حين تعود الأمم إلى تاريخها فإنها لا تستعيد زمناً مضى فحسب، وإنما تستعيد جزءاً من ذاكرتها ووعيها بذاتها، فالتاريخ ليس سجلاً جامداً للأحداث ولا مجموعةً من الأسماء التي عبرت ثم غابت، وإنما هو الذاكرة التي تحفظ للأجيال حكاية الطريق الذي سلكته أوطانها، وتكشف لها كيف ظهرت الشخصيات التي ارتبطت بالتحولات الكبرى، وكيف واجهت الأجيال السابقة أزماتها، وكيف صنعت في لحظاتٍ حاسمةٍ مواقفَ بقي أثرها ممتداً بعد رحيل أصحابها، ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى أحمد عرابي، لا باعتباره مجرد اسم في صفحات التاريخ المصري الحديث، وإنما باعتباره شخصية ارتبطت بمرحلةٍ شديدة الحساسية من تاريخ مصر، مرحلةٍ تداخلت فيها أحلام الإصلاح مع أزمات الحكم، وتقاطعت فيها المطالب الوطنية مع التدخلات الأجنبية، وأصبح فيها الجيش طرفاً في صراع سياسي واسع حول شكل الدولة ومستقبلها ومكانة المصريين فيها.
ويأتي اختيار هذا الموضوع انطلاقاً من رغبةٍ في استحضار ذاكرة الماضي الأصيل، وإعادة فتح صفحة من صفحات التاريخ التي ارتبطت برجالٍ تركوا أثراً واضحاً في مسيرة بلادهم، لأن الأمم التي تعرف تاريخها لا تتعامل مع الماضي باعتباره عبئاً ينبغي التخلص منه، وإنما باعتباره ذاكرة تستحق أن تُحفظ وتُقرأ وتُفهم، وليس المقصود باستحضار الأمجاد أن نضع الماضي في صورة مثالية خاليةٍ من الأخطاء، وإنما أن نتذكر أن تاريخ مصر شهد مراحلَ ظهر فيها رجال حاولوا أن يغيروا واقعاً رأوه مختلاً، وأن يدافعوا عن قضايا آمنوا بها، وأن يواجهوا ظروفاً سياسية وعسكرية ودولية لم تكن سهلة، وفي مقدمة هؤلاء يبرز أحمد عرابي الذي ارتبط اسمه بحركة أصبحت واحدةً من أهم محطات التاريخ المصري الحديث.
لقد ظهر عرابي في زمنٍ كانت فيه مصر تعيش تحولاتٍ عميقةً، وكانت الدولة تواجه أزماتٍ اقتصاديةً وسياسيةً متراكمةً، فيما كان النفوذ الأوروبي يتوسع بصورة متزايدة داخل البلاد، وأصبحت قضايا الديون والإدارة والجيش والسيادة مرتبطةً بعضها ببعض، وفي ظل هذا الواقع برزت داخل المؤسسة العسكرية مطالب تتعلق بأوضاع الضباط المصريين وبالعدالة في الترقية وبإعادة تنظيم الجيش، ثم تجاوزت هذه المطالب حدود المؤسسة العسكرية لتدخل في صلب الحياة السياسية، ومع تصاعد الأحداث أصبح عرابي واحداً من أبرز الوجوه التي ارتبطت بهذه الحركة، وانتقل اسمه من نطاق الجيش إلى المجال الوطني الأوسع.
ولذلك فإن الحديث عن أحمد عرابي لا ينفصل عن الحديث عن الظروف التي صنعت ظهوره، فالرجال لا يولدون منفصلين عن أزمنتهم، والشخصيات التاريخية لا يمكن فهمها من خلال أفعالها وحدها من دون معرفة البيئة السياسية والاجتماعية التي أحاطت بها، وقد كان عصر عرابي عصراً تتصارع فيه إرادات متعددة حول مستقبل مصر، فهناك السلطة الخديوية، وهناك الجيش، وهناك النخب السياسية والفكرية، وهناك القوى الأوروبية التي أصبحت لها مصالح واسعة داخل البلاد، وفي قلب هذا المشهد ظهر سؤال كبير حول قدرة مصر على إدارة شؤونها بنفسها، وحول حدود النفوذ الخارجي، وحول طبيعة الإصلاح الذي تحتاج إليه البلاد للخروج من أزمتها.
