لم يكن التمييز بين الفتوى والحكم القضائي والتصرف السياسي مجرد مسألة اصطلاحية في التراث الفقهي الإسلامي، بل كان بحثاً في طبيعة السلطة القانونية، وحدود صلاحيات من يتولاها، والآثار المترتبة على القرارات التي تصدر عن المفتي والقاضي والحاكم. فالرأي الفقهي الذي يقدمه المفتي لا يكتسب بالضرورة قوة الإلزام، والحكم الذي يصدره القاضي في خصومة معروضة عليه لا يماثل النصيحة أو الرأي الاستشاري، كما أن القرارات التي يتخذها الحاكم لإدارة شؤون الدولة والمجتمع تستند إلى صلاحيات ومقاصد مختلفة، وتخضع لاعتبارات المصلحة والسياسة الشرعية. ومن هنا تبرز أهمية ضبط الاختصاصات، حتى لا تتحول المشورة إلى حكم ملزم، أو يُستخدم القرار الإداري بديلاً عن القضاء، أو تتداخل السلطات على نحو يضعف ضمانات الحقوق ويجعل تحديد المسؤولية القانونية أمراً ملتبساً.
وفي هذا السياق يبرز شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الفقيه والأصولي المالكي الذي عاش في مصر خلال القرن السابع الهجري، وتوفي سنة 684هـ، الموافق 1285م، بوصفه أحد أبرز من تناولوا هذه المسألة بتحليل أصولي وقانوني دقيق. فقد خصص كتابه “الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام” لتفكيك الفروق بين وظائف المفتي والقاضي والإمام، وبيان اختلاف طبيعة ما يصدر عن كل منهم، والآثار التي تترتب عليه. ولا تكمن أهمية القرافي في أنه وضع تصنيفاً نظرياً فحسب، بل في أنه حاول الإجابة عن سؤال عملي يتصل بحياة الناس ومؤسسات الحكم: متى يكون القول فتوى يُسترشد بها، ومتى يصبح حكماً قضائياً يفصل في نزاع، ومتى يكون تصرفاً إدارياً أو سياسياً يصدر عن سلطة تتولى تدبير الشأن العام؟
ويأتي اختيار القرافي في إطار إعادة التعريف بشخصيات أسهمت في بناء التفكير القانوني والمؤسسي في الحضارة الإسلامية، ولم تحظَ دائماً بالمساحة التي تستحقها في المعرفة العامة لدى الأجيال الحديثة، فاستعادة تجربته ليست استدعاءً لسيرة فقيه من الماضي فحسب، وإنما توثيق لتاريخ تطور المفاهيم المتعلقة بالاختصاص القضائي، وحدود القرار العام، والتمييز بين الرأي والإلزام، وهي قضايا لا تزال حاضرة في النقاشات القانونية المعاصرة، وإن اختلفت مؤسساتها وأدواتها ومصطلحاتها، كما أن التعريف بكتابه يتيح للجيل الحديث الاطلاع على جانب من التراث الفقهي بوصفه تجربةً في تنظيم الوظائف العامة وضبط آثار القرارات، لا مجرد أحكام تعبدية أو مسائل نظرية منفصلة عن واقع المجتمع.
القرافي وسؤال الاختصاص
عاش القرافي في العصر المملوكي، وهي مرحلة شهدت تداخلاً واسعاً بين الفقه ومؤسسات القضاء والإدارة والسلطة السياسية، وكانت الأحكام الشرعية تُطبّق من خلال مؤسسات وأشخاص تتفاوت وظائفهم وصلاحياتهم، وفي هذا السياق لم يكن السؤال مقتصراً على معرفة الحكم الشرعي لمسألة معينة، بل امتد إلى تحديد الجهة التي تملك إصدار الرأي، والجهة التي تفصل في الخصومة، والسلطة التي تتخذ القرار المتعلق بتدبير شؤون الدولة. وهذا ما جعل التمييز بين الفتوى والحكم والتصرف السياسي مسألةً تتجاوز حدود أصول الفقه إلى صميم التنظيم القانوني والإداري للمجتمع.
