هذا حديث حثيث عن ثلاث مقامات أدبية حملت اسم: «العُمانية»، وهي وإن اتفقت في مسماها، إلا أن لكل واحدة منها بناء مختلفًا، وعالمًا من السَّرد باذخ الجَمال، لغة ووصفًا، نثرًا وشعرًا، تشترك في مُسمَّاها، وتختلف في أسماء مؤلفيها ورواتها وأبطالها، مع تباين في الأزمنة والأمكنة التي عاشوا فيها، ما يؤكد أنَّ عُمان ملهمة للأدباء في مختلف العُصور.
وقبل التطرق إلى تفاصيل المقامات الثلاث، نشرُفُ بعصف ذهني على عالم المَقامة، هذا النص النثري المُبهر، الذي اختُلف في أزمنة نشأته، وتعددت أسماء كتَّابه، وعلى قلته قياسًا بالإبداعات النثرية والشعرية بالتأكيد، لا يزال النقاد والشرَّاح يتناولونه في مُؤلفاتهم.
المَقامَة فن سردي قائم على الإسقاط، سخريَّة من الواقع، فبطل المَقامَة ساخر ومتلوِّن، يظهر بشخصيات متسوِّلة، يقدِّم فيها الكاتب رسائل وإسقاطات على الواقع الذي يعيشه، أشبه بالفضاء المفتوح، يبوح فيه بحُريَّة وذكاء، مستخدمًا أساليب الاحتيال لتصبح لبُّ صنعته، ويظهر فيها كاتب المَقامَة مقدرته اللغوية، ومحفوظاته الشعرية.
بعض الباحثين يصلون تاريخ تأسيس كتابة المقامة العربية بـ«أحاديث ابن دريد»، التي تناثرت نصوصها في أمّات كتب الأدب، هي أشبه بالمقامات في سبكها الحِواري، واستخدامها لغريب الكلمات أحيانًا، وتوظيفها للشعر، كحكاية «أبي حَيَّة النميري»، القريبة جدًا من المقامة، هل يكون ابن دريد (ت: 321هـ) أول من كتب المقامة؟!
بعد نصف قرن من الزمان، ظهر بديع الزمان الهمذاني: أحمد بن الحسين (358 – 398هـ)، عاش 40 عامًا هجريًا، واسمه من غير اللقب يذكرني بالشاعر المُتنبي: أحمد بن الحسين، كتب الهمذاني (زهاء أربعمائة مَقامَة، لكن لم يظفر منها بغير عدد قليل ينيف على الخمسين)، بحسب تقديم شارحها الشيخ محمد عبده، وما بقي كاف ليعلي من شأنه، رائدًا لهذا الفن النثري المُبهر، السَّارد للحِكايات.
يا للهمذاني في مقاماته، الرائقة السَّهلة، مخلوقات صغيرة، مصاغة بلسان الناس، الهمذاني «رائد القصة العربية»، كما وصفه الدكتور مصطفى الشكعة، في دراسة قيِّمة عنه، الهمذاني المَقامِي، المتفرِّد بهذا الفن، الذي سار على نهجه أبو القاسم الحَريري (ت: 516هـ)، صاحب كتاب «المَقامات»، ذات العنفوان اللغوي حدّ الإبهار، ويتجلَّى فيها مقالب أبي زيد السَّرُوجِي: (سِراجُ الغُرَباء وتاجُ الأدَباء).
ولكن ماذا عن اشتغال العُمانيين بهذا الفن؟، الأسماء قليلة، والنماذج أقل، وكل ما ينسب للعُمانيين من مقامات، جُمِعَت في كتاب «المَقامَات العُمَانية من ابن دريد حتى عبدالله الخليلي» للدكتورين: ضياء خضيِّر وكامل العتوم، صدر عن جامعة صحار، 2010م، وبينهما تظهر أسماء معدودة، كأبي سعيد محمد بن سعيد القلهاتي (ق: 6هـ/ 12م)، صاحب «المَقامَة الكِلْوِيَّة»، وبعد ستة قرون جاء الشاعر سعيد بن محمد الغشري (ق: 12هـ/ 18م) ليكتب المَقامَة «السُّونِيَّة»، نسبة إلى “«سُوني»، «العَوابي» اليوم، راويها: اليافث بن تمَّام، وبطلها: أبو عبيد الفَلُّوجي، على غرار السَّروجي للحريري!، عارضها ابن رزيق بالمقامة «الشَّاذونية»، نسبة إلى «شَاذون»، «نخل» اليوم، راويها: الوارث بن بسَّام شيخ العتيك، وبطلها أبو جَوَّاب الضَّريك.
