كانت الحارات القديمة في ولاية الخابورة المطلة على البحر صورة متناسلة من صور حارات في ولايات شناص ولوى وصحار وصحم والسويق والمصنعة وبركاء وولايات ساحلية عمانية أخرى، وفي ولاية الخابورة شكلت حاراتها الساحلية مكونًا رئيسيًا ، وكانت نموذجًا للحياة البسيطة ، وتختزن احتياجات الإنسان من المرافق والتكوينات الهندسية ، وتضم كل المرافق العامة من مساجد ومدارس وطرق وحصون ، وغيرها، بتخطيط هندسي متواضع ويستجيب لحاجة الحارة إليه، وأهميته وقيمته لدى السكان ٠٠ ولذلك حين عبرت إلى حارة “حلة الحصن” بعد الشروع في هدمها تمهيدًا لرصف الطريق الساحلي ، وجدتني أطالع صور البيوت المتلاصقة بعضها ببعض، والدروب الواصلة بينها، وأناظر الشرفات والأبواب، دون أن تحدثني نفسي حينئذ أن أطرق أحد الأبواب، وأدخل إلى هذه الديار لأرى إن كانت الحياة ما زالت تسكن بين جدرانها، أم أنها تولت وزحفت بعيدًا عنها ، للأسف وجدتها صامتة إلا من صفير الهواء وصوت أمواج البحر ٠
أعبر دروب حارات “حلة الحصن” المطلة على الساحل لأجد بيوتها قد هدمت ولا يعرف أين مكان أبوابها ، وكأن حال المنازل حينئذ يرثي مصابها وما آلت إليه ، كانت ” حلة الحصن ” وغيرها من الحارات الساحلية كانت تعج بالنشاط والحركة ، قوارب صيد ذاهبة وأخرى عائدة محملة بأنواع الأسماك ، وهناك جلوس الجيران أمام البيوت يعطي للمكان صفات الود والتراحم ، كما كانت الحارات أيضًا تعيش في مشاهد ومقاطع عديدة اتخذت من المكان مسرحًا لحكاياتها الرائعة ، كانت يكفي أن تكون زاهية، وهي تستقبل ضيوفها ، وكان ذلك أهون الأمور بعد هجرانها ، وأصبحت منازلها بقايا حطام تؤلم القلب وتدمع العين ، وعن الذين سكنوا فيها، وعن الذين نسوا حاراتهم، وهاجروا لديار فسيحة، الذين لم يعد يصافح وجوههم، وهم أبصروا الحياة أول مرة هنا، وترعرعوا في دروب الحارة ومنازلها، قبل أن يهاجروا المكان بعد التعويض بمنازل أخرى ، ويجعلوه في ذاكرتهم نسيًا منسيًا ، لم تكن المساجد وهي تشير إلى حال الحارات بأفضل حال منها، والتحسينات البسيطة التي ادخلت عليها، لم تغير أيًا من معالمها ٠
وعلى وجه الخصوص حارة “حلة الحصن ” التي كانت تضج بالحياة، ما عادت تتنسم أنفاسها ، ولا تعيش صخبها، الكل هدم بيته والانتقال إلى بيوت أختلفت مع اختلاف جيرانها ٠٠ معلم الحصن لا زال فيها شامخًا ، وإذ غدا صوت التاريخ، وهو يروي للذين يزورنه من قريب أو بعيد عن العادات والتقاليد العريقة، ويخبرهم عن الفنون الشعبية والهندسة المعمارية والماضي التليد ٠٠ لا تبدو صباحات الحارة ضاحكة كما كانت ، حارة بكينا عليها ، كما بكينا على حارات كثيرة من عمان ٠٠ ووقتها لن يجدي البكاء، ولن يرمم بيتًا بعد اتخاذ قرار الهدم ، فهل سيعوض الطريق الساحلي تلك الجماليات واللحظات الجميلة ، ولو حصل متى سيكون ذلك ؟ ٠
بقلم : خليفة البلوشي