ثم جاءت الثورة العرابية لتصبح نقطةً فاصلةً في هذا المسار، إذ تحولت الحركة التي بدأت بمطالب عسكرية إلى حركةٍ سياسيةٍ أوسع، وارتبطت بمطالب دستورية ووطنية، وأصبحت شخصية عرابي في مركز المشهد، وفي المقابل تصاعدت مخاوف القوى الأوروبية من تطورات الأحداث، وتداخلت العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية، حتى وصلت الأزمة إلى المواجهة العسكرية التي انتهت بهزيمة القوات العرابية، ودخلت مصر بعد ذلك مرحلة الاحتلال البريطاني سنة 1882، وهي النتيجة التي جعلت تجربة عرابي حاضرةً بصورةٍ دائمةٍ في النقاش حول أسباب الهزيمة ومسؤولية الأطراف المختلفة عنها، وحول ما إذا كانت التجربة قد مثلت محاولةً وطنيةً للإصلاح أم أنها حملت في داخلها عواملَ ساهمت في فشلها.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى عرابي من خلال “المنار”، لأن هذه العودة لا تقدم لنا الحدث من زاوية عسكرية أو سياسية فقط، وإنما تفتح الباب أمام فهم الطريقة التي نظر بها جيل إصلاحي لاحق إلى واحدة من أكثر التجارب تأثيراً في التاريخ المصري، فقد صدرت “المنار” في القاهرة سنة 1898 على يد محمد رشيد رضا، وأصبحت خلال السنوات التالية من أبرز المنابر الإصلاحية والفكرية في العالم العربي والإسلامي، واهتمت بقضايا الإصلاح الديني والاجتماعي والفكري والسياسي، وبأحوال المسلمين، وبالتحديات التي واجهت المجتمعات الإسلامية في ظل التوسع الأوروبي والاستعمار، ولذلك فإن استعادة شخصية عرابي من خلال هذا المنبر تحمل دلالةً تتجاوز مجرد سرد سيرته. الموسوعة العربية
وكان محمد رشيد رضا قد وصل إلى مصر في أواخر القرن التاسع عشر، واتصل بالإمام محمد عبده، الذي أصبح أستاذه وواحداً من أهم المؤثرين في مشروعه الفكري، ومن خلال هذه العلاقة أصبحت تجربة الثورة العرابية جزءاً من الذاكرة الفكرية التي ورثها رشيد رضا عن أستاذه، خصوصاً أن محمد عبده نفسه كان من الشخصيات التي ارتبطت بالثورة العرابية، ثم تعرض للنفي بعد هزيمتها، قبل أن يعود لاحقاً إلى مصر ويصبح من أبرز رموز الإصلاح الديني والفكري فيها، ولذلك فإن دراسة عرابي عند رشيد رضا تفتح بصورةٍ غير مباشرةٍ باباً إلى فهم العلاقة بين الثورة العرابية والإمام محمد عبده والمدرسة الإصلاحية التي تشكلت حوله.
وقد جمع رشيد رضا لاحقاً جانباً كبيراً من حياة محمد عبده ومواقفه وكتاباته في “تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده”، وهو عملٌ مهمٌ لفهم البيئة الفكرية التي نشأ فيها مشروع “المنار”، كما أن ارتباط رشيد رضا بأستاذه يجعل من الصعب قراءة اهتمامه بتاريخ عرابي بمعزلٍ عن الأسئلة التي شغلت محمد عبده نفسه، وفي مقدمتها سؤال الإصلاح، ومشكلة الاستبداد، والتدخل الأجنبي، والتعليم، وقدرة المجتمعات على النهوض، والعلاقة بين الإصلاح الفكري والإصلاح السياسي.
وهنا تظهر واحدةٌ من أهم النقاط التي تجعل الموضوع جديراً بالبحث، وهي أن أحمد عرابي لم يكن شخصيةً منفصلةً عن التيار الإصلاحي الذي ظهر في مصر خلال تلك المرحلة، حتى وإن اختلفت مواقع الرجال ووسائلهم ومواقفهم، فهناك مساحة تاريخية مشتركة جمعت العسكريين والسياسيين والمفكرين ورجال الصحافة والإصلاح، وكان الجميع يتحركون في فضاء واحد من الأزمات والتحولات، ولذلك فإن قراءة عرابي في “المنار” يمكن أن تساعد في فهم كيفية انتقال التجربة من كونها حدثاً عسكرياً وسياسياً إلى كونها مادةً للتفكير في مستقبل مصر والعالم الإسلامي.