المفارقة، أنَّ الغشري ترك كتابة المَقامَة، باعترافه: (أردت تأليف مقامات غيرها فتركتها، لمَّا بان لي فيها من فضُولات الكلام، فأتيت بهذه لبعض الفائدة، بما تضمنته من لغة العرب الشريفة، وأنا أستغفر الله مما خالفت فيه الحق والصَّواب)، المقامة العُمانية: ص103، فيما عُرِفَ لابن رزيق كتاب مقامات بعنوان: «عِلم الكرامات المنسُوب إلى نسَق المَقامات»، يتضمن 60 مقامة، لكن الزمان مَحى حِبْرَها، ولم ينج منها سوى المَقامَة «الشاذونية»، أولى مقاماته باعترافه: (وهذه المَقامَة التي أتبعتها السُّونية سميتها الشاذونية، وهي أولى الستين مقامَة، السابقة على قِرَى ضُيوفهن بالكرَامَة)، المقامات العُمانية، ص30.
ثم ظهر في زنجبار محمد بن علي البرواني (ت: 1953م)، بكتاب: «مقامات أبي الحارث»، يضم خمس مقامات، صدرت في أكثر من طبعة، من بينها طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، وينتهي عصر المقامات العُمانية بالشيخ عبدالله الخليلي (ت: 2000م)، ولنعود إلى ما بدأنا به، «ثلاث مقامات أدبية تحمل اسم: العُمانية»، فماذا عنها؟
المقامة الأولى: للقاسم الحريري البصري (ت: 516هـ)، رقم 39 من بين 50 مقامة، وتحمل اسما مركبًا «العُمَانية الصُّحَارية»، لأن حركة بطلها تنطلق من مرسى السفن بصُحَار، وتتوقف عند جزيرة متخيَّلة، ولعلها إحدى الجزر الواقعة في الساحل ما بين عُمَان والهند، ولتكن سيلان، أو جزيرة ما في عرض البحر، (تتضمن ركوب أبي زيد السَّرُوجي البحر من صُحار)، ركب معهم بحيلة، متقمِّصًا شخصية عَرَّاف عارف بالأسرار، عبَّر عنه الحريري بقوله: (ثم قرأ أساطيرَ تلاها وزخارف جَلَّاها)، حتى أخذهم الموج إلى جزيرة.
نزل السَّروجي ومن معه بحثًا عن طعام في تلك الجزيرة، ووجدوا حاكمها في هلع على امرأته متعسِّرة الولادة، فقام أبو زيد العَرَّاف بكتابة «عزيمة الطلق» للحامل، وكانت قصيدة من بحر الخفيف وقافية النون، مطلعها: (أيُّهذا الجَنينُ إني نصيحٌ .. لكَ والنصْحُ من شُروط الدِّين) الخ، وأمر بتعليقها على (فخذ الماخِض، وألا تعْلَق بها يَدُ حائِض، فلم يكن إلا كذُوَاق شارب، أو فُواق حالِب، حتى اندَلقَ شخصُ الوَلد) الخ.
وبعد التمتع بالإقامة في قصر الحاكم، يحين موعد العودة إلى عُمَان، فيصر الحاكم على بقاء السَّروجي، فيستغلها فرصة ويقبل بالعَرْض، وعاد بقية من كان معه في الرحلة البحرية إلى عُمَان، وهم بين من يشكو فراقه، ويذمه على تخليه عنهم، ويوغِل الرَّاوي الحارث بن هَمَّام في تعنيف السَّروجي بقوله في ختام المقامة: (فودَّعتُه، وأنا أشكو الفِراق وأذمُّه. وأوَدُّ لو كانَ هلكَ الجَنينُ وأمُّه).
