د. صالح بن عبدالله الخمياسي
تظل الحياة محطات تتوارى عنا خلسة، وتنسل من بين أيدينا دون أن ندرك، ما لم تكن حافلة بالأهداف، مرصّعة بالإنجازات، ومفعمة بروح تعتنق التعلّم كرحلة مدى الحياة. فالحياة محطات، في كل محطة منها تجربة، وفي كل تجربة درس، وبين محطة وأخرى تتشكل معارفنا، وتتسع مداركنا، ونمضي في رحلة البحث عن ذواتنا وصناعة أثر يترك بصمة لا تمحوها الأيام.
بينما كنت أ تابع ما ينشر عبر الإنستغرام من مادة أعلامية متنوعة، شد إنتباهي مقابلة أجرتها مبادرة إثراء الثقافية بمحافظة ظفارعبر قناة مزون مع الدكتوره منى حسين مقيبل رئيسة مركز الدراسات التحضيرية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بصلالة. لقد تم إستضافتها احتفاءا بيوم المرأة العمانية الذي يعد تقديرا لجهود المرأة كجناح التنمية الآخر. وهو كذلك وقفة سنوية تمنحها الفرصة لتقييم المنجزومواصلة العطاء و تجديد الطاقات. فالمرأة تهدي للوطن قيادات شابة تؤمن بجمال أحلامها و تحتفي بإنجازات جيل شق طريق المجد و رسم حكايات العطاء التي تؤكد أن المرأة قوة ناعمة ترتكز عليها تجربتنا التنموية وهي تجدد نهضتها و تواصل قطع المسافات ميممة وجهتها لتحقيق رؤية عمان ٢٠٤٠ و ترجمة مستهدفاتها إلى واقع ملموس.
عرفت الدكتورة منى نفسها بتواضع جم، فهي ام لأربعة أطفال هم فاطمة و عبدالله و تميم و سارة فرسمت بذلك الخطوط العريضة أن الأمومة دورا محوريا يجب أن لا ينسى في زحمة الحياة و كثرة المشتتات في نمط حياتنا العصرية. ثم رصعت خلال ذلك اللقاء الإعلامي فسيفساء جميلة أعطت قصة نجاحها رونقا خاصا و جعلتها كالمزن تحمل الكثير من الخيروهي تنثر رذاذها الخريفي دروسا وعبر يتعلم منها الجميع سيما الشباب وهم يحلقون عاليا لملاحقة أحلامهم.
عادت د. منىً بشريط ذكرياتها إلى الوراء فقد حلمت في مرحلة طفولتها أن تصبح معلمة رياضيات نظرا لما لهذه المادة من حظوة في قلبها، فقد كانت تحب تلك المادة كثيرا. ثم واصلت سردها لتقول لكن المنعطف الحقيقي الذي غير تلك الأمنية و جعل ذلك الحلم يكبر بداخلها جاء و هي في مقاعد المرحلة الإعدادية. حينها سردت لها والدتها حفظها الله قصة البروفسور سالم تبوك الذي قهر الإعاقة و لم يجعلها عذرا للحيلولة دون إكمال تعليمة فقد درس في بريطانيا و حاضر في جامعاتها. لقد كان رحمه الله مثقفا و أكاديميًا متخصصا في علم الأنثروبولوجيا في جامعة السلطان قابوس قبل أن يودع دنيانا الفانية عام ٢٠١٩ تاركا وراءه إرثا من العطاء و قصة نجاح ملهمة سيتوارثها الأجيال.
قصة ألهمتها فإستقرت في ذاكرتها، وفتحت وعيها و تربعت في وجدانها. منذ تلك الوهلة كبر الحلم و قررت أن تكمل مشوارها التعليمي حتى تحصل على درجة الدكتوراه. لم تكن الرؤية جلية لها كيف سيتم ذلك و لكنها جعلت شغفها يحلق بها بأجنحة من لهب نحو المحطة التي رسمتها في مخيلتها و جعلت تقترب منها رويدا رويدا.
إنطوت الأيام وتخرجت د. منى حسين مقيبل متحديةً الظروف التي صاحبت دراستها لمرحلة الدكتوراه في الغربة، بعيداً عن أهلها. فقد كان عليها أن توازن بين أطراف معادلة لم تكن سهلة؛ إذ كان لديها ثلاثة أطفال على مقاعد الدراسة، ثم رُزقت بمولود رابع في عامها الأول من مرحلة الدكتوراه، في الوقت الذي كانت فيه متطلبات الدراسة والبحث تستدعي منها قضاء الكثير من الوقت والجهد. ولكن هذه القصة بحد ذاتها تجسد معنى وأهمية التوكل على الله، ووضوح الأهداف، وضرورة قيادة الذات وتحمل المسؤولية، والتخطيط المحكم وتحديد الأولويات، والتركيز على الشغف والعمل الدؤوب لترجمتها إلى قصة نجاح تُروى، وتجربة تلهم الآخرين.
بالفعل وصلت تلك الحالمة إلى خط النهاية ببسمة إنجازعريضة و تكلل حلمها بحصولها على درجة الدكتوراه في مجال تعلم اللغة بمساعدة الحاسوب من جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة عام ٢٠٢٠ م قبل تسعة أشهر من إنتهاء فترة إبتعاثها. وهي بذلك تؤكد أن القصص التي ترويها الأمهات و غيرها من المؤثرين تقود إلى لحظات تغيير حقيقي. كما سردت د. منى أثر شخصيتين مقربتين منها عليها هما والدتها التي تعلمت منها الإحترام و التواضع و الإعتزاز بالذات و الحرص على الإنجاز بإتقان،اما أختها الكبرى نور فقد تعلمت منها الشجاعة والإقدام والطموح والتجربة والمخاطرة المحسوبة.
