تواجِه المنظومة الاجتماعيَّة في سلطنة عُمان ـ كغيرها من المُجتمعات المعاصرة ـ تحوُّلات متسارعة فرضَتْها المتغيِّرات التقنيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة العالميَّة. وقد أعادتْ هذه التحوُّلات تشكيل كثير من المفاهيم والعادات والتقاليد وأنماط التواصل وأساليب العيش والعلاقات الاجتماعيَّة، والقِيَم والثقافة المُجتمعيَّة والثوابت والمتغيِّر من القِيَم، كما أفرزتْ قِيَمًا ومفردات أخلاقيَّة جديدة، أو أعادتْ صياغة القِيَم السابقة بما يتلاءم مع معطيات المرحلة. وفي خضمِّ هذا التحوُّل، يصبح استشراف المستقبل الاجتماعي ضرورة تنمويَّة، لا ترفًا فكريًّا؛ لضمانِ بقاء المُجتمع متماسكًا وقادرًا على التكيُّف الإيجابي مع المستجدَّات.
إنَّ ما يشهده المُجتمع العُماني من تنوُّع في الاهتمامات والطموحات والقناعات يعكس حيويَّة اجتماعيَّة طبيعيَّة، إلَّا أنَّ هذا التنوع لا ينبغي أن يتحول إلى مبرِّر للتخلِّي عن الثوابت الأخلاقيَّة أو القِيَم الأصيلة الَّتي شكَّلتْ هُوِيَّة المُجتمع عَبْرَ تاريخه. فالقِيَم ليستْ خيارات انتقائيَّة يختار منها الفرد ما يوافق مزاجه أو مصلحته الشخصيَّة، بل منظومة متكاملة تحفظ توازن المُجتمع واستقراره. وأي ممارسة غير أخلاقيَّة لا تُعَبِّر عن روح الشخصيَّة العُمانيَّة المتزنة، بل تعكس فهمًا فردانيًّا انتقائيًّا للقِيَم، يُفضي إلى إضعاف الرصيد الأخلاقي وإفلاسه وتأزمه.
وعليه، فإنَّ التعامل مع التحوُّلات الاجتماعيَّة يتطلب قراءة واعية وفهمًا عميقًا يستند إلى منظور استراتيجي شامل. فالمطلوب ليس مقاومة التغيير أو رفضه، بل توجيهه واستثماره بما يخدم المُجتمع ويُعزِّز قدرته على التجديد والتحديث، مع الحفاظ على اعتدال السلوك الاجتماعي وضبطه. كما ينبغي بناء سياج ذاتي نابع من قناعة المُجتمع، يَضْمن تصحيح الممارسات غير المسؤولة، ويُعزِّز مُقوِّمات القوَّة الفكريَّة والنفسيَّة والمعرفيَّة، بما يُمكِّن المُجتمع من مواجهة الأزمات بثبات ووعي ومسؤوليَّة.
إنَّ استشراف مستقبل البُعد الاجتماعي يضعنا أمام جملة من التساؤلات العميقة، ومنها: ما ملامح الواقع الاجتماعي الجديد في ظلِّ الثورة الصناعيَّة الرابعة والذَّكاء الاصطناعي؟ وما القِيَم الَّتي ينبغي ترسيخها في التعليم والتشريعات ومنظومة العلاقات؟ وما الظواهر المُجتمعيَّة السلبيَّة الَّتي يَجِبُ معالجتها أو الحدُّ منها؟ وكيف يُمكِن الحفاظ على توازن الهُوِيَّة العُمانيَّة مع الانفتاح العالمي؟ إنَّ الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها تتطلب تفكيرًا عميقًا يتجاوز المعالجات السطحيَّة، ويرتكز على الاستثمار في القِيَم الصحيحة كونها مصدر قوَّة، وتعزيز الوعي الجمعي والبناء على المشتركات الوطنيَّة.
