يمثل نظام الحكم في بريطانيا نموذجاً سياسياً تشكّل عبر قرون طويلة، وانتقل تدريجياً من نظام كانت فيه السلطة تتركز بدرجة كبيرة في يد الملك إلى نظام دستوري برلماني أصبحت فيه ممارسة السلطة السياسية مرتبطة بالانتخابات والبرلمان والحكومة، مع احتفاظ الملكية بموقعها في رأس الدولة.
ولا يقوم النظام البريطاني على دستور مكتوب في وثيقة واحدة كما هو الحال في عدد من الدول، وإنما يستند إلى مزيج من القوانين التي أقرها البرلمان، والأعراف الدستورية، والاتفاقيات السياسية، والأحكام القضائية ومصادر دستورية أخرى، ولذلك يوصف الدستور البريطاني بأنه غير مدوّن في وثيقة واحدة، وليس بمعنى أنه غير مكتوب.
وتقوم المملكة المتحدة على ملكية دستورية وديمقراطية برلمانية، حيث يشغل الملك منصب رأس الدولة، بينما تتولى الحكومة إدارة شؤون البلاد اليومية وتحديد اتجاهاتها السياسية، وتكون مسؤولة أمام البرلمان، ويُعد هذا الفصل بين موقع الملك كرأس للدولة وموقع رئيس الوزراء كرأس للحكومة من أهم مفاتيح فهم النظام البريطاني، فالملك يحتفظ بصلاحيات دستورية ورمزية مهمة، لكن ممارسة السلطة السياسية اليومية تتم من خلال الحكومة والوزراء المنتخبين أو المسؤولين أمام البرلمان.
وتتكون المؤسسة البرلمانية البريطانية من مجلس العموم ومجلس اللوردات والملك، بينما يتركز العمل التشريعي والرقابي داخل المجلسين. ويُنتخب أعضاء مجلس العموم من المواطنين، وهو المجلس الذي يمثل الجانب الانتخابي المباشر في البرلمان، في حين أن مجلس اللوردات يتكون في غالبيته من أعضاء مُعيّنين مدى الحياة، وله دور في دراسة التشريعات ومراجعة عمل الحكومة ومناقشة القضايا العامة. ويشكّل المجلسان معاً جزءاً أساسياً من عملية سن القوانين ومراقبة السلطة التنفيذية.
ويحتل مجلس العموم موقعاً محورياً في تشكيل الحكومة، إذ إن الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات العامة يتولى عادةً تشكيل الحكومة، ويُعيّن زعيمه رئيساً للوزراء، وفي النظام البرلماني البريطاني لا ينتخب المواطنون رئيس الوزراء بصورة مباشرة، وإنما ينتخبون أعضاء مجلس العموم، ثم تفضي نتائج الانتخابات إلى تحديد القوة السياسية القادرة على تشكيل الحكومة. ويظل استمرار الحكومة مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على ثقة مجلس العموم.
ويأتي رئيس الوزراء في قلب السلطة التنفيذية، فهو رئيس حكومة جلالة الملك والمسؤول في النهاية عن السياسات والقرارات الحكومية، كما يختار أعضاء حكومته ويشرف على عمل الجهاز الإداري والوزارات. ويتولى مجلس الوزراء، إلى جانب الوزراء، صياغة السياسات وتنفيذها، فيما تخضع الحكومة للمساءلة البرلمانية من خلال الأسئلة والمناقشات واللجان والتصويت على التشريعات والإنفاق العام. وبذلك لا تعمل الحكومة باعتبارها سلطة منفصلة تماماً عن البرلمان، بل توجد علاقة وثيقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهي من السمات المميزة للنظام البرلماني البريطاني.
أما الملك، فيحتفظ بموقع دستوري تاريخي داخل الدولة والبرلمان، ومن صلاحياته الرسمية دعوة زعيم الحزب القادر على تشكيل الحكومة لتولي منصب رئيس الوزراء، وافتتاح الدورة البرلمانية، والموافقة الرسمية على مشاريع القوانين بعد إقرارها من البرلمان فيما يعرف بالموافقة الملكية. غير أن هذه الصلاحيات تُمارس في إطار النظام الدستوري والسياسي القائم، وتؤكد المؤسسة البرلمانية البريطانية أن دور الملك السياسي اليوم يغلب عليه الطابع الدستوري والاحتفالي، مع بقائه جزءاً أساسياً من بنية البرلمان والدولة.
