلى تعليم شبابنا أن الراحة ليست نقيض الإنتاجية؛ بل هي جزء من الأداء المستدام. نحن نتعلم من إخفاقاتنا وأوجه قصورنا. وينبغي أن نتذكر أن الحياة هي رحلة تحسين ذاتي مستمر. يجب أن نشجعهم على الابتعاد عن المثالية.
4- ما هي علامات الإنذار المبكر للاحتراق النفسي التي يجب أن يراقبها الشباب والعائلات والمسؤولين في العمل؟
تُعد التغيرات عن طبيعة الشخص المعتادة من أهم العلامات. ينبغي أن نتخذ ذلك بمثابة خط أساس أو نقطة بداية. الشاب الذي كان منخرطاً بشكل طبيعي قد ينسحب. والشخص الذي كان متحفزاً قد يفقد اهتمامه فجأة. قد نشهد سرعة غضب مستمرة، وإرهاقاً عاطفياً، وصعوبة في التركيز، وتغيرات في النوم، وتراجعاً في الأداء الأكاديمي أو المهني، ومعاناة جسدية متكررة، أو فقدان المتعة في الأشياء التي اعتادوا الاستمتاع بها سابقاً. ينبغي للعائلات والمدراء في بيئة العمل الانتباه ليس فقط للأداء، بل للوظائف والرفاه أيضاً. وأود أن أؤكد على: أسبوع واحد صعب لا يعني بالضرورة الاحتراق النفسي. نصبح أكثر قلقاً عندما تكون التغيرات مستمرة، وتتفاقم، وتؤثر على مجالات مختلفة من الحياة.
5- هل الاحتراق النفسي قضية فردية بشكل أساسي، أم يجب أن تتشارك أماكن العمل والمجتمع المسؤولية؟
ينبغي ألا يُؤطر الاحتراق النفسي ببساطة على أنه فشل فردي في التأقلم. توجد مسؤولية فردية، ولكن توجد أيضاً مسؤولية بيئية. يحتاج الشباب إلى مهارات نفسية مثل التنظيم العاطفي، والحدود الصحية، وحل المشكلات، ومعرفة متى يطلبون المساعدة. لكن المنظمات والمؤسسات تتحمل أيضاً مسؤولية خلق عبء عمل معقول، وقيادة داعمة، وأمان نفسي، وثقافة يُعد فيها طلب الدعم مقبولاً. لا يمكننا تعليم الشاب كيفية إدارة التوتر بينما نضعه باستمرار في بيئة تولد مستويات غير صحية من التوتر. الرفاه مسؤولية مشتركة.
- كيف يمكننا تشجيع الشباب العماني على طلب الدعم النفسي دون النظر إليه باعتباره ضعفاً؟
نحن بحاجة إلى تغيير اللغة المحيطة بالدعم النفسي. لا ينبغي أن يعني طلب المساعدة “هناك خطأ ما لدي”. بل قد يعني ببساطة “أنا أدرك أنني أ شعر بشيء ما وأختار التعامل معه مبكراً نحتاج أيضاً إلى جعل الدعم النفسي أمراً طبيعياً كجزء من الحفاظ على الصحة، وليس شيئاً محصوراً فقط بالأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية نفسية حادة. تمتلك العائلات، والمدارس، والجامعات، وأماكن العمل، ومختصو الرعاية الصحية دوراً في خلق مساحات آمنة يمكن للشباب التحدث فيها دون التعرض للحكم الفوري. أحياناً تكون أقوى جملة يمكن أن يقولها الشاب هي: أنا لست بخير، وأحتاج إلى بعض الدعم.
7- ما هي النصائح الثلاث التي تودين توجيهها للشباب العماني لحماية صحتهم النفسية أثناء سعيهم لتحقيق طموحاتهم؟
أولاً: لا تخلط بين إنجازاتك وهويتك. فأنت أكبر من درجاتك، أو وظيفتك، أو منصبك، أو إنجازاتك.
ثانياً: ابنِ تعريفاً مستداماً للنجاح. يجب أن يتضمن النجاح صحتك، وعلاقاتك، وقيمك، والشعور بالمعنى الحقيقي له، وليس مجرد ما يتم التباهي به في سيرتك الذاتية.
ثالثاً: اطلب المساعدة مبكراً. ولا تنتظرحتى تصبح المشكلة أزمة. التحدث مع شخص تثق به أو طلب الدعم من مختص يعد علامة على الوعي الذاتي والمسؤولية.
في ختام حوارنا، أود أن أعرب عن خالص شكري و امتنانى لك ولأسرة التحرير في صحيفة عاشق عمان على هذه الفرصة لمشاركة هذه التأملات التي تتعلق بشريحة هامة في مجتمعنا هي شبابنا فهم قادة المستقبل. أتمنى أن تشجعهم هذه الكلمات للاهتمام بهذه الأمور، و تقودهم الى تبني نمط حياة صحي ومتوازن، وتعينهم على المساهمة بشكل إيجابي في تنمية بلدهم وهم ينعمون بحياة مليئة بالإنجازات.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية والتميزالشخصي