ويأتي تعزيز الوعي الجمعي في مقدِّمة المرتكزات الأساسيَّة لصناعة التحوُّل الإيجابي. انطلاقًا من أنَّه لا يُمكِن منع دخول التقنيَّة أو المنصَّات الرقميَّة، لكن يُمكِن بناء مُجتمع واعٍ يميّز بَيْنَ منافعها وأضرارها. ويتحقق ذلك من خلال تعليم عالي الجودة يربط بَيْنَ القِيَم والمهارات، ويضع الإنسان في صدارة عمليَّة التحوُّل. لذا يُصبح من الضروري إعادة النظر في مسارات التعليم، وربطها بمعادلة متوازنة تجمع بَيْنَ الكفاءة المعرفيَّة والالتزام القِيَمي، إلى جانب تنشيط منظومة البحث العلمي الاجتماعي في الجامعات ومراكز البحوث، وإنشاء مراكز للفكر الاستراتيجي تُعنى بالدراسات الاستشرافيَّة وتنشيط مراكز الرصد الاجتماعي، ذلك أنَّ التخطيط للمستقبل الاجتماعي لا يَقُوم على الانطباعات أو التكهُّنات، بل على دراسات ميدانيَّة وإحصاءات دقيقة وبحوث نوعيَّة وتحليل معمق للواقع. ويستلزم ذلك الانخراط المباشر في فهمِ المُجتمع وتحوُّلاته الاقتصاديَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة؛ لضمانِ تكيُّف السلوك الاجتماعي مع طبيعة المرحلة. كما يتطلب دَوْرًا فاعلًا ورقابيًّا للإعلام في تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الخِطاب الإيجابي، ودعم المؤسَّسات التعليميَّة والدينيَّة في ترسيخ فِقه التعامل مع التحوُّلات ضِمن إطار الأصالة الدينيَّة والروح الإيمانيَّة الَّتي يتميَّز بها المُجتمع العُماني، وتعزيز خِطاب الشراكة والمسؤوليَّة.
وفي السياق ذاته، تبرز أهميَّة مراجعة المشهد الأخلاقي بصورة شاملة، مع التركيز على تقوية دوافع الالتزام لدى الناشئة عَبْرَ صناعة القدوات والنماذج الوطنيَّة وتعزيز حضورها في المُجتمع. فبناء نماذج إيجابيَّة في مختلف قِطاعات الحياة من التعليم والاقتصاد والفنِّ والرياضة يُسهم في تحويل القِيَم إلى ممارسة يوميَّة ملموسة. كما ينبغي تطوير آليَّات لرصد الظواهر السلبيَّة ومعالجة أسبابها، وتعزيز دَوْر الضبط الاجتماعي، وإعادة هندسة برامج الإصلاح الأُسري، وسدّ الثغرات الَّتي قد تؤدي إلى ممارسات منافية للأخلاق نتيجة قصور تربوي أو اجتماعي.
وبالتَّالي لا يُمكِن تحقيق هذا التَّوَجُّه دُونَ تكامل الجهود بَيْنَ الأُسرة والمؤسَّسات التعليميَّة والإعلام والجهات التشريعيَّة، بل وحتَّى الناشئة أنْفسهم. فالتجديد في القِيَم لا يعني تحييدها عن أصولها، بل تطوير أدواتها وأساليبها بما يحفظ جوهرها ويُعزِّز قدرتها على التأثير. بل تطويع هذه القِيَم لنفْس الغرض والهدف، عَبْرَ تنوُّع الأدوات والأساليب والمواقف، وإضافة صفة الشموليَّة والاتِّساع والتكامل والمصداقيَّة والعمق فيها، بالشكل الَّذي لا يؤثِّر على جماليَّاتها أو ينقصها قدرتها، أو يُبعدها عن هدفها، أو يُذهب القوَّة والسِّيادة والتأثير منها، بل بإبرازها بطريقة تتعمق في ذات الأجيال، وتتناغم مع مساحات التحوُّل الَّتي تنشدها، مستفيدة من التقنيَّة والفضاءات المفتوحة الَّتي تحلِّق بالقِيَم في عالم الإنسان المفتوح الواقعي والافتراضي والتقنيَّة لِتكُونَ وسيلةً لنشر القِيَم والترويج لها وترسيخها إذا أُحسن توظيفها. ومن هنا، تبرز أهميَّة الدَّوْر الأُسري في تربية الأبناء على القِيَم المستمدَّة من الدِّين الإسلامي، مع ترشيد استخدام وسائل التواصُل الاجتماعي بما يُحقق معادلة متوازنة بَيْنَ الأصالة والمعاصرة والانفتاح المدروس.