وتكشف مقدمة كتاب “الإحكام” عن طبيعة المشروع الذي أراده القرافي، إذ يشير إلى مباحثات جرت بينه وبين عدد من أهل العلم حول الفروق بين تصرفات الحكام وتصرفات الأئمة، ثم يعالج المسائل من خلال أسئلة متتابعة وأجوبة تفصيلية. ووفقاً للمقدمة العلمية للترجمة الإنجليزية التي أنجزها الباحث الكندي محمد فاضل ونشرتها مطبعة جامعة ييل عام 2017، يتألف الكتاب من أربعين سؤالاً، ويتناول منطقة مشتركة بين النظرية الفقهية والقانون التطبيقي، محاولاً تفسير كيفية انتقال الأحكام الشرعية من المبادئ العامة إلى الممارسة المؤسسية التي تتولاها جهات بشرية محددة.
المفتي.. صاحب الرأي لا سلطة الإلزام
ينطلق القرافي من أن المفتي يجيب عن سؤال شرعي ويبيّن حكم المسألة وفق الأدلة والقواعد الفقهية، لكنه لا يتحول بمجرد إصدار الفتوى إلى جهة تملك إلزام الخصوم بتنفيذ ما جاء فيها. فالفتوى في أصلها بيان للحكم الشرعي وإرشاد إلى ما يراه المفتي صواباً، ويستطيع المستفتي أن يستند إليها في معرفة موقف الشريعة من مسألة تخصه، لكنها لا تمثل بذاتها حكماً قضائياً فاصلاً في نزاع بين طرفين.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المعرفة الفقهية والسلطة القانونية، فالمفتي قد يكون واسع العلم والاختصاص، وقد تكون فتواه ذات تأثير كبير في المجتمع، لكن مكانته العلمية لا تمنحه تلقائياً صلاحيات القاضي أو الحاكم. كما أن تعدد الفتاوى واختلاف اجتهادات المفتين لا يعني بالضرورة وجود تناقض في الأحكام القضائية، لأن الفتوى تظل رأياً فقهياً يستند إلى اجتهاد صاحبه، بينما يحتاج الفصل في الخصومات إلى جهة مختصة تنظر في الوقائع والأدلة وتصدر قراراً يحدد الحقوق والالتزامات.
وبهذا المعنى، لا ينظر القرافي إلى الفتوى باعتبارها أمراً هامشياً أو أقل قيمة من القضاء، وإنما يحدد طبيعتها القانونية المختلفة، فوظيفتها بيان الحكم والإجابة عن الاستفتاء، لا حسم الخصومة وإجبار أحد أطرافها على الامتثال. وهذا التفريق يمنع الخلط بين سلطة العلم وسلطة الحكم، ويحول دون تحويل الآراء الدينية أو الفقهية إلى قرارات ملزمة من دون المرور بالإجراءات والاختصاصات التي يتطلبها القضاء.
القاضي.. سلطة الفصل في الخصومات
أما القاضي، فتتمثل وظيفته الأساسية في النظر في المنازعات المعروضة عليه، وفحص دعاوى الخصوم وما يقدمونه من بينات وحجج، ثم إصدار حكم يفصل في النزاع وفق القواعد القانونية والشرعية المعمول بها. ولا يقتصر دوره على بيان الحكم النظري لمسألة ما، بل يتصل بواقعة محددة وأطراف معلومين وحقوق متنازع عليها، ولذلك يكتسب قراره أثراً قضائياً يتجاوز مجرد إبداء الرأي.
والفارق الجوهري الذي يبرزه القرافي هنا هو أن الحكم القضائي يحسم النزاع في الواقعة المعروضة على القاضي، ويصبح ملزماً في نطاقه، ولا يبقى مجرد اجتهاد استشاري يستطيع كل طرف قبوله أو رفضه بحسب رغبته. فلو اختلف شخصان على ملكية أرض، فإن المفتي يستطيع بيان القواعد الشرعية المتعلقة بالملكية والبيع والشهادة، لكنه لا يفصل في ملكية الأرض بين المتخاصمين لمجرد صدور فتواه، أما القاضي فينظر في الدعوى وما يقدم فيها من أدلة، ثم يصدر حكماً يحدد صاحب الحق.
ولا يعني ذلك أن القاضي يملك تغيير الحكم الشرعي أو إنشاء قواعد عامة من تلقاء نفسه، بل إن وظيفته تطبيق القواعد على الوقائع المعروضة عليه، ضمن حدود ولايته القضائية. ومن هنا تظهر الصلة بين الاختصاص والإجراء، فالحكم لا يستمد قوته من مضمون الرأي وحده، وإنما من صدوره عن جهة تملك ولاية الفصل في النزاع، ومن اتباعها الإجراءات التي تتيح سماع الخصوم والتحقق من الأدلة وتحديد الحقوق.