وتبرز خصوصية النظام البريطاني بصورة أوضح في مفهوم السيادة البرلمانية، الذي يعد من المبادئ الأساسية في الدستور البريطاني، ويعني ذلك، في التصور الدستوري التقليدي، أن البرلمان يمثل أعلى سلطة تشريعية، وله القدرة على سن القوانين أو تعديلها أو إلغائها، ولا تملك المحاكم بصورة عامة إبطال تشريع برلماني لمجرد مخالفته لدستور مكتوب أعلى منه، لأن بريطانيا لا تمتلك وثيقة دستورية واحدة تتمتع بهذه المكانة. ومع ذلك، فإن التطورات الدستورية الحديثة أدخلت قيوداً وترتيبات قانونية ومؤسساتية مهمة على ممارسة السلطة، من بينها نظام تفويض السلطات إلى اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية وقوانين حقوق الإنسان وإنشاء المحكمة العليا البريطانية.
ولا تقتصر وظيفة البرلمان على إصدار القوانين، بل تشمل مراقبة الحكومة ومساءلتها ومناقشة سياساتها وفحص الإنفاق العام والضرائب، كما تستطيع اللجان البرلمانية التحقيق في أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية، ويُعد وجود المعارضة جزءاً أساسياً من النظام البرلماني، إذ تصبح أكبر قوة سياسية لا تشارك في الحكومة هي المعارضة الرسمية، ويتولى زعيمها وفريقه مراقبة الحكومة ومساءلة وزرائها وتقديم بدائل سياسية. ومن هنا يصبح البرلمان مساحة للصراع السياسي المؤسسي بين الحكومة والمعارضة، وليس مجرد مؤسسة لإقرار القوانين.
وفي الوقت نفسه، لا تُدار المملكة المتحدة من مركز واحد بصورة كاملة، إذ توجد ترتيبات لتفويض بعض الصلاحيات إلى مؤسسات منتخبة في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، بينما تبقى بعض المجالات ضمن اختصاص الحكومة والبرلمان في وستمنستر، ويجعل ذلك بنية الحكم البريطاني أكثر تعقيداً من مجرد علاقة بين الملك والحكومة والبرلمان، لأنها تتضمن أيضاً مستويات مختلفة من السلطة داخل المملكة المتحدة، مع اختلاف نطاق الصلاحيات من إقليم إلى آخر.
واللافت في التجربة البريطانية أن قوة النظام لا تستند فقط إلى النصوص القانونية، وإنما أيضاً إلى شبكة واسعة من الأعراف الدستورية التي تحدد كيفية ممارسة السلطات الرسمية، فالملكية لم تختفِ مع تطور الديمقراطية، والبرلمان لم يُلغِ الحكومة، والحكومة لا تعمل بمعزل عن البرلمان، والقضاء لا يحل محل السلطة التشريعية، وإنما نشأ عبر الزمن توازن بين مؤسسات مختلفة لكل منها دور محدد وآليات لمراقبة المؤسسات الأخرى. وهذا التداخل هو ما يجعل النموذج البريطاني مختلفاً عن النظام الرئاسي الذي يفصل بصورة أوضح بين انتخاب رأس السلطة التنفيذية وانتخاب السلطة التشريعية.
وفي المحصلة، فإن فهم نظام الحكم البريطاني لا يبدأ من سؤال: من يحكم بريطانيا؟ بقدر ما يبدأ من سؤال أعمق: كيف تتوزع السلطة ومن يملك القدرة على محاسبة من؟ فالملك هو رأس الدولة، ورئيس الوزراء يقود الحكومة، والبرلمان يشرّع ويراقب السلطة التنفيذية، والقضاء يطبق القانون ويفسره، والناخبون يمنحون الشرعية الانتخابية التي تحدد تركيبة مجلس العموم والحكومة، وبين هذه المؤسسات نشأ نظام سياسي يقوم على التوازن والاستمرارية أكثر مما يقوم على تركيز السلطة في مؤسسة واحدة.
ولعل أهم ما يميز النموذج البريطاني أن السلطة فيه لم تُبنَ على قطيعة واحدة مع الماضي، بل على تحول تاريخي تدريجي أعاد توزيع القوة دون أن يهدم المؤسسات القديمة بالكامل، فالملكية بقيت، لكن وظيفتها السياسية تغيرت، والبرلمان توسع نفوذه، والحكومة أصبحت مسؤولة أمام ممثلي الشعب، والانتخابات أصبحت الطريق الأساسي للوصول إلى السلطة السياسية. ولهذا فإن جوهر النظام البريطاني ليس وجود ملك أو برلمان أو رئيس وزراء منفرداً، وإنما شبكة دستورية وسياسية متداخلة تجعل استمرار الحكم مرتبطاً بقدرة المؤسسات على العمل ضمن قواعد القانون والمساءلة والثقة البرلمانية.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان/ كاتب ومحامي – الكويت.







