منذ أول انتخابات محلية عرفها المغرب عام 1960، ظهر الدور الحاسم للناخبة القروية في ترجيح كفة الفائز، حيث نسب المشاركة تكون مرتفعة
الرباط – إذا كنت تتجول في المدن المغربية في فترة الحملات الانتخابية، ستظهر لك اللافتات الانتخابية والمنشورات المتعددة بتعدد الأحزاب في كل مكان، وقد تصادف سيارات بمكبر صوت أو دراجات تحمل مجسمات.
وقد تصحو صباحا فتجد عددا من المناشير بعلبة بريد سكنك، وأخرى ببريدك الإلكتروني، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأمر يختلف عن البوادي والقرى البعيدة، حيث تختلف إستراتيجيات الحملات، وتحكم السلوك الانتخابي محددات خارج اللون السياسي والبرامج الانتخابية.
ذات وجهين
يقول إسماعيل المنقاري، المتخصص في سوسيولوجيا العالم القروي للجزيرة نت إن العملية الانتخابية في المغرب ذات وجهين، وإن الانتخابات لا تكتسي الصبغة والمبادئ والطريقة نفسها في العالمين القروي والحضري.
وغالبا ما يعرف التقسيم الجغرافي للدوائر الانتخابية خليطا بين الحواضر أو مراكز القرى والبوادي، ولا تترك البادية بمعزل.
وبحسب اللوائح الانتخابية المحصورة في 30 يوليو/تموز 2021، فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17 مليونا و983 ألفا و490، منها 46% من الناخبين بالوسط القروي مقابل 54% في الوسط الحضري.
ومنذ أول انتخابات محلية عرفها المغرب عام 1960، ظهر الدور الحاسم للناخبة القروية في ترجيح كفة الفائز، حيث نسب المشاركة تكون مرتفعة.
اتساع المجال وتشتت السكان
يلجأ القيادي مصطفى الخلفي مرشح العدالة والتنمية بدائرة سيدي بنور (تقع في سهول دُكَّالَةَ، أحد أقاليم جهة الدار البيضاء وتبعد عنها 170 كيلومترا)، لإستراتيجية خاصة لتسيير حملته الانتخابية في مجال جغرافي قروي يتجاوز قطره 120 كيلومترا.
حيث يركز الخلفي الذي شغل في وقت سابق منصب وزير اتصال وناطق رسمي باسم الحكومة، على الأسواق الأسبوعية وإلقاء كلمات في زيارات لمراكز الجماعات القروية التي تصل إلى 25 مركزا، ويقوم الخلفي أحيانا، حسب حديثه للجزيرة نت، بتسجيل مداخلة صوتية تقوم لجان حملته بعرضها بالدواوير (القرى).
يقول الخلفي للجزيرة نت “لا يمكن في 13 يوما أن أزور أكثر من 800 دوار (قرية)، لهذا نعمد لسياسة استهداف الأسواق ونركز على التطور الديموغرافي المتمثل في صعود جيل شاب منفتح على وسائط التكنولوجيا الحديثة، عبر البث المباشر”.
عبد المجيد بودياب في حملة بضواحي وزان شمالي المغرب (الجزيرة نت)موارد قليلة وعزلة مجالية
وبلون حزب الاستقلال، في قرى شمال المملكة المغربية، ضواحي وزان، حيث وعورة التضاريس، يعتمد عبد المجيد بودياب الذي يعمل بوزارة الصحة، في حملته على اللقاء المباشر، وبسبب البعد والعزلة اللذين يطبعان معظم دواوير المنطقة، يركز بودياب على الأسواق، ويعتمد على رصيده الانتخابي السابق ومعرفته بالمنطقة وسكانها.
يجزم بودياب في حديث مع الجزيرة نت أن السلوك الانتخابي بالبادية يتجه للأشخاص مهما كان اللون السياسي، ويستدل بتغيير الألوان السياسية للمرشحين من أجل الاحتفاظ بمقاعدهم، ويرى أن المجال القروي يصعب فيه تقديم الوعود غير المحسوبة، لأن إمكاناته محدودة والإنجاز فيه حاسم.
من جهته، يقول الناشط المدني عبد السلام الرحموني إن أجواء الحملات بالبادية باهتة والمواطنون يبدو عليهم الفتور وعدم الاهتمام.
وتعرف بعض قرى الشمال انتشار مزارعي القنب الهندي الذين شكلوا قاعدة انتخابية لبعض المرشحين تحت ذريعة الحماية، ويعتبر الرحموني أنه في ظل التقنين أصبحوا خارج دوائر الحساب.
ويعتقد المتحدث أن المنطقة تمر بمرحلة تحول ديمقراطي بشكل سلس وستتغير توجهات المسيرين للشأن المحلي والعام لصالح أناس في مستوى اللحظة، أناس يعطون نفسا للتغيير والتنمية والبناء، على حد قوله.
في السياق ذاته، يرى الخبراء أنه يصعب التكهن بنتائج الانتخابات بالبوادي باعتبار الانتماء الحزبي.
نموذج حملة بالعاصمة الرباط (الجزيرة نت)الدم والتراب أولا
يوضح المنقاري أن المبادئ الأساسية التي تبنى عليها الانتخابات في العالم القروي تقوم على مبادئ القرابة والقرب الجغرافي والعلاقات الإنسانية ذات الطابع القبلي، وأن صبغة الحزب أو التكتل السياسي تكاد تنعدم.
ويضيف المنقاري أن السلوك الانتخابي بالبوادي والقرى بالإضافة للدم والتلوين الترابي تغلب عليه مبادئ ذات الطابع الشمولي، مثل الميل للأحزاب ذات المرجعية الوطنية والحركات التحررية، وكذلك التدين وسمعة الشخص بغض النظر عن الأحزاب.
ومن واقع التجربة -يقول الخلفي- إن سكان الأرياف لديهم مطالب ملحة مباشرة وينتظرون إنجازات ملموسة، ويضيف أن الإنجازات بالبوادي يمكن قياسها، ويعتبر أن ساكنة القرى لها قدرة أكبر على المحاسبة والمساءلة.
ويصعب، حسب الخبراء، الحديث عن القرابة بالمدن، في المقابل قد يتمحور السلوك الانتخابي حول الأعيان (وجوه معروفة).
وحسب محللين للسلوك الانتخابي، فإن الأحزاب أدركت أن القرابة والجوار والثقة والنفوذ والوجاهة والعلاقات الراسخة محددات أساسية في توجيه سلوك الناخبين المغاربة عامة، والفقراء منهم بخاصة، فهم لا يهتمون في الغالب بالبرامج الانتخابية ولا بالتاريخ النضالي للأحزاب ولا بما تملكه من رصيد في التنظيم والتأطير والتوعية.
وتعتبر البوادي خزان للأصوات تسهل استمالته بحسب رأي الملاحظين، باستعمال منافذ الوصول إليه عبر استعمال مبادئه في السلوك الانتخابي، وترشيح من يجيب عليها من أبناء القبيلة واللحمة والتراب، وأنه في غياب كل هذا الاصطفاف يحضر عنصر المال الذي يتغذى من نسب الفقر.
المزيد من سياسة








