كما هو الحال في سائر بلدان العالم تقوم الدنيا ولا تقعد أثر صدور القرارات الرسمية غير المدروسة، خاصة تلك التي تلامس الواقع المعيشي للناس الآخذ في التخشن والتخوشن ، ولله عاقبة الأمور..
كذلك هو الحال تماماً في بلادنا العزيزة عمان، فقد قوبلت الكثير من القرارات الرسمية بالتذمر وعدم الرضا، ولن يكون أخيراً بيان وكيل وزارة العمل الجديد الذي دعا فيه إلى فك الارتباط بين الأجور الوظيفية والمؤهل التعليمي، ففُهًمَ ضمنياً أنه تهميش صارخ للشهادة الدراسية، وهضم لحقوق الدارسين، وكفاحهم الطويل من أجل الحصول على مؤهل دراسي يحقق لهم مستقبلاً أكثر إشراقاً وبهجةً..
فأثار ذلك البيان حفيظة الشارع العماني بمختلف طوائفه ونخبه الشعبية، باعتباره سطّح العلم والمتعلمين الذين لا ذنب لهم في ضعف المخرجات التعليمية، فهم درسوا وفق الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة، وهي في أمس الحاجة للمراجعة والتصحيح، من بداية التصنيف الدراسي ووصولاً إلى مخرجات الكليات والجامامعات، وكذلك المعاهد التدريبة التي قام معظمها على أهداف ربحية محظة، على أن يتم التركيز على الكيف التعليمي والتدريبي، وليس الكم عند مراجعة وتحديث هذه المنظومة الهامة ..
وكان بالإمكان أن يُستقبل ذلك البيان بالقبول والإنشراح لو أُحسن نُضجه، وجعله قائماً على منهجية التراضي بين الباحث عن العمل وصاحب العمل، وللأول الحق في المنافسة على فرص الأعمال المستجدة ، دون ضرورة لربط المؤهل الدراسي بالدرجة الوظيفية، أو تحديد سقف للراتب، بحيث تبقى الوظيفة التي قنع بها الباحث عن عمل (وظيفة مؤقتة) إلى حين الحصول على فرصة عمل مقنعة، فذاك أجدى من جلوسه في البيت يضرب أخماساً في أسداس، وبالمقابل يستطيع صاحب العمل الحكم على قدرات الموظف المؤقت، فلربما وجده مؤهلاً للترسيم براتب وحوافز مجزية..
ولعمري ما كانت تلك البلبلة الشرسة لتحدث لو أن ذلكم القرار درس من قبل مختصين في تشخيص القرارات الرسمية، الأمر الذي يلح علينا بالمطالبة بإنشاء هذا المركز، ورفده بكفاءات احترافية مهمتها دراسة مشروع القرار الرسمي قبل إقراره من مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والدينية، وتقصي تأثيراته الإيجابية والسلببة..
وحينها سيخرج القرار الرسمي ناضجاً وشهياً ومتقبلاً، شبيهاً بقرص الخبز الخارج لتوه من التنور أو الفرن وقد استوى وأصبح جاهزاً للآكلين..
إن إنشاء مركز لدراسة وتشخيص القرار الرسمي من ذوي الخبرة والحنكة والكفاءة، وأرى من وجهة نظري القاصرة أن تكون تابعيته لمكتب جلالة السلطان مباشرة وذلك لإعطاءه القوة الرسمية، وتمكينه من تحقيق ثماره المرجوة بإذن الله تعالى وتوفيقه، ولربما يُغني مستقبلاً عن وجود مجلسي الدولة والشورى، وتوفير موازنتهما المرهقة لأمور أهم وأجدى وأنفع، بعدما أثبتت الوقائع الماضية عدم قدرة المجلسين على التعاطي مع مطالب مسيرة الوطن والمواطن ، والله من وراء القصد .
ناصر بن مسهر العلوي








