لا تقف خطورة التقادم الجنائي عند انقضاء مدة زمنية حددها المشرّع، بل تمتد إلى السؤال الأكثر تعقيدًا في فلسفة العدالة، وهو ما إذا كان مرور الزمن قادراً على إنهاء حق المجتمع في ملاحقة الجريمة، حتى عندما تظل آثارها قائمة في حياة الضحايا، وتبقى الأدلة قابلة للفحص، ولا يكون التأخير في الوصول إلى القضاء ناتجاً عن إرادتهم أو تقصيرهم.
فالقانون الذي ينظم الملاحقة الجنائية لا يواجه الجريمة وحدها، وإنما يواجه أيضاً التوازن الدقيق بين حق الدولة في العقاب، وحقوق المتهم وضماناته الإجرائية، وحق الضحايا في الوصول إلى العدالة، وهو توازن لا يجوز اختزاله في حساب زمني مجرد.
وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن التقادم، رغم اعتباره في كثير من التشريعات ضمانة قانونية تستهدف استقرار المراكز القانونية والحد من مخاطر المحاكمات التي تتآكل أدلتها بمرور السنوات، قد يتحول في حالات أخرى إلى حاجز يحول دون مساءلة مرتكبي الجرائم، ولا سيما عندما تتأخر التحقيقات بسبب ضعف المؤسسات أو النزاعات المسلحة أو إخفاء الوقائع أو تعمد تعطيل الإجراءات.
ومن هنا، فإن البحث في التقادم لا يستهدف إنكار الضمانات القانونية للمتهم، ولا المطالبة بملاحقة غير محدودة لجميع الجرائم، وإنما يهدف إلى تحديد الحدود التي يكون فيها مرور الزمن مبررًا لإنهاء الملاحقة، والحدود التي يصبح عندها الاحتجاج به متعارضاً مع الغاية التي وجد القانون الجنائي من أجلها، وهي حماية المجتمع وإقامة العدالة وفق إجراءات مشروعة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء التمييز بين الجرائم العادية والجرائم الدولية الأشد خطورة، إذ لا تتعامل القواعد القانونية مع جميع الأفعال الإجرامية بالمنطق ذاته، ولا تجعل مرور الزمن سبباً موحداً لانقضاء الملاحقة في كل الحالات، فالتقادم في الدعوى الجنائية يختلف عن التقادم في تنفيذ العقوبة بعد صدور حكم نهائي، كما تختلف القواعد التي تحكم بداية احتساب المدة ووقفها وانقطاعها بحسب التشريع الواجب التطبيق وطبيعة الجريمة وظروف ارتكابها، ولذلك فإن معالجة هذه المسألة تستلزم الرجوع إلى النصوص القانونية ذات الصلة، بدل الاكتفاء بالقول إن العدالة لا تتقادم، لأن هذا المبدأ، على أهميته الأخلاقية، يحتاج إلى تحديد نطاقه القانوني وشروط تطبيقه.
ويقوم التقادم الجنائي في التشريعات الوطنية على اعتبارات متعددة، من أبرزها تحقيق الاستقرار القانوني، وتجنب إبقاء الأفراد تحت تهديد الملاحقة إلى أجل غير محدد في الجرائم التي يجوز قانونًا أن تخضع للتقادم، فضلاً عن مراعاة الصعوبات التي قد تنشأ عن ضياع الأدلة أو وفاة الشهود أو تراجع الذاكرة البشرية بمرور الزمن، فالمحاكمة العادلة لا تتحقق بمجرد السماح بإقامة الدعوى، بل تقتضي أيضاً أن يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه ومناقشة الأدلة ومواجهة الاتهامات في ظروف لا تجعل مرور السنوات سبباً جوهرياً للإخلال بحقوقه، ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التقادم باعتباره امتيازاً شخصياً للجاني في جميع الأحوال، كما لا يمكن اعتباره قاعدة ظالمة بطبيعتها، وإنما يتحدد تقييمه وفق الغاية القانونية منه ومدى تناسب تطبيقه مع طبيعة الجريمة والحقوق المتعارضة في القضية.
غير أن الإشكالية تظهر عندما لا يكون التأخير مجرد نتيجة طبيعية لتعقيد التحقيق، بل يرتبط بظروف حالت دون وصول الضحايا إلى القضاء، أو بتصرفات أدت إلى إخفاء الجريمة أو تعطيل التحقيق فيها، ففي هذه الحالات، يبرز تساؤل جوهري حول مدى جواز أن يستفيد المتهم من مرور مدة لم يكن الضحايا قادرين خلالها على المطالبة بحقوقهم بصورة فعلية، ولا تعني هذه الإشكالية أن كل تأخير في التحقيق يؤدي تلقائياً إلى وقف التقادم أو منعه، لأن ذلك يتوقف على القواعد القانونية المطبقة وشروطها، لكنها تكشف ضرورة التمييز بين مرور الزمن في الظروف العادية وبين التأخير الذي قد يكون مرتبطاً بعرقلة العدالة أو حرمان المتضررين من سبل الانتصاف المتاحة لهم.
