في أروقة قصر “شايو” بباريس عام 1948، وبينما كانت قارة أوروبا لا تزال تنفض غبار الموت وتلملم جثث ضحاياها تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية، كانت البشرية تقف أمام مفترق طرق أخلاقي وتاريخي لم يسبق له مثيل.
في تلك اللحظة التي ساد فيها الشك والعدمية، لم يكن أحد يتخيل أن رجلاً قادماً من بلدة “بطروم” القابعة في أحضان جبال الكورة اللبنانية، سيصبح المهندس الأول لأهم وثيقة قانونية في العصر الحديث، شارل مالك، ذلك الفيلسوف الذي ارتدى عباءة الدبلوماسية، لم يكن مجرد موظف دولي أو سفير لبلد صغير مساحة وكبير حضارة، بل كان “عقل الإنسانية” الذي تولى مهمة صعبة تتجاوز السياسة؛ وهي صياغة ضمير البشرية في لحظة الانهيار الشامل.
من هنا، إن الكتابة عن شارل مالك اليوم ليست مجرد استعادة لسيرة ذاتية لشخصية غابت عن المشهد، بل هي محاولة لفهم كيف يمكن لقانوني ومفكر عربي أن يفرض رؤيته الكونية على عالم منقسم بين معسكرين جبارين، وكيف استطاع تحويل مفهوم “الكرامة الإنسانية” من مجرد ترف فلسفي إلى نص قانوني ملزم أخلاقياً تلتزم به الأمم والشعوب تحت مسمى “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.
إذاً، لم تبدأ رحلة شارل مالك من الكتب القانونية الجافة أو من ردهات المحاكم، بل انطلقت من عمق الفلسفة الوجودية والروحية التي تشربها في كبرى جامعات الغرب. لقد كان مالك تلميذاً نبيغاً لعمالقة الفكر مثل مارتن هيدغر وألفريد نورث هوايتيد، وهذا التكوين الفلسفي هو ما جعل نظرته للقانون تختلف عن نظرة معاصريه. بالنسبة لمالك، لم يكن القانون مجرد أداة لتنظيم القوة أو لضبط العلاقات بين الدول، بل كان إطاراً لحماية “الجوهر الإنساني” المقدس.
هذا الفهم العميق هو ما ميز الرعيل الأول من رجال القانون والدبلوماسية؛ فقد كانوا مثقفين موسوعيين يدركون أن النص القانوني الذي لا يستند إلى قاعدة أخلاقية وفلسفية متينة هو نص ميت، سرعان ما تذروه رياح المصالح السياسية، وعندما عُين مالك مقرراً للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، كان يدرك تماماً أن المهمة ليست صياغة بنود إجرائية تقنية، بل هي خوض معركة وجودية كبرى لتعريف “الإنسان” في عصر كادت فيه الآلة الحربية والأنظمة الشمولية أن تسحق الفرد وتجعل منه مجرد رقم في معادلة الدولة.
وفي ممرات الأمم المتحدة الناشئة، دارت رحى معركة فكرية طاحنة كانت هي الاختبار الحقيقي لإرادة شارل مالك وقدرته على الإقناع. كان الصدام يتمركز حول قضية جوهرية: هل الإنسان يخدم الدولة، أم أن الدولة هي التي وجدت لخدمة الإنسان؟ في تلك الحقبة، كانت الكتلة السوفيتية والأنظمة الشمولية تروج بقوة لفكرة أن الحقوق هي “منحة” تتفضل بها الدولة على مواطنيها، وبالتالي يحق لها سحبها متى تشاء باسم “المصلحة العامة” أو “الأمن القومي”.
هنا برزت عبقرية مالك القانونية والخطابية؛ فقد وقف بصلابة لا تلين ليعلن أمام ممثلي القوى العظمى أن الحقوق الإنسانية ليست هبة من أي نظام سياسي، بل هي “استحقاق فطري” يولد مع الكائن البشري بصفته كائناً عاقلاً وحراً. لقد جادل مالك بأن الفرد يسبق الدولة تاريخياً ووجودياً وقيمياً، وبالتالي فإن مهمة القانون الدولي هي “الاعتراف” بهذه الحقوق القائمة أصلاً، وليس “ابتكارها” أو التصرف فيها. كانت هذه الرؤية هي التي أنقذت الإعلان العالمي من أن يصبح مجرد بيان سياسي عابر، وحولته إلى وثيقة عابرة للثقافات والأيديولوجيات، نجح فيها مالك في استحضار قيم العدالة الكونية التي تتقاطع فيها الشرائع السماوية مع الفلسفات الوضعية.
