منذ عام 2020، ومع خروج أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد، انقطعت صلات التواصل بين كثيرين، ولا سيما العاملين في مجال الإعلام الذين اعتادوا أن يكونوا أسرة واحدة يجمعها العمل والمودة. ومع هذا الانقطاع، أصبحنا لا نعرف أخبار بعضنا بعضًا إلا نادرًا، وغالبًا ما يكون ذلك عبر الأخبار الحزينة والمؤلمة. ومن بين الزملاء الذين انقطعت أخبارهم، كان المخرج الإذاعي حبيب بن عبد الله حبيب.
قبل أيام، أبلغني الزميل المخرج حمد الحبسي بأنّ حبيب يمرُّ بوعكة صحية شديدة، وأنّ التواصل بينهما قد انقطع منذ فترة. سارعت إلى إرسال رسالة له للاطمئنان على صحته، فجاءني الرد بصوت متعب ومتقطع قائلًا: «يا حبيبي… أنا مريض بالسرطان». ولكي يوصل إليّ هذه الكلمات القليلة، احتاج إلى خمس رسائل صوتية متتابعة، كانت أنفاسه المرهقة وأصوات الأجهزة الطبية المصاحبة لها تروي حجم ما يعانيه، وعندها طلبتُ منه ألا يرهق نفسه بالرد. ثم بعثتُ إليه رسالة أخرى بعد يوم أدعو الله له فيها بالشفاء والعافية، مؤكدًا عليه ألا يكلّف نفسه عناء الإجابة، وقد وصلتْه الرسالة بالفعل.
بعد صلاة الجمعة الماضية، بعثتُ له رسالة للاطمئنان عليه. ومن غرائب الأقدار أنني في المساء فتحتُ الهاتف لأتأكد من استلامه لها، فوجدتُ أنّ آخر ظهور له كان عند الساعة الثانية وثلاث عشرة دقيقة. وفي اللحظة نفسها تقريبًا وصلتني رسالة من الزميل المخرج عبد الله العزري ينعاه فيها، معلنًا رحيله إلى جوار ربه.
كان حبيب من الرعيل الأول من الإعلاميين الذين آمنوا بأنّ العطاء يسبق الأخذ، وكان مثالًا في الإخلاص والتفاني، يؤدي عمله بمحبة ومسؤولية، ولم يكن يتبرم من كثرة ما يُطلب منه. وكان من أولئك الذين بذلوا الكثير ولم ينتظروا المقابل، وخرجوا في النهاية خاليي الوفاض إلا من السمعة الجيدة والصيت الحسن.
وقد جمعتني به سنين طويلة من الزمالة والعمل. عملنا معًا في ثمانينيات القرن الماضي ضمن فريق برنامج “البث المباشر” في فترته الأولى، كما ترافقنا في رحلة الحج عام 1997، وكان نعم الرفيق ونعم الصديق. وأذكر أنه خلال مشاركتنا في بعثة الحج كان يحمل جهاز التسجيل ويتنقل بين مخيمات الحجاج العُمانيين لتسجيل رسائل وتهاني الحجاج إلى ذويهم، وفق ما كان متبعًا آنذاك، يفعل ذلك بكلِّ همة ونشاط ودون كلل أو ملل، ومرة مازحه أحد أعضاء البعثة بأنّ جهاز التسجيل (الناجرة) قد فُقِد، فإذا وجهه يحمرّ، قائلًا: “يا حبيبي هذا استوديو متكامل، قيمته أكثر من ستة آلاف ريال”.
ذكرتُ في كتابي “سارق المنشار” أنّ عام 2006 مثّل بداية العهد الذهبي للبرامج الثقافية في إذاعة سلطنة عُمان، إذ واكبت الإذاعة مناسبة “مسقط عاصمة الثقافة العربية”، بالعديد من البرامج الثقافية اليومية والأسبوعية، أهمها “مسقط العاصمة الثقافية” الذي كان يوميًّا طوال عام 2006 بإشراف الزميل سليمان المعمري، وكان حبيب هو المخرج له طوال العام، وقد كان للبرنامج زخم ثقافي كبير، ومنه انبثق بعد ذلك برنامج “المشهد الثقافي” بشكل أسبوعي بدءا من عام 2007 وما زال مستمرًا حتى اليوم. كما أخرج حبيب في العام نفسه (2006) برنامح “ساعة مع قاص” من إعداد الراحل عبد العزيز الفارسي وتقديم سليمان المعمري.
وقد كانت علاقة حبيب بالبرامج الثقافية في الإذاعة قديمة تعود إلى بداية التسعينيات حين أخرج لصالح العامري برنامج “وجوه وأسئلة”، واستمر بعد ذلك مخرجًا للعديد من برامج العامري الإذاعية، ومنها برنامج “مدن ومشاهير”. وقد قرأتُ في أحد مقالات الزميل محمد المرجبي أنه قدّم حلقة مباشرة من المدينة المنورة خلال موسم الحج عام 2002. وذكر أن حبيب عبد الله كان في محطة الإذاعة بمسقط، يتولى تمرير الفواصل أثناء بث الحلقة، بينما كان المرجبي يقدّمها من مقر بعثة الحج العُمانية. كما ذكر المرجبي في كتابه “دفتر مذيع” أنّ حبيب عبد الله حبيب واصل إخراج سهرة “من عربة النقل” بعد وفاة المخرج الراحل محمد بن عبد الله الحسني. كما أخرج حبيب العديد من برامج الزميل عيد بن حارب المشيفري، مثل “رزحة القصافي”، و”رمضان في عُمان”.
كان رحمه الله دمث الأخلاق، طيّب المعشر، محبًّا للناس، ولم يكن يبخل على أحد من زملائه الجدد بالنصح والإرشاد والتوجيه والتدريب، وقد حكى لي الزميل ناصر الحميدي، أنً حبيب درّبه على تسجيل تقارير المراسلين وكيفية مونتاجها وإضافة المادة الصوتية عليها.
وقليل من يعرف من زملاء حبيب أنه كان أيضًا رياضيًّا محبًّا وممارِسًا، وعندما عاد مع أسرته من أفريقيا، درس في مدرسة حسان بن ثابت بمطرح، وانضم إلى فريق كرة اليد بالنادي الأهلي، وشكّل مع ثلاثة من زملائه الذين سبقوه إلى رحمة الله رابطة مشجعي النادي الأهلي في الإذاعة، وهم: محررا الأخبار محمود الميمني، وعبد المجيد غلام، والمخرج الإذاعي محمود بن عبيد الحسني.
برحيل الزميل حبيب بن عبد الله حبيب، تفقد إذاعة سلطنة عُمان واحدًا من أهم مخرجيها الذين وضعوا بصمتهم الإبداعية في كثير من برامجها، وينضم بذلك إلى عدد غير قليل ممن فقدتهم الإذاعة في السنوات الست الماضية، ليس آخرهم الإعلامي أحمد بن درويش الحمداني الذي رحل قبل أسبوعين، وسيظل صوته المتعب في رسائله الخمس الأخيرة عالقًا في أذني، مثلما ستظل في الذاكرة ضحكته وطيبته وحكاياته، وكل تلك السنين التي قضيناها معا في أروقة الإذاعة واستديوهاتها.
زاهر بن حارث المحروقي