إنَّ صناعة القدوات تُمثِّل محورًا أساسًا في بناء المُجتمع القِيَمي؛ فحين تصبح القِيَم سلوكًا حيًّا في أداء المسؤول والموظف والمعلِّم والطبيب والسائق ورجُل الأعمال، تتحول إلى ثقافة عامَّة تُعزِّز الثقة والانتماء وروح المسؤوليَّة. وعندئذٍ تتجذر معاني حُب الوطن، وصدق الأداء، ونكران الذَّات، والتعاون، بما ينعكس إيجابًا على الاستقرار والنماء. كما أنَّ بناء ثقافة جمعيَّة منتِجة ومتوازنة يتطلب دَوْرًا فاعلًا للمؤسَّسات في صياغة خِطاب واعٍ، وتنفيذ تشريعات تُعزِّز السلوك الإيجابي وتحدُّ من التشوُّهات. فالمسؤوليَّة هنا مشتركة بَيْنَ صانع القرار والمُجتمع، وتكمن أهميَّتها في تحويل الوعي إلى ممارسة عمليَّة تُسهم في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنيَّة. وعندما تتكامل الأدوار، ينتقل المُجتمع من الفردانيَّة إلى روح الشراكة والعمل الجماعي، ويتقاسم الجميع مسؤوليَّة الإنجاز الوطني.
إنَّ الاستشراف الفعلي للتحوُّلات الاجتماعيَّة ينعكس مباشرة على استدامة التنمية. انطلاقًا من أنَّ البُعد الاجتماعي ليس منفصلًا عن الكفاءة الاقتصاديَّة أو الاستدامة الماليَّة، بل يُشكِّل ركيزةً لهما. فالقِيَم والعادات والثقافة يُمكِن أن تتحول إلى قوَّة ناعمة تُسهم في تعزيز الإنتاجيَّة وجذب الاستثمار وبناء صورة إيجابيَّة للدَّولة. ومن خلال دراسات مستقبليَّة معمقة، يُمكِن صياغة سياسات وطنيَّة أكثر نضجًا، تتَّسم بالبُعد الاستراتيجي والارتباط الوثيق بالواقع الاجتماعي.
من هنا تأتي أهميَّة تنشيط الدراسات الاستشرافيَّة بما يُسهم في توفير بدائل وخيارات مرنة لمعالجة التحدِّيات، ويُعزِّز قدرة صانع القرار على اتِّخاذ قرارات أكثر دقَّة وارتباطًا بخصوصيَّة المُجتمع العُماني. فالتنوع في البدائل، والعُمق في التحليل، والاعتماد على منهجيَّة علميَّة، كُلُّها عناصر ضروريَّة لضمانِ توجيه التحوُّلات الاجتماعيَّة نَحْوَ خدمة التنمية والتمكين الاقتصادي وبناء الاستثمار وتحقيق التنوع والابتكار؛ فإنَّ استشراف مستقبل التحوُّلات الاجتماعيَّة في سلطنة عُمان عَبْرَ تمكين أدوات البحث والقياس والاستطلاع والمسح والتحليل والمراجعة وبناء القدرات وإنتاج القدوات النماذج، يُمثِّل مدخلًا لبناء مرحلة متقدمة من العمل الوطني، تُوظَّف فيها القِيَم والعادات باعتبارها مصادر قوَّة، لا عوائق أمام التطور. وهو في الوقت نفْسه دعوة إلى المصالحة مع الذَّات، وبناء قوَّة فكريَّة ونفسيَّة تُمكِّن المُجتمع من التعامل بثقة مع المتغيِّرات المتسارعة. كما أنَّه مسار لترسيخ وعي جمعي قائم على الشراكة والمسؤوليَّة المشتركة، بما يُحقق التوازن بَيْنَ الأصالة والمعاصرة، ويصنع مستقبلًا تنمويًّا مستدامًا يعكس هُوِيَّة عُمانيَّة مُتجدِّدة، راسخة الجذور، ومنفتحة الآفاق.
أخيرًا، فإنَّ التنوع والعمق الاستراتيجي في قراءة واستيعاب واستشراف التحوُّلات الاجتماعيَّة الشاملة، وعَبْرَ دراسات المستقبل ومسوحاته مدعومة بالمؤشِّرات السكانيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، واضعةً اليد على التحدِّيات وانتشار الظواهر الفكريَّة السلبيَّة من واقع عمل منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها ذات العلاقة بالبُعد الاجتماعي من شأنه تقوية البدائل المتاحة للأفراد والمؤسَّسات والقرار الحكومي في معالجة التحدِّيات، والوقوف على المعطيات، بما يَضْمن إنتاج حلول عمليَّة، وصناعة قرارات نافذة أكثر ارتباطًا وتشخيصًا للواقع الاجتماعي العُماني وأكثر قدرة على التعبير عن الطموحات المُجتمعيَّة، وتوجيه التحوُّلات المُجتمعيَّة في صناعة الفارق.
د. رجب بن علي العويسي

