د. صالح بن عبدالله الخمياسي
لم تكن الفتاة الخجولة ذات الأحد عشر ربيعاً، وهي تشارك في تقديم نشرة الأخبارعبر تلفزيون سلطنة عمان، تتخيل قط أن القدر سيقودها مراراً وتكراراً إلى الصفوف الأمامية للخدمة المجتمعية والقيادة. وهي تُرجع الفضل في تمكينها وإطلاق طاقاتها القيادية الكامنة إلى والديها. لا زالت تتذكركيف كانت والدتها تدربها على تلك النصوص، وكيف كانت أحاديث والدها الملهمة ترفع من معنوياتها.
بعد تخرجها من المرحلة الثانوية، التحقت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث قضت ست سنوات ثم تخرجت في عام 2001 بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد وعلم النفس.لقد ساهمت تلك السنوات في صقل شخصيتها وتوسيع آفاقها في الحياة. هناك سنحت لها الفرصة للإنضمام إلى مجموعة “أصدقاء المحتاجين”، وبدأت من خلالها في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة والأيتام ومرضى السرطان.
تُعد صاحبة السمو السيدة حُجَيْجَة بنت جيفر آل سعيد ، رائدة أعمال اجتماعية عمانية، وقائدة مجتمعية، وسفيرة للمسؤولية الاجتماعية وتمكين المرأة وإدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المجتمع. خلال سنوات عطاءها وخدمتها المجتمعية، شغلت عدة مناصب من بينها رئيسة جمعية الأطفال ذوي الإعاقة، وسفيرة دولية للمسؤولية الاجتماعية، ونائبة رئيس جمعية رواد الأعمال البحرينية- العمانية ، إلى جانب العديد من المبادرات القيادية الاجتماعية والمجتمعية الأخرى.
لقد مكنتها شفافيتها وتواضعها وأسلوبها القيادي القائم على خدمة الآخرين بشغف من كسب قلوب كل من عرفوها ونيل احترامهم ومحبتهم الصادقة. وخلف الألقاب والمناصب تكمن إمرأة يبدو أن قيادتها لا تستمد من السلطة، بل من العطاء.لا من السعي خلف الأضواء، بل من خلق الفرص للآخرين ليتألقوا. لقد إقتربت من سموها للحديث عن المرأة العمانية ودورها في مسيرة التنمية في سلطنة عمان.

جاء هذا الحوار في توقيت مناسب للغاية، حيث تحتفل سلطنة عمان بيوم المرأة العمانية في السابع عشر من أكتوبر من كل عام. وقد تكلل حديثنا عن عدد من التأملات والرؤى حول المرأة والقيادة والمسؤولية الاجتماعية ، والمساهمة التي يمكن أن تقدمها المرأة في صياغة مستقبل عمان، نسردها في السطور التالية:
- كيف تصفين مسيرة وإنجازات المرأة العمانية؟
مسيرة المرأة العمانية هي قصة عزيمة وفرصة وحب لوطننا. نحن نكرم النساء اللاتي سبقننا,ووضعن لأجل أسرهن ومجتمعاتهن الأسس لما نراه اليوم. وتحت القيادة الحكيمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه، ننظر إلى المستقبل بثقة وامتنان. وتُعد أم الوطن السيدة الجليلية عهد بنت عبدالله البوسعيدية -حفظها الله و رعاها مصدر إلهام عزيز علينا. وبصفتي امرأة عمانية، أشعر بالفخر بإنجازاتنا والمسؤولية الكبيرة تجاه مساعدة الجيل القادم على المضي قدماً نحو أفق أبعد.
- ما هو دور المرأة العمانية في التنمية الوطنية؟
تسهم المرأة العمانية حيثما يُبنى وطننا: في التعليم، والرعاية الصحية، والأعمال التجارية، وفي داخل بيوتنا. إن تنشئة جيل ذو قيم راسخة يُعد في حد ذاته مساهمة بالغة الأهمية في مستقبل عمان. ومن خلال عملي في المبادرات الاجتماعية، رأيت كيف تحول النساء التعاطف إلى أفعال من خلال دعم الأسر، وخلق فرص لرواد الأعمال، ومساعدة ذوي الإعاقة على الاندماج بشكل أكبر في المجتمع. وتقاس مساهمتهن من خلال إنجازاتهن المهنية ومن خلال الحياة التي يسهمن في تحسينها.