وعند الدخول في دهاليز الصياغة، تبرز “البصمات الذهبية” لشارل مالك التي غيرت وجه القانون الدولي للأبد. لعل المعركة الأكثر شراسة التي خاضها كانت تتعلق بالمادة الثامنة عشرة، الخاصة بحرية الفكر والوجدان والدين. لم يكن مالك يكتفي بالمطالبة بحق ممارسة الطقوس الدينية، بل حارب بكل ثقله الفلسفي لإدراج عبارة “حق تغيير الدين أو المعتقد”. كانت هذه النقطة بمثابة قنبلة موقوتة فجرت خلافات حادة بين الوفود، لكن مالك كان يرى في “حرية الضمير” الحصن الأخير للكرامة الإنسانية. كان منطقه القانوني يقول إنه إذا سقط حق الإنسان في اختيار مساره الروحي والفكري دون إكراه من الدولة، فإن كل الحقوق الأخرى تصبح هشة ولا قيمة لها. إن دفاعه عن هذا المفهوم لم يكن نابعاً من انحياز عقائدي ضيق، بل من إيمان راسخ بأن “الكرامة” هي وحدة لا تتجزأ، وأن الإنسان لا يكون مكتملاً ما لم يكن سيداً على قرارات قلبه وعقله. ومن خلال إدراج هذا النص، وضع مالك حجر الأساس لمفهوم “التسامح القانوني” العالمي، الذي يعتبر اليوم الركيزة الأساسية للتعايش في المجتمعات المتعددة.
بالتالي، إن تأمل شخصية شارل مالك كأحد أقطاب الرعيل القديم يحتم علينا استحضار المناخ الأخلاقي الفريد لتلك الحقبة. لقد شكّل مالك مع زملاء تاريخيين، مثل إليانور روزفلت ورينيه كاسان، ما يمكن وصفه بـ “الضمير العالمي الموحد”. كانت العلاقة بين مالك وإليانور روزفلت (رئيسة اللجنة) علاقة تكاملية مبهرة؛ فهي كانت تمثل القوة السياسية والرمزية العالمية، وهو كان يمثل “المحرك الفكري” والمشرع الذي يحول الأحلام إلى نصوص قانونية رصينة. لم يكن مالك يلهث وراء التوافقات الدبلوماسية الهشة التي تقوم على “أنصاف الحلول”، بل كان يسعى لإرساء “ثوابت إنسانية” مطلقة لا تقبل المساومة أو التأويل السياسي. هذا النوع من الشخصيات القانونية كان يتمتع بشجاعة نادرة في مواجهة المتغيرات، مستنداً إلى قوة المنطق الأخلاقي وسحر اللغة. وعندما نقرأ اليوم المادة الأولى من الإعلان التي تنص على أن: “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق”، يجب أن نتخيل حجم الجهد الفكري الذي بذله هذا الرجل اللبناني لانتزاع هذه الكلمات من براثن الشك، ولصياغتها بأسلوب يجعلها تبدو كأنها حقيقة بديهية لا جدال فيها.
ولم يكن دور شارل مالك مقتصرًا على الصياغة فحسب، بل كان نموذجًا فريدًا للمثقف العربي الذي ساهم في الإنتاج الحضاري العالمي من موقع الند للند. لم يشعر مالك يوماً بأن هويته العربية أو اللبنانية تتناقض مع كونيته الإنسانية، بل كان يرى أن جذوره الشرقية العريقة هي التي تمنحه البصيرة لفهم أهمية “الروح” في النص القانوني. لقد كان ينتقد المادية الغربية الجافة التي قد تنظر للإنسان كمجرد وحدة إنتاجية، وكان يصر على إضفاء لمحة من السمو الروحي على مواد الإعلان. هذا التوازن بين الأصالة الشرقية التي تقدس الروح، والمعاصرة الغربية التي تقدس العقل والحرية، هو ما جعل “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” وثيقة مقبولة عالمياً. لقد نجح مالك في إقناع العالم بأن العدالة ليست ملكاً لثقافة دون أخرى، بل هي لغة مشتركة تتحدثها القلوب البشرية قبل أن تكتبها أقلام المشرعين.
وأخيراً، يظل شارل مالك الأيقونة التي تذكرنا بالزمن الجميل للقانون والدبلوماسية؛ ذلك الزمن الذي كانت فيه الكلمة أمانة، والموقف عقيدة، والإنسان هو الغاية والوسيلة. إن الإرث الذي خلفه لنا هذا العملاق اللبناني ليس مجرد وثيقة قديمة محفوظة في أدراج الأمم المتحدة، بل هو صرخة حق مدوية تتردد أصداؤها كلما انتهكت كرامة شخص أو صودرت حرية معتقد في أي زاوية من زوايا الأرض. لقد أثبت مالك أن العقول الكبيرة لا تحدها الجغرافيا، وأن لبنان الصغير استطاع عبر أحد أبنائه أن يقود البشرية نحو فجر جديد من الحقوق والحريات. سيبقى شارل مالك دائماً “صائغ الكرامة”، المعلم الذي لم يكتب قانوناً للدول فحسب، بل كتب ميثاقاً للضمير، مؤكداً أن الإنسان يظل هو القيمة العليا التي تتقزم أمامها كل السلطات، وأن القانون الحقيقي هو الذي يحرر الإنسان ولا يستعبده.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت.