وأشارت د. منى، عبرتلك المقابلة، إلى أننا نعيش عصراً متسارع الخطى، يعج بالمعلومات وتتدفق فيه شتى أنواع المعرفة، الأمر الذي يحتم على شبابنا التسلح بالمهارات التقنية والسلوكية التي من شأنها الارتقاء بمستوى أدائهم. ومن بين تلك المهارات القدرة على ترتيب الأولويات، بما يعينهم على التركيز على الأهم ثم المهم، وفقاً لما طرحه المفكر الأمريكي ستيفن كوفي في كتابه “االشئ لأهم أولاً”، حيث أسهب في شرح هذه الفكرة، موضحاً كيف يمكن تسخير مصفوفة أيزنهاور لإدارة أوقاتنا واستثمارها بجودة وفاعلية أكبر. وقبل ذلك كله، يهدينا نموذج الحرص على أداء الصلاة في أوقاتها درساً بليغاً في الانضباط، واحترام الأولويات، وتنظيم الوقت.
و بإعتبارها أحد الكوادر الوطنية التي خرجتها الأكاديمية الوطنية للإدارة كمدرب أداء تنفيذي فهي تؤمن أن التدريب يصنع أثرا عندما يغير سلوكا او يمكن المتدربين من التغلب على الأفكار و المشاعر السلبية التي تعيق أداءهم و تقودهم للتشكيك في قدراتهم. و كمثال على ما للتدريب من أثر سردت قصة أحد المتدربين الذي لم يكن يستطع أن يكتب أهداف أداءه وفقا لبرنامج “إجادة”. و في غضون ثلاثة أيام من فترة التدريب أصبح قادرا على أن يضع أهدافه بجدارة .
. لقد ركزت د. منى على أهمية القيادة الفاعلة في إدارة المشاريع، والحرص على تطويرها وتحسينها بصورة مستمرة، بما يضمن استدامتها ويعزز أثرها الإيجابي الذي يبقى لينفع الناس. فالعبرة، كما ترى، ليست في كثرة المبادرات والمشاريع، وإنما في قدرة من يقود دفتها على تحويلها إلى أثر مستدام. وهذا يتطلب قراءة متأنية للواقع، وتحليل الوضع الراهن، والتعرف على مكامن الخلل والفجوات التي تعترض مسيرة المشروع، ومن ثم توجيه الجهود نحو معالجتها وسدها. وهنا يبرز دور الابتكار في إيجاد الحلول وترويض التحديات، إذ لا يقتصر الابتكار على ابتكار أفكار جديدة، بل قد يتجسد في استحداث نظام يسهّل الإجراءات، أو تطوير آلية عمل ترفع الكفاءة وتحقق نتائج أفضل. والأهم من ذلك كله، ترسيخ ثقافة التحسين المستمر، فالمشاريع التي لا تتجدد تفقد قدرتها على مواكبة المتغيرات، فمن لا يتجدد يتبدد.
وفي سياق حديثها عن الفرص المتاحة للمرأة، ترى د. منى أن المرأة باتت ممكنة و لديها العديد من الفرص التي يمكن أن تبدع فيها جدا، مؤكدة أننا نعيش في عصر متسارع الخطى، تقوده التكنولوجيا والثورة المعلوماتية، الأمر الذي يتيح للمرأة آفاقاً واسعة من الفرص والإمكانات. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة التغيير وشدة المنافسة، وفي مدى استعداد المرأة لمواكبة هذه التحولات واقتناص ما تتيحه من فرص؛ فكما يقال الفرص تهوى العقل المستعد.
من جانب آخر، نوهت د. منى إلى أهمية الاستفادة من الخبرات النسائية المتراكمة لدى من تقاعدن من العمل، وما يتمتعن به من معارف ومهارات وتجارب لم تُستثمر بالشكل الفعال. فهي ترى أن تعزيز التواصل بين هذه الخبرات وجيل الشباب، بما يمتلكه من قدرات تقنية وذكاء رقمي وحيوية مفعمة في العمل، يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتكامل وتبادل المعرفة. فمن خلال الجمع بين حكمة التجربة وطاقات الشباب، تتاح الفرصة أمام مختلف فئات المجتمع للمشاركة في دراسة التحديات المجتمعية، والبحث عن حلول لها، والخروج برؤى مبتكرة تستند إلى تنوع الخبرات وتكاملها. ففائدة هذا التواصل لا تقتصرعلى الاستفادة من المعرفة والخبرات المتراكمة، بل تمتد إلى ما يمكن أن يكتسبه جيل الشباب من قيم ودروس تشكل وعيه، وتعلمه الصبر والمثابرة، وتمنحه القدرة على مواصلة الطريق بثبات حتى تتحقق الأهداف المنشودة.
تؤكد د. منى على النساء ضرورة الاهتمام بالصحة فهي تاج يمكننا من تحقيق أهدافنا، ثم أختتمت حديثها بعبارة ملهمة ترددها دائماً، فحواها أن من كانت بدايته مظلمة ستكون نهايته مشرقة، فالبدايات المظلمة تقود إلى نهايات مشرقة، مؤكدة بذلك أن هناك ضوءاً عند نهاية النفق المظلم؛ فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب وكوتش في مجال القيادة الذاتية والتغييرالشخصي