ويذهب القرافي إلى معالجة مسائل دقيقة تتصل بطبيعة الحكم القضائي نفسه، ومنها الفرق بين الحكم باعتباره قراراً فاصلاً وبين الألفاظ أو الإجراءات التي يُعلن بها أو يُشهد عليها. ففي إحدى مسائل الكتاب يناقش دلالة لفظ الحاكم، وما إذا كان إخباراً عن حكم صدر بالفعل أو أمراً للشهود بتوثيقه، وهو تفصيل يكشف اهتمامه بالفصل بين القرار القضائي ذاته وبين الوسائل التي تثبت صدوره أو تنقله إلى الآخرين.
الحاكم.. القرار المتصل بالمصلحة العامة
ينتقل القرافي إلى المستوى الثالث، وهو تصرفات الإمام أو الحاكم، أي القرارات التي تصدر عن صاحب الولاية العامة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. وهذه التصرفات لا تندرج بالضرورة تحت الفتوى أو الحكم القضائي، لأنها قد تتصل بتنظيم الأسواق، وتدبير الموارد، وتعيين المسؤولين، وإدارة المرافق، واتخاذ الإجراءات التي تقتضيها المصلحة العامة.
والفارق هنا أن الحاكم لا يتصرف دائماً بصفته مفتياً يبيّن حكماً شرعياً، ولا بصفته قاضياً يفصل في خصومة محددة، بل يمارس صلاحيات إدارية وسياسية تتصل بتدبير الشأن العام. ولذلك فإن القرار الذي يصدره في هذا الإطار قد يكون ملزماً للناس والجهات المعنية بتنفيذه، لكنه يظل مرتبطاً بالولاية والمصلحة التي صدر من أجلها، ويمكن مراجعته أو تغييره إذا تبدلت الظروف أو ظهرت مصلحة أخرى تقتضي ذلك.
ومن الأمثلة التي توضح هذا المعنى أن القاضي إذا فصل في نزاع حول ملكية عقار، فإنه يصدر حكماً في خصومة محددة، بينما إذا قرر الحاكم تنظيم استعمال الأراضي العامة أو تخصيص موارد لمرفق معين، فإنه يمارس سلطة إدارية تتصل بالمصلحة العامة. أما إذا سُئل المفتي عن الحكم الشرعي المتعلق بملكية الأرض أو جواز تخصيص الموارد، فإنه يقدم رأياً فقهياً لا يحل محل القرار الإداري ولا الحكم القضائي.
وهنا تتضح إحدى أهم أفكار القرافي، وهي أن إلزامية القرار لا تكفي وحدها لتحديد طبيعته القانونية، لأن الحكم القضائي والقرار الإداري قد يكونان ملزمين، لكن مصدر الإلزام ووظيفته ونطاقه تختلف من حالة إلى أخرى، فالحكم القضائي يستهدف حسم نزاع، بينما يستهدف القرار الإداري تنظيم شأن عام أو تحقيق مصلحة عامة، ولذلك لا يجوز التعامل معهما باعتبارهما نوعاً واحداً من التصرفات.
كما أن القرار السياسي أو الإداري لا يصبح مشروعاً لمجرد صدوره عن الحاكم، إذ يظل مرتبطاً بحدود الولاية والمصلحة التي تبرر اتخاذه، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للاستيلاء على حقوق الأفراد أو تجاوز اختصاص القضاء. وبهذا يضع القرافي أساساً للتمييز بين سلطة الإدارة وسلطة الفصل في الخصومات، حتى وإن لم يستخدم المصطلحات الدستورية الحديثة ذاتها.
لماذا لا تتساوى الفتوى والحكم والقرار؟
تكمن أهمية هذا التصنيف في أنه يحدد الأثر القانوني لكل تصرف، والجهة التي تتحمل مسؤوليته، والوسائل التي يمكن من خلالها مراجعته أو الاعتراض عليه. فالفتوى تُناقش من خلال الأدلة والاجتهادات الفقهية، والحكم القضائي يخضع لطرق الطعن والمراجعة التي يقررها النظام القضائي، أما القرار الإداري فيُبحث في مدى مشروعيته واختصاص الجهة التي أصدرته ومدى ارتباطه بالمصلحة العامة.
