لندن- استهل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الموسم السياسي بإجراء تعديل ورازاي مس وزارات حساسة في الحكومة، بغرض تشكيل “فريق موحد وقوي” حسب ما جاء في إعلان رئاسة الوزراء، وكان واضحا أن عددا من الملفات الخارجية والداخلية أثرت في هذا التغيير الحكومي الموسع.
وطال التغيير وزارة الخارجية التي نالت الكثير من الانتقادات حول طريقة تعاملها مع الملف الأفغاني، والانسحاب من مطار كابل.
أما على الصعيد الداخلي فقد دفع وزير التربية والتعليم ثمن تعامله مع جائحة كورونا والتعليم عن بعد، ليتم تعويضه ولأول مرة في تاريخ الحكومات البريطانية بوزير من أصول عربية.
ويعلم رئيس الوزراء بوريس جونسون أنه يواجه سنة عصيبة، تختلط فيها تبعات الوباء بآثار البريكست والمتغيرات الدولية، فكان عليه تغيير عدد من الوزراء الذين أثيرت حولهم الكثير من الانتقادات، وللتحضير لمرحلة ما بعد الوباء.
أخطاء أفغانستان
وجد وزير الخارجية البريطاني دومنيك راب نفسه أول المتضررين من هذا التعديل الوزاري، وذلك بعد إعفائه من منصبه ومنحه وزارة العدل ومنصب نائب رئيس الوزراء، وهو المنصب الذي يتقلده منذ سنة 2020 بعد إصابة بوريس جونسون بفيروس كورونا ودخوله العناية المركزة.
وذهبت كل التحليلات السياسية البريطانية إلى ربط سحب راب من تسيير الدبلوماسية البريطانية إلى الأخطاء التي راكمها في التعامل مع الملف الأفغاني.
وأول هذه الأخطاء أنه مع بداية الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتلك المشاهد التاريخية من مطار كابل، كان دومنيك راب يقضي عطلة في أحد الشواطئ اليونانية، وذكرت بعض التقارير الإعلامية أنه لم يرد على اتصالات مسؤولين كبار في الحكومة البريطانية “للتعامل مع ذلك اليوم المشهود”.
وواجه دومنيك راب اتهامات بأنه ترك المسؤولية الأكبر على عاتق وزارة الدفاع للتعامل مع واحدة من أعقد الأزمات الدبلوماسية خلال الفترة الأخيرة.
أما الخطأ الثاني لوزير الخارجية في التعامل مع الملف الأفغاني فكان في تصريحاته التي اتهمت المخابرات العسكرية البريطانية بأنها أخطأت في تقدير سرعة انهيار الجيش الأفغاني حيث كانت تتوقع صمود الجيش حتى نهاية العام الحالي.
وقد خرج رئيس الإركان البريطانية ليرد على هذه التصريحات رافضا تحميل المسؤولية للمخابرات العسكرية “لأن الجميع كان مخطئا بشأن أفغانستان”.
وتم تعويض دومنيك راب بوزيرة التجارة الخارجية ليز تروس التي أظهرت قدرة كبيرة على التفاوض وإبرام اتفاقيات تجارية مهمة لصالح بلاده في مرحلة ما بعد الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
كورونا يرفع ويخفض
كان وزير التربية والتعليم البريطاني كافين ويليامسون من أول ضحايا التعديل الحكومي البريطاني، وإن كان متوقعا بالنظر لحالة عدم الرضا الواضحة على تدبيره لقطاع التعليم منذ بداية وباء كورونا، من تأخير في الامتحانات وإعلان عن عودة الأطفال للمدارس ثم التراجع عن القرار، وحصيلة التعليم عن بعد التي يعتبرها كثيرون بأنها كانت سيئة.
وبينما هوى بأسهم كافين ويليامسون رفع فيروس كورونا من أسهم ناظم زهاوي، الوزير البريطاني من أصول عراقية، الذي كلفه بوريس جونسون، بواحدة من أخطر المهام خلال الجائحة وهي إنجاح عملية التلقيح الواسعة، وبالفعل نجح ناظم زهاوي في المهمة وحقق أرقاما مذهلة في توزيع اللقاحات وتأمينها خلال مرحلة الحرب على اللقاحات بين بلاده والاتحاد الأوروبي.
ناظم زهاوي الذي سيستلم وزارة التربية والتعليم كأول وزير من أصول عربية يحمل هذه الحقيبة، يعتبر من الأوراق الرابحة لرئيس الوزراء بوريس جونسون، وأحد المقربين منه، ما جعله يمنحه الثقة في وزارة ليست بالسهلة.
وسيرث الزهاوي تركة صعبا يجب عليه التعامل معها للتأسيس لمرحلة ما بعد الوباء، وتوفير ما مجموعه 7 مليارات جنيه إسترليني وعدت الحكومة بتوفيرها لقطاع التعليم في بريطانيا.
وأكد ناظم زهاوي في أول تصريح له بعد التعيين “أن الأسر والتلاميذ مروا بأوقات صعبة خلال الوباء والآن حان الوقت لبناء نظام تعليمي أفضل وأكثر عدلا”.
إنقاذ الشعبية
بقلق بالغ يراقب بوريس جونسون، العديد من المؤشرات الاقتصادية والسياسية، التي تظهر أن مهمة حكومته لن تكون سهلة، ومنها ارتفاع معدل التضخم إلى 3,2 في المائة وهو أعلى معدل منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وهناك استطلاع رأي أنجزه موقع “يوكوف” يظهر تراجع شعبية حزب المحافظين، ولأول مرة يأتي حزب العمال متقدما على المحافظين من حيث الشعبية منذ انتخابات سنة 2019.
وهو ما يأتي ضد طموح بوريس جونسون، الذي تحدثت مصادر مقربة منه لصحيفة “تلغراف” وكشفت أن الرجل ينوي أن يستمر في رئاسة الوزراء إلى غاية ما بعد انتخابات سنة 2026 ليكون بذلك واحدا من أطول رؤساء الوزراء الذي عمروا في هذا المنصب على غرار رئيسة الوزراء الشهيرة مارغريت تاتشر.
ومع ذلك فالأداء الاقتصادي سيكون حاسما في الحكم على تجربة جونسون، وقدرته على التحكم في ارتفاع الأسعار، خصوصا أمام حالة الغضب العارمة بسبب أكبر رفع للضرائب في تاريخ البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، بغرض دعم تمويل نظام الرعاية الصحية في البلاد.
ومازال ملف “البريكست” لم يغلق نهائيا مع استمرار الخلافات مع الأوروبيين حول الحدود الإيرلندية، وعدم قدرة الحكومة الحالية على إتمام صفقة التبادل التجاري مع الولايات المتحدة التي ستكون في حال إبرامها الأكبر على مر التاريخ.
المزيد من سياسة