كما أن أهمية “المنار” لا ترتبط فقط بما كتبته عن عرابي، وإنما بالدور الذي لعبته الصحافة في حفظ الذاكرة التاريخية في ذلك العصر، فقد كانت المجلات والصحف واحدةً من أهم الوسائل التي يستطيع من خلالها المثقفون إعادة قراءة الأحداث ومناقشة أسبابها ونتائجها، وكانت الكتابة عن الماضي تحمل في كثيرٍ من الأحيان رسالةً تتصل بالحاضر، فحين يستعيد الكاتب حدثاً تاريخياً فإنه لا يفعل ذلك بالضرورة لمجرد معرفة ما وقع، وإنما قد يبحث في الحدث عن درس أو عبرة أو تفسير لمشكلة قائمة في زمنه، ولذلك فإن قراءة عرابي عند رشيد رضا تقتضي الانتباه إلى الزمن الذي كتب فيه، وإلى القضايا التي كانت تشغل المجتمع المصري والعالم الإسلامي آنذاك.
إن استحضار عرابي من خلال «المنار» يعيدنا أيضاً إلى سؤال الاستقلال الذي ظل حاضراً في الوعي المصري بعد الاحتلال البريطاني، فقد تحولت هزيمة الثورة العرابية إلى بداية مرحلةٍ جديدةٍ في تاريخ مصر، لكن الهزيمة لم تمحُ المطالب التي ظهرت قبلها، ولم تُنهِ النقاش حول علاقة مصر بالقوى الأجنبية، بل جعلت مسألة الاستقلال أكثر حضوراً في الحياة السياسية والفكرية خلال العقود التالية، ولذلك ظل عرابي مرتبطاً في الذاكرة الوطنية بسؤال أكبر من تجربته الشخصية، وهو سؤال قدرة المصريين على امتلاك قرارهم السياسي والدفاع عن مصالح بلادهم.
وهذا ما يجعل استعادة الماضي في هذا الموضوع أكثر من مجرد حنينٍ إلى زمنٍ قديم، فالماضي هنا يصبح مادةً لفهم تشكل الوعي الوطني، ومعرفة كيف بدأت بعض الأفكار التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الحركة الوطنية المصرية، وكيف ارتبطت هذه الأفكار في بداياتها بقضايا الجيش والدستور والإدارة والعدالة، وكيف أدى التدخل الأجنبي إلى تعقيد الصراع الداخلي وتحويله إلى أزمة دولية انتهت إلى احتلال البلاد، ولذلك فإن قراءة التجربة من خلال مصدرٍ قريبٍ من المدرسة الإصلاحية مثل “المنار” تتيح لنا رؤية مختلفة عن القراءة التي تختصر كل شيء في معركة التل الكبير أو في نفي عرابي.
كما أن استحضار عرابي يحمل معنىً آخر يتعلق بضرورة إنصاف الذاكرة التاريخية من النسيان، فالسنوات الطويلة التي تفصلنا عن تلك الأحداث لا ينبغي أن تجعلها بعيدةً عن الوعي، لأن كثيراً من القضايا التي عرفتها مصر في ذلك الزمن ساهمت في تشكيل تاريخها اللاحق، ولأن الشخصيات التي ظهرت في تلك المرحلة أصبحت جزءاً من الذاكرة التي انتقلت من جيل إلى جيل، وأحمد عرابي واحدٌ من هذه الشخصيات التي بقي اسمها حاضراً رغم تغير الأنظمة وتبدل الظروف وتعدد القراءات.
وإذا كان الحديث عن أمجاد الماضي قد يبدو للوهلة الأولى حديثاً عن الانتصارات، فإن معنى المجد التاريخي أوسع من ذلك، فقد يكون المجد في محاولةٍ لم تكتمل، وفي موقفٍ ترك أثراً، وفي تجربةٍ كشفت للأجيال ما تستطيع القوة الوطنية أن تفعله وما يمكن أن تعجز عنه، ولذلك فإن استحضار عرابي لا يتطلب إخفاء الهزيمة أو تجاهل الأخطاء التي صاحبت تجربته، بل إن القراءة الجادة للتاريخ تجعل الإنجاز والإخفاق جزءاً من صورة واحدة، لأن التاريخ الذي يتحول إلى أسطورة خالية من النقد يفقد قدرته على تعليم الأجيال، بينما التاريخ الذي يحفظ التجربة بكل تعقيداتها يبقى أكثر قدرةً على تفسير الحاضر.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى محمد رشيد رضا بوصفه أحد الذين ساهموا في إبقاء الذاكرة الإصلاحية حيةً، فقد كان مهتماً بتجارب الأمم وبأسباب نهضتها وانحطاطها، وكانت “المنار” مساحةً لنقاش واسعٍ حول قضايا الإصلاح، ولم يكن الماضي بالنسبة إليه منفصلاً عن الحاضر، بل كان مصدراً لفهم أسباب الضعف ومناقشة سبل النهوض، ولذلك فإن استحضار شخصية عرابي في هذا السياق يكتسب دلالةً خاصةً، لأن عرابي يمثل تجربةً سبقت “المنار” بسنوات، لكنها ظلت مرتبطةً بالأسئلة التي واصلت المدرسة الإصلاحية مناقشتها.