وتتضح أهمية هذا التمييز عند النظر إلى قواعد التقادم في القانون الدولي، إذ اعتمدت الأمم المتحدة في السادس والعشرين من نوفمبر عام 1968 اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، التي أقرت مبدأ عدم خضوع الجرائم المحددة في نطاقها للتقادم، وشملت أيضاً جريمة الإبادة الجماعية وفق التعريف الوارد في الاتفاقية، وألزمت الاتفاقية الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لضمان عدم تطبيق مدد التقادم على الجرائم التي تتناولها، بما يعكس إدراكاً دولياً بأن جسامة بعض الجرائم قد تجعل إخضاعها للقواعد الزمنية المقررة للجرائم العادية عائقاً أمام تحقيق العدالة.
ومع ذلك، فإن تحديد الأثر القانوني للاتفاقية في قضية بعينها يستلزم التحقق من نطاق انطباقها والالتزامات الناشئة عنها بالنسبة إلى الدولة المعنية، ولا يجوز افتراض أن أحكامها تسري بالطريقة ذاتها على جميع الدول بصرف النظر عن وضعها القانوني تجاه الاتفاقية.
وفي السياق ذاته، نصت المادة التاسعة والعشرون من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة لا تخضع لأي تقادم، وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة لأنها تؤكد أن مرور الزمن لا يشكل، في إطار اختصاص المحكمة، سبباً يمنع الملاحقة عن الجرائم التي تدخل ضمن ولايتها القانونية، لكن ذلك لا يعني أن جميع الجرائم التي توصف بأنها دولية تخضع تلقائياً لقواعد إجرائية واحدة أمام كل محكمة وطنية، كما لا يعني أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينعقد بمجرد وصف الفعل بأنه جريمة دولية، إذ تظل مسائل الاختصاص وشروط المقبولية والاختصاص الزمني وغيرها من الأحكام ذات الصلة خاضعة للنظام الأساسي، ومن ثم، فإن عدم التقادم لا يلغي بقية الشروط القانونية اللازمة لمباشرة الملاحقة، وإنما يمنع اتخاذ مرور الزمن، في نطاق المادة المذكورة، سبباً لانقضاء المسؤولية عن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة.
ولا تقتصر أهمية هذه القواعد على العقاب في ذاته، بل ترتبط كذلك بحق الضحايا في معرفة الحقيقة والحصول على الانتصاف وجبر الضرر، فقد يؤدي انقضاء الدعوى الجنائية إلى إغلاق طريق الملاحقة في حالات معينة، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع الحقوق المدنية أو مطالبات التعويض قد انقضت، لأن هذه الحقوق تخضع بدورها لقواعد مستقلة تتعلق بطبيعة المطالبة والاختصاص والتقادم المقرر لها، كما أن الحق في معرفة الحقيقة، وإن كان يكتسب أهمية استثنائية في حالات الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة، لا يؤدي وحده إلى إلغاء قواعد التقادم المقررة قانوناً، وإنما يفرض بحثاً دقيقاً في الالتزامات القانونية التي تحكم كل حالة، وفي مدى توافر سبل فعالة للتحقيق والانتصاف.
وتبرز هنا مسؤولية المشرّع في وضع قواعد واضحة لا تترك مصير الدعوى الجنائية لتفسيرات متباينة أو تقديرات غير منضبطة، من خلال تحديد الجرائم الخاضعة للتقادم، والمدد المقررة لها، والوقت الذي يبدأ منه احتسابها، والحالات التي تؤدي إلى وقفها أو قطعها، مع النص على الاستثناءات التي تبررها طبيعة الجرائم والالتزامات القانونية ذات الصلة، كما تقع على عاتق السلطات المختصة مسؤولية إجراء التحقيقات في الوقت المناسب، وحماية الأدلة والشهود، وضمان وصول الضحايا إلى القضاء، لأن فعالية العدالة لا تتحقق بمجرد وجود نصوص قانونية، وإنما تتطلب مؤسسات قادرة على تطبيقها بصورة مستقلة ومنصفة، ولا ينبغي أن يؤدي الإصلاح التشريعي إلى تجاوز مبدأ الشرعية الجنائية أو تطبيق قواعد أشد بأثر رجعي على نحو يخالف الضمانات الواجبة، بل يجب أن يتم ضمن الحدود التي يسمح بها القانون الوطني والالتزامات الدولية النافذة.
ومن وجهة نظري القانونية، فإن التقادم ضرورة يمكن تبريرها في بعض الجرائم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة عامة تحجب المساءلة عن الانتهاكات الأشد خطورة، ولا سيما عندما تكون هناك قواعد قانونية نافذة تستبعد التقادم عن جرائم محددة، وفي الوقت نفسه، لا أرى أن العدالة تتحقق بإلغاء التقادم عن جميع الجرائم دون تمييز، لأن ذلك قد يضعف اليقين القانوني ويضر بحقوق الدفاع، بل تتحقق بوضع حدود تشريعية دقيقة توازن بين حق المتهم في محاكمة عادلة وحق الضحايا في الانتصاف، وتمنع أن يصبح تعطيل التحقيق أو إخفاء الجريمة وسيلة عملية للإفلات من المساءلة متى أجاز القانون ترتيب هذا الأثر، فالزمن قد يغير ظروف الإثبات، لكنه لا يغير حقيقة أن مسؤولية الدولة عن تطبيق القانون تقتضي منها ألا تجعل التأخير الذي كان يمكن تجنبه سببًا لإهدار الحقوق، وأن تميز بوضوح بين التقادم الذي يحقق غاية قانونية مشروعة، والتقادم الذي يكشف قصورًا في منظومة العدالة.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان/ كاتب ومحامي – الكويت.








