ليس الانتماء كلمة نُعلّمها الطفل في المدرسة، ولا نشيدًا يردده في المناسبات، ولا علمًا يلوّح به في احتفال وطني. الانتماء أعمق من ذلك بكثير؛ هو شعور يتكوّن في داخل الطفل منذ سنواته الأولى، ويكبر معه حتى يصبح جزءًا من شخصيته وهويته ونظرته إلى نفسه وإلى العالم.
الطفل الذي يعرف وطنه، يعرف جزءًا مهمًا من نفسه.
فحين نخبر الطفل عن وطنه، عن تاريخه، وعن أرضه وناسِه وعاداته وقيمه، فإننا لا نلقنه معلومات فقط، بل نمنحه جذورًا. والجذور مهمة؛ لأنها تمنح الإنسان ثباتًا حين تتغير الأماكن من حوله، وتمنحه شعورًا بالأمان حين يجد نفسه في بيئة جديدة لا تشبه البيئة التي نشأ فيها.
وتزداد أهمية هذا الأمر عندما يعيش الطفل بعيدًا عن وطنه. فالغربة قد تجعل الطفل يكبر بين لغات مختلفة، ومدارس مختلفة، وأصدقاء من ثقافات متعددة، وربما يشعر مع مرور الوقت أن المكان الذي يعيش فيه هو وطنه الوحيد. وهذا أمر طبيعي؛ فالطفل ينتمي إلى المكان الذي يحتضنه ويصنع ذكرياته فيه. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب جذوره الأولى.
ليس المطلوب أن نزرع في الطفل شعورًا بالاختلاف عن الآخرين، ولا أن نجعله ينظر إلى ثقافته باعتبارها أفضل من ثقافات غيره. على العكس، الانتماء الصحي يعلّم الطفل أن يحب وطنه ويحترم أوطان الآخرين، وأن يعتز بهويته دون أن ينتقص من هوية غيره.
فالطفل الواثق من جذوره يستطيع أن يفتح قلبه للعالم دون أن يفقد نفسه.
ومن هنا يأتي دور الأسرة. فالأب والأم هما أول وطن يعرفه الطفل، ومن خلالهما يتعلم معنى الأمان والمحبة والهوية. عندما يسمع الطفل من والديه قصص الوطن، ويتعرف إلى لهجته وعاداته وأغانيه وأطباقه وذكرياته، وعندما يزور وطنه متى استطاع، ويتواصل مع أهله وأقاربه، فإنه يبني داخله جسرًا لا تقطعه المسافات.
ومن المهم أيضًا ألا يكون الحديث عن الوطن مرتبطًا بالمناسبات الوطنية فقط. فالانتماء يُبنى في التفاصيل الصغيرة: في كلمة نتحدث بها، وفي قصة نحكيها، وفي صورة قديمة نريها للطفل، وفي جد أو جدة نعرّفه بهما، وفي مناسبة نحتفل بها، وفي سؤال بسيط نطرحه عليه: “ماذا تحب في وطنك؟”
قد يكبر الطفل ويعيش سنوات طويلة في بلد آخر، وقد تتغير لهجته، وقد تتسع دائرة أصدقائه، وقد يحمل أكثر من ثقافة في داخله، لكن هذا لا يعني أنه فقد انتماءه.
آآآآآه، الهوية ليست حقيبة نتركها عند بوابة المطار، والوطن ليس مجرد مكان نقيم فيه؛ الوطن ذاكرة، وأشخاص، ولغة، وقيم، وحكايات، وطفولة، وأصوات لا تنساها الروح.
وعندما نعلّم أبناءنا الانتماء، فإننا لا نطلب منهم أن يعيشوا أسرى للماضي، بل نمنحهم أساسًا ينطلقون منه نحو المستقبل. نريد لهم أن يكونوا مواطنين عالميين قادرين على التعلم من الآخرين، والانفتاح على الثقافات، والنجاح في أي مكان، مع الاحتفاظ بذلك الصوت الداخلي الذي يقول لهم: “أنا أعرف من أين أتيت.”
ولعل أجمل ما يمكن أن نمنحه لطفل يعيش بعيدًا عن وطنه هو ألا نجعله يشعر أن عليه الاختيار بين المكان الذي يعيش فيه والمكان الذي ينتمي إليه.
يمكن للطفل أن يحب البلد الذي احتضنه، وأن يعتز بالبلد الذي أنجبه، وأن يحمل في قلبه أكثر من مكان وأكثر من ذكرى.
فالغربة قد تغيّر عنوان الإنسان، لكنها لا يجب أن تغيّر جذوره. إن الطفل الذي يعرف قيمة وطنه، يعرف قيمة نفسه. والطفل الذي يعرف جذوره، يستطيع أن يمد يده بثقة إلى العالم.
لذلك، حين نسافر بأبنائنا بعيدًا عن أوطاننا، علينا أن نتذكر أن مسؤوليتنا ليست فقط أن نؤمّن لهم بيتًا ومدرسة وحياة كريمة في الغربة، بل أن نحمل الوطن معهم بطريقة جميلة، حتى إذا كبروا، عرفوا أن لهم أرضًا أحبّتهم قبل أن يعرفوا معنى الحب، وأن لهم وطنًا يمكن أن تبتعد عنه الأقدام، لكن لا ينبغي أن يبتعد عن القلب.
فالوطن الذي نزرعه في قلب الطفل اليوم، سيظل يسافر معه أينما ذهب وأينما ولد مهما كانت الظروف يبقى الوطن وطن معنا أينما كنا.
دمتم برحمة من رب العالمين
رحمة بنت ناصر الشرجي