ويمكن توضيح ذلك من خلال ثلاث حالات افتراضية، إذا أصدر مفتٍ رأياً بشأن نزاع على ميراث، فإن رأيه يوضح القاعدة الشرعية لكنه لا يوزع التركة بنفسه ولا يحسم النزاع إذا رفض أحد الورثة ما جاء فيه. وإذا عرض النزاع على قاضٍ مختص، فإنه ينظر في الوقائع والوثائق ويصدر حكماً يحدد الأنصبة والحقوق. أما إذا اتخذت السلطة قراراً إدارياً بتنظيم إجراءات تسجيل العقارات أو إنشاء جهة مختصة بتوثيق الملكيات، فإنها تمارس صلاحية تنظيمية لا تتحول إلى حكم قضائي في نزاع فردي.
وهذا التفريق يحول دون تجاوز الاختصاصات، ويمنع أن تتحول الفتوى إلى أداة لإجبار الناس على تنفيذ رأي لم يصدر عن جهة قضائية، كما يمنع الإدارة من استخدام صلاحياتها لإصدار قرارات تحسم نزاعات تدخل في اختصاص المحاكم. وفي المقابل، لا ينبغي للقاضي أن يتجاوز حدود الخصومة المعروضة عليه ليتولى إدارة المرافق العامة أو اتخاذ قرارات سياسية لا تدخل في ولايته.
ومن الناحية المؤسسية، يبرز هنا مبدأ مهم هو أن طبيعة السلطة لا تُحدد فقط بمكانة الشخص الذي يمارسها، بل بنوع الوظيفة التي يؤديها في الواقعة المحددة. فقد يكون الشخص نفسه فقيهاً وقاضياً وصاحب منصب عام، لكن ما يصدر عنه لا يحمل الصفة القانونية ذاتها في جميع الأحوال، وإنما تتحدد طبيعته بحسب الصفة التي يتصرف بها والاختصاص الذي يستند إليه والغاية التي يستهدفها.
من القرافي إلى المؤسسات القانونية الحديثة
تبدو أفكار القرافي ذات صلة واضحة بالنقاشات القانونية المعاصرة حول توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، ولا سيما التمييز بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية والهيئات الاستشارية. فالدولة الحديثة تقوم على تحديد الوظائف والصلاحيات، وتوزيع المسؤوليات بين الجهات التي تضع القواعد أو تنفذها أو تفصل في النزاعات الناشئة عن تطبيقها، بما يمنع تركيز السلطات في يد جهة واحدة ويعزز الرقابة والمساءلة.
وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من تمييز القرافي لفهم الفرق بين الرأي الاستشاري الذي تقدمه جهة قانونية، والحكم الذي تصدره المحكمة، والقرار الإداري الذي تتخذه السلطة التنفيذية. فالمستشار القانوني قد يقدم رأياً بشأن مشروعية إجراء حكومي، لكن رأيه لا يصبح حكماً قضائياً لمجرد صدوره عن متخصص، كما أن الوزارة التي تصدر قراراً إدارياً لا تملك بذلك أن تحسم نزاعاً قضائياً بين مواطنين إذا كان القانون قد أسند الفصل فيه إلى المحاكم.
كذلك تبرز أهمية هذا التمييز في فهم حدود دور المؤسسات الدينية والهيئات الإفتائية في الدول الحديثة، إذ يمكن أن تكون لها وظيفة استشارية أو إرشادية أو مرجعية في مجالها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها سلطة التشريع أو القضاء أو التنفيذ. وتختلف هذه الحدود من دولة إلى أخرى بحسب الدستور والقوانين المنظمة للمؤسسات، إلا أن السؤال الذي طرحه القرافي يظل حاضراً: ما طبيعة التصرف الذي يصدر عن هذه الجهة، وما مصدر اختصاصها، وما الأثر الذي يرتبه القانون عليه؟
ومع ذلك، ينبغي عدم مساواة تصور القرافي بالنظرية الحديثة للفصل بين السلطات مساواةً كاملة، لأن كتابه كُتب ضمن بنية سياسية وقانونية مختلفة، ولم يكن يتحدث عن الدساتير والبرلمانات والمحاكم الدستورية والإدارة العامة بالمفهوم المعاصر. كما أن الإمام أو الحاكم في عصره كان يجمع وظائف وصلاحيات لا تتطابق مع توزيع السلطات في الدولة الحديثة. لكن قيمة المقارنة تكمن في أن القرافي أدرك مبكراً ضرورة التمييز بين أنواع التصرفات العامة، وأن اختلاف الوظيفة يقتضي اختلاف الأثر والاختصاص والضوابط.