- ماذا يعني التمكين الحقيقي للمرأة في عمان اليوم؟
التمكين الحقيقي بالنسبة لي يعني أن تمتلك المرأة التعليم والثقة والفرصة لاتخاذ القرار. يعني الاستماع إلى أفكارها، والثقة بها في تحمل المسؤولية، ومنحها الدعم لتنجح. يجب أن يطال هذا التمكين النساء في مختلف الظروف، بما في ذلك النساء ذوي الإعاقة وأولئك اللاتي بحاجة إلى فرص أكبر للتدريب أو التوظيف. وأنا أقدر بعمق تشجيع جلالة السلطان والسيدة الجليلية حفظهما الله ورعاهما.نحن نثمن هذا التشجيع من خلال فتح الأبواب أمام نساء أخريات ومساعدتهن على المضي لتحقيق أهدافهن بكل ثقة.
- ما هي المهارات والخصائص التي ستسحتاج إليها المرأة العمانية غداً لتنجح وتقود؟
ستحتاج إلى المعرفة والمهارات الرقمية. وقبل كل شيء، ستكون بحاجة إلى الرغبة المستمرة في التعلم. غير أن القيادة تتطلب أيضاً الشجاعة والرحمة. ينبغي على المرأة الناجحة أن تكون قادرة على الإنصات، والعمل مع الآخرين، واتخاذ القرارات المدروسة.
- كيف يمكن للشابة العمانية الموازنة بين الطموح والقيم والهوية والتراث؟
أعتقد أن هويتنا تمنح طموحنا اتجاهه الصحيح. فعقيدتنا وتراثنا وقيمنا العمانية تعلمنا الكرامة والاحترام والكرم والمسؤولية. هذه الخصائص قادرة على توجيهنا أينما ذهبت طموحاتنا. تستطيع الشابة أن تدرس بالخارج، أو تؤسس مشروعاً تجارياً، أو تدخل مجالاً جديداً مع بقائها شديدة الارتباط بوطنها وعائلتها. وأنا أحثها على التعلم من العالم وجلب تلك المعرفة إلى الوطن، حاملةً معها قيم عمان بفخر في عملها.
- ما هي النصيحة التي تقدمينها للشابات العمانيات اللواتي يطمحن للقيادة وصنع الفارق؟
ابدئي من حيث أنتِ، وبما يمكنك تقديمه. لا تنتظري الحصول على لقب لتبدئي في خدمة الآخرين. تطوعي، تحمّلي المسؤولية، وابحثي عن مرشدين وتعلمي من التجربة. لقد بدأت مشاركتي الخاصة في العمل التطوعي خلال سنوات جامعتي، وعلمتني تلك التجربة كم ننمو عندما نعمل عن قرب مع الناس ونفهم احتياجاتهم. كوني طموحة، ولكن حافظي على تواضعك. وعندما تنجحين، مدّي يدك لامرأة أخرى. هكذا يصبح النجاح الفردي مساهمة دائمة في المجتمع.
- ماذا تتمنين أن ترينه للمرأة العمانية في العقد القادم؟
أتمنى أن أرى المزيد من النساء العمانيات يقدن الشركات، ويُسهمن في البحث العلمي والابتكار، ويصنعن القرار ويمثلن عمان دولياً. كما أتمنى أن تتمتع المزيد من النساء، أينما كن ومهما كانت ظروفهن، بفرصة تنمية مواهبهن. ومع عميق الحب والامتنان لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق وأم الوطن السيدة الجليلية عهد، فإنني أنظر إلى المستقبل بالأمل. وأمنيتي هي أن نستجيب لتشجيعهما بالإخلاص والتميز وخدمة عُمان الحبيبة.
هكذا إنسل الوقت من بيننا دون أن ندرك. وفي هذه اللحظة، طلبتُ من سموها أن تبعث من خلال هذه السطوربرسالة ملهمة لكل شابة عمانية حول قدرتها ومسؤوليتها تجاه عمان. فأجابت بتفاؤلها المعهود: أود أن أحفزهن على ألا يقللن أبداً من شأن ما يمكنهن تقديمه. فأفكاركن، ولطفكن، وعزيمتكن قادرة على تغيير الحياة. قوموا بتطوير مواهبكن، و تمسكن بقيمكن، واستخدمن نجاحكن للارتقاء بالآخرين. ينبغي أن ينعكس حبنا لجلالة السلطان ولعمان في ما نقدمه، وفي طريقة خدمتنا، وفي المستقبل الذي نساعد في بنائه.
د. باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية، يمكن التواصل معه عبر youthinmind2040@gmail.com