المقامة الثانية: للكاتب ناصيف اليازجي (ت: 1869م)، له كتاب في المقامات بعنوان: «مجمع البحرين»، راويته سُهيل بن عَبَّاد، وبطلها ميمون بن خِزَام، و«العُمانية» عنوان لإحدى مقاماته، تحمل رقم: 52 من بين 60 مقامة يتضمنها الكتاب، وفيها يروي سُهيل بن عَبَّاد، أن صُروف الزمان ألقته على عُمان، وأنه مَرَّ بفناء الجامِع، وإذا بالخِزَامِي فيه راتع، ومن حوله الناس متحلقون، والشيخ يتلو عليهم أساطير الأولين.
ثم يأتي شيخ يتحدث حديثًا يظهر تمكنه من «فقه اللغة»، ينتهي بانبهار الناس بابن خِزَام، ويطلبون منه أن يكون لهم إمامًا وخطيبًا، لتنتهي المقامة بحيلة، ينتشل بها بقاءه بين الناس، حيث قدِمَتْ فتاة تطلب شاهدًا، وأن يأخذ معه أبا عبادة سُهيل بن عبَّاد، فوافق ميمون وأخذ معه الراوي، وبينما هم في الطريق، يتضح أمر الفتاة أنها ابنة ميمون، وأنها مجرد حيلة ليخرجا من الدار، فوافق الراوي والبطل: (إن كنتَ الرَّفيق فهذه الطريق، وإلا فعليك السَّلام ولا مَلام)، يقول الراوي: (فخرجت بين الحَيَّة والحُيَّية، ولم نفترق إلى ديار طُهَيَّة).
المقامة الثالثة: للشيخ محمد بن علي البرواني، راويها هلال بن إياس، وبطلها الحارث بن الأرقم، كشفت عن أشواقه إلى وطنه الأم، يعبر عنها بجُمَل ملتهبة العاطفة، في قوله على لسان البطل: (وبيني وبين أهلي مَهامِهُ فِيْح، وبي فيهم مِن لواعِج الشَّوق تبْريح) الخ ومن خلال قراءتي للمقامة العُمانية البروانية، لاحظت تشابهًا بينها والمقامة العُمانية اليازجية.
فحين يبدأ اليازجي بجملة: (ألقتني صُروف الزَّمان إلى عُمان)، يبدأ البرواني بجملة: (قذفَتْ بي يَدُ النَّوَى ونوازع الهَوَى إلى مَطارح البَيْن)، وحين يصف اليازجي الجلسة مع الشيخ في فناء الجامع، بقوله: (هَجَم علينا شيخ أرْمَش أغمَش، كأنه أبوالحَسَن الأخْفَش)، يتكرر هذا الوصف مع البروانِي في سياق مماثل: (فإذا نحن برجل عليه حُلَّة من لَبَدْ، طويل النِّجَاد، كأنه عمرو بن عَبدُ وِدْ).
وحين جاء موضوع مقامة اليازجي في «فقه اللغة» وبالشعر لا بالنثر، جاءت المقامة العُمانية للبرواني في ذكر بدائع البلاغة شِعرًا أيضًا، مُستشهدًا ببيتين لكل مادة بلاغية في أنواع الجناس؛ التام، والمفروق، والمُلفَّق، والمُشتق من غير انتحال، والمُحَرَّف، والمُضَارع، واللفظِي، والمقلوب، وجناس الإشارة، لتنتهي بإفصاح الحارث عن توجهه مشتاقًا إلى أهله في عُمَان.
والآن هل انتهت المقامة كفن أدبي نثري؟، لربما يكون انتهى عصر كتابها الكبار، لكن أبطالها ما زالوا يعيشون بيننا، فقط تختلف أسماؤهم، وسحنات وجوههم، أما سلوكهم فيؤكد أن زمن “الكِدْيَة” أو فن الاحتيال، لا ينتهي مُطلقًا.