ويمكن القول إن المسافة الزمنية بين الثورة العرابية وظهور “المنار” تمنح الموضوع أهميةً إضافيةً، لأن رشيد رضا كان يقرأ أحداثاً وقعت في زمنٍ قريبٍ نسبياً، لكنه كان يقرأها من موقعٍ تاريخيٍ جديدٍ أصبحت فيه نتائج الثورة أكثر وضوحاً، فقد كان الاحتلال البريطاني قد أصبح واقعاً، وأصبحت تجربة عرابي جزءاً من الماضي القريب، بينما كانت الحركة الإصلاحية تبحث عن وسائلَ أخرى لمواجهة أسباب الضعف، ولذلك فإن قراءة رشيد رضا لهذه الشخصية يمكن أن تكشف ليس فقط عن صورة عرابي، وإنما أيضاً عن تطور التفكير الإصلاحي نفسه.
وهنا يمكن أن يصبح السؤال الأساسي للموضوع أعمق من سؤال من كان أحمد عرابي، ليصبح كيف أعاد محمد رشيد رضا تقديم أحمد عرابي إلى القارئ، وما الذي اختاره من تجربته ليبقى في الذاكرة، وكيف تعامل مع العلاقة بين الرجل والحركة والمرحلة، وما الذي تكشفه هذه القراءة عن رؤية “المنار” للإصلاح والاستقلال والتدخل الأجنبي، لأن دراسة التاريخ لا تقتصر على معرفة الحدث، وإنما تشمل أيضاً دراسة الطريقة التي كتب بها المؤرخون والمفكرون عن الحدث، وما الذي جعل بعض الشخصيات تبقى حاضرةً بينما تراجعت أسماء أخرى إلى هامش الذاكرة.
ومن هنا تأتي قيمة استعادة أحمد عرابي اليوم، لأننا لا نريد أن نكرر قصةً محفوظةً، وإنما نريد أن نعود إلى جذور مرحلةٍ صنعت الكثير من ملامح مصر الحديثة، وأن نستحضر معها رجالاً ارتبطوا بها، وأفكاراً تشكلت في ظلها، وأحداثاً غيرت مسار البلاد، ثم نقرأ كل ذلك من خلال عينٍ إصلاحيةٍ مثل عين محمد رشيد رضا، الذي كان يرى في التاريخ مادة للتفكير والإصلاح وليس مجرد سجلٍ للماضي، ولذلك يصبح “أحمد عرابي في المنار” عنواناً يختصر لقاء بين شخصية وطنية صنعت حدثاً كبيراً، ومفكر إصلاحي حاول أن يقرأ ذلك الحدث من موقع تاريخي مختلف.
إن استعادة هذه الشخصية هي أيضاً استعادة لزمن كانت فيه مصر تبحث عن مكانها في عالم تتغير موازينه بسرعة، وكانت القوى الأوروبية توسع نفوذها، وكانت الدولة المصرية تواجه أزماتٍ ماليةً وإدارية وسياسية وعسكرية متشابكة، بينما كان المجتمع يشهد ولادة أشكال جديدة من الوعي السياسي، ولذلك فإن عرابي ظهر في لحظة لم يكن فيها الصراع على السلطة منفصلاً عن الصراع على السيادة، ولم تكن قضية الجيش منفصلةً عن قضية الدولة، ولم تكن المطالب الدستورية منفصلةً عن مسألة المشاركة السياسية، ومن هنا جاءت قوة التجربة وأيضاً تعقيداتها.
وبينما انتهت الحركة العرابية عسكرياً إلى الهزيمة، فإنها لم تنتهِ من الذاكرة، وهذه نقطةٌ أساسيةٌ في فهم استمرار حضور عرابي، فالهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة انتهاء الأثر التاريخي، وقد أثبتت العقود التي تلت الثورة أن الأسئلة التي طرحتها بقيت قائمةً، وأن قضية الاستقلال ظلت محوراً رئيسياً في الحياة السياسية المصرية، وأن صورة عرابي استمرت في التحول بحسب الظروف السياسية والفكرية التي قرأته فيها الأجيال المختلفة، ومن هنا تأتي أهمية الرجوع إلى المصادر التي كتبت عنه11 ١ | في وقت مبكر، ومنها ما ارتبط بـ”المنار” ومدرسة محمد عبده الإصلاحية.