كتاب “الإحكام”.. مشروع في ضبط السلطة
لا تنحصر أهمية كتاب «الإحكام» في موضوعه المباشر، بل تمتد إلى الطريقة التي عالج بها القرافي المسألة، إذ لم يكتف بتعريف الفتوى والحكم والإمامة تعريفاً لغوياً أو فقهياً، وإنما تناول الفروق الدقيقة بين التصرفات والآثار التي تترتب عليها، من خلال أسئلة ومناقشات تتصل بوقائع قانونية ومؤسسية. وقد أتاح هذا المنهج الانتقال من المفاهيم المجردة إلى اختبارها في الممارسة، وهو ما يفسر استمرار الاهتمام بالكتاب في الدراسات الحديثة لتاريخ القانون الإسلامي.
وقد أعاد الباحث محمد فاضل تقديم هذا العمل إلى القراء باللغة الإنجليزية سنة 2017، في ترجمة صدرت عن مطبعة جامعة ييل تحت عنوان “المعيار في التمييز بين الآراء القانونية والأحكام القضائية والتصرفات الإدارية للقضاة والحكام”، وتكتسب هذه الترجمة أهميةً لأنها أتاحت للباحثين غير الناطقين بالعربية الاطلاع على نص من نصوص الفقه القانوني في العصر المملوكي، ولفتت إلى أن الكتاب لا ينتمي حصراً إلى أصول الفقه النظري أو الفقه التطبيقي، بل يقع عند نقطة التقاء المجالين، حيث يبحث كيفية تحويل المبادئ الشرعية إلى قواعد قابلة للتطبيق من خلال المؤسسات.
ويُظهر الكتاب كذلك أن التراث القانوني الإسلامي لم يكن مقتصراً على تحديد الحلال والحرام أو شرح الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات، بل تناول قضايا الاختصاص والإجراءات والولاية والسلطة وآثار القرارات، وهذه الجوانب تستحق إعادة القراءة والتوثيق، خصوصاً أن بعض النقاشات المعاصرة تتعامل مع تاريخ الفقه الإسلامي باعتباره منظومةً واحدةً لا تميز بين الرأي الديني والحكم القضائي والقرار السياسي، بينما يقدم القرافي نموذجاً واضحاً على وجود نقاش فقهي عميق حول اختلاف الوظائف والسلطات.
إرث يتجاوز الفقه إلى القانون
إن استعادة فكر شهاب الدين القرافي تتيح قراءة جانب مهم من تاريخ تطور المفاهيم القانونية في الحضارة الإسلامية، وتكشف أن تحديد الاختصاصات لم يكن سؤالاً إدارياً طارئاً فرضته الدولة الحديثة، بل كان موضوعاً للنقاش الفقهي والمؤسسي منذ قرون. فقد حاول القرافي أن يضع حدوداً واضحة بين من يبيّن الحكم، ومن يفصل في النزاع، ومن يدير شؤون الدولة، وأن يشرح لماذا لا يجوز الخلط بين هذه الوظائف حتى عندما تصدر عن أشخاص يجمعون أكثر من صفة.
ولا يعني ذلك أن القرافي وضع نظريةً دستوريةً حديثةً أو سبق بصورة مطابقة مفهوم الفصل بين السلطات، بل إن إسهامه يتمثل في تقديم تحليل دقيق لطبيعة التصرف القانوني ومصدر قوته وآثاره، وهو ما يمنح كتابه قيمة تاريخيةً وفقهية تستحق أن تكون موضع اهتمام الباحثين والقراء المعاصرين، فالتمييز بين الفتوى والحكم والقرار الإداري ليس مجرد تصنيف للمصطلحات، وإنما هو وسيلة لضبط السلطة وحماية الحقوق وتحديد المسؤولية، وهي مسائل لا تفقد أهميتها بتغير العصور أو تطور أشكال الدولة.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان/ كاتب ومحامي من الكويت.