ولذلك فإن هذا الموضوع لا يريد أن يستدعي الماضي ليضعه في مواجهة الحاضر، وإنما يريد أن يذكّر بأن الحاضر نفسه له جذورٌ عميقةٌ في الماضي، وأن فهم التحولات الكبرى يحتاج إلى معرفة الرجال والأفكار والأحداث التي سبقتها، وأن أحمد عرابي يمثل واحدة من هذه الحلقات التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ مصر الحديث، كما أن محمد رشيد رضا يمثل حلقةً أخرى في تاريخ الفكر والإصلاح، وبين الرجلين تمتد مساحةٌ تاريخية واسعة تكشف كيف انتقلت الأسئلة من ميدان الجيش والسياسة إلى ميدان الفكر والصحافة والكتابة.
إنها عودة إلى ذاكرة تستحق أن تُروى من جديد، لا لتقديس الأشخاص ولا لإخفاء الأخطاء، وإنما لتثبيت ما يستحق البقاء في الذاكرة، ولإعطاء الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى رجال عاشوا في زمنٍ صعبٍ وحاولوا أن يتركوا أثراً في مستقبل بلادهم، فأحمد عرابي واحدٌ من أولئك الرجال الذين أصبح اسمهم جزءاً من الذاكرة الوطنية المصرية، ومحمد رشيد رضا واحد من أولئك الذين أدركوا أن الذاكرة لا تبقى حيةً من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى من يكتب عنها ويحفظها ويناقشها ويعيد قراءتها.
ولهذا فإن العودة إلى أحمد عرابي في المنار هي في جوهرها عودة إلى التاريخ بوصفه ذاكرة حية، وإلى مصر بوصفها بلداً مرّ بتحولاتٍ عميقةٍ تركت آثارها في المنطقة كلها، وإلى جيلٍ من الرجال الذين حملوا هموم الإصلاح والاستقلال والنهضة، وإلى صحافةٍ كانت تؤدي دوراً يتجاوز نقل الأخبار إلى تشكيل الوعي وحفظ الذاكرة، وهي عودة نحتاج إليها اليوم لأن الأمم التي تنسى جذور تجاربها تفقد جانباً من قدرتها على فهم حاضرها، أما الأمم التي تعود إلى تاريخها بعين واعية فتستطيع أن ترى في الماضي ليس فقط ما تفخر به، وإنما أيضاً ما تتعلم منه.
ومن هنا فإن استحضار أحمد عرابي ليس مجرد استحضارٍ لرجلٍ من القرن التاسع عشر، وإنما استحضارٌ لمرحلةٍ كاملةٍ من تاريخ مصر، واستحضارٌ لفكرة أن الوطن كان دائماً مجالاً للصراع بين قوى متعددة، وأن الاستقلال لم يكن أمراً مضموناً، وأن الإصلاح لم يكن طريقاً سهلاً، وأن الرجال الذين دخلوا التاريخ لم يكونوا منفصلين عن تعقيدات أزمنتهم، ولذلك تبقى تجربة عرابي جديرة بالقراءة، وتبقى المنار جديرة بالتأمل، ويبقى محمد رشيد رضا واحداً من المفاتيح التي تساعد على فهم كيف قرأ جيلٌ إصلاحيٌ تلك التجربة وكيف أراد أن يحفظها في ذاكرة الأمة.
إنها ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي، وإنما عودة إلى الذاكرة من أجل فهم قيمة التجربة، وعودة إلى الشخصيات من أجل معرفة ما تركته من أثر، وعودةٌ إلى المنار من أجل قراءة التاريخ من خلال قلم كان يرى أن نهضة الأمم تبدأ من وعيها بنفسها وبأسباب ضعفها وبقدرتها على الإصلاح، وفي قلب هذه الذاكرة يقف أحمد عرابي بوصفه واحداً من أبرز الأسماء التي ارتبطت بمرحلةٍ حاولت فيها مصر أن تعيد تعريف علاقتها بالسلطة والجيش والسيادة والتدخل الأجنبي، ولذلك فإن استحضاره اليوم هو استحضار لذاكرة الماضي الأصيل، وتذكير بأمجاد مرحلة من تاريخ مصر، وفتح لصفحة لا تزال قادرة على طرح الأسئلة، مهما ابتعد الزمن ومهما تغيرت الظروف.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان/ كاتب ومحامي – الكويت.








