
عمّان، في 16 نوفمبر/ العمانية/ وُلدَت فكرةُ كتاب “مقاربات بلقانية عن القدس خلال
الحكم العثماني” في سراييفو، التي تشتهر باسم “القدس الأوروبية”، في صيف 2019،
خلال جلسة جمعت د.محمد موفاكو الأرناؤوط بأستاذ الدراسات العربية في جامعة
سراييفو د.منير مويتش.
وكان المحرك لفكرة الكتاب وجود عدد من الدراسات العربية في البلقان التي تتناول
العلاقات اللغويّة والأدبيّة والثقافيّة والتاريخيّة. فاتُّفق على إنجاز مشروعين، يدور الأول
حول العلاقات الثقافيّة التاريخيّة، تكون القدس محوره، وهو ما يمثله هذا الكتاب، أما
الثاني فيشمل مقاربات بلقانيّة عن الأدب العربي، يكون الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني
محوراً له، وهو قيد الإنجاز.
ويضم الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان، دراسات لأكاديميين من
دول البلقان (البوسنة وكوسوفو وصربيا وكرواتيا)، من بينهم: إ. دويموشيتش، وأ.
فوتيتش، وم. مويتش.
وبحسب الأرناؤوط، فإن الرحّالة ناصر خسرو يعدّ من أوائل الذين كشفوا عن الصلة
العميقة بين القدس وأهل البلقان من مسلمين ومسيحيين في رحلته “سفر نامه” إلى القدس
في طريقه إلى الحج؛ فخلال وجوده في القدس في شهر مارس 1047م، توقّف عند كنيسة
القيامة ليوضّح أن “لها عندهم مكانة عظيمة ويَحجّ إليها كل سنة كثير من بلاد الروم”.
ويجد الأرناؤوط عند الرحّالة ابن جبير صورة أوضح عن التدفق الأرثوذكسي إلى القدس
لأداء الحج. فعندما همّ ابن جبير بركوب السفينة في عكا للعودة إلى بلاده يوم السبت 6
نوفمبر 1184م، شاهد فيها “أزيد من ألفي إنسان من النصارى المعروفين بالبلغاريين”.
ويضيف الأرناؤوط: “إذا كان هذا يتعلق فقط برحلة واحدة للمسيحيين من بلغاريا، فيمكن
أن نقدّر حجم الأعداد التي كانت تأتي أيضاً من روسيا وبلغاريا ورومانيا وغيرها. وقد
حرصت الكنائس الأرثوذكسيّة من أوروبا الشرقيّة على إقامة الاستراحات وبناء الأديرة
في القدس وجوارها؛ لتقديم المساعدات للحجاج القادمين من تلك البلدان”.
ويرى الأرناؤوط أن هذه الصلة بالقدس انعكست على واقع مدينة سراييفو خلال قرون
الحكم العثماني، إذ أصبحت تجمع الطوائف والأديان تحت لوائها. وكان ذلك حصيلة
التغيرات المتسارعة في أوروبا في نهاية القرن الخامس عشر مع وصول الفتح العثماني
إلى ساحل البحر الأدرياتيكي وسقوط آخر إمارة للمسلمين في الأندلس. فقد تزامن ذلك مع
تأسيس نواة سراييفو حاضرةً جديدة سرعان ما تحوّلت إلى مركز لولاية البوسنة، وعندما
طُرد اليهود من الأندلس لم يجدوا ترحيباً في أوروبا سوى لدى الدولة العثمانيّة. وهكذا
أصبحت سراييفو بالتدريج “قدس أوروبا”، بعد أن أصبح اليهود القادمون إليها جزءاً من
نسيجها العمراني والثقافي.
أما بالنسبة لعلاقة المسلمين البلقانيين بالقدس، فيرى الأرناؤوط أن الإسلام انتشر في
البقان مع الفتح العثماني لها الذي بدأ في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، وأصبح
المسلمون يتوجهون في طريقهم للحج إلى القدس، سواء لبدء الإحرام من المسجد
الأقصى، أو لـ”تقديس الحج”، أيْ ختم الحج بزيارة القدس بوصفها أولى القبلتين وثالث
الحرمين عندهم. وكما هو الأمر عند المسيحيين، فقد كان الحج للمسلمين أيضاً فرصة
للتجارة؛ ذلك أن طريق الحج وقافلة الحج يوفران الأمن للتجارة.
وشمل الكتاب دراسات عن علاقات دول وشعوب الأرثوذكس والكاثوليك والمسلمين في
البلقان بالقدس بوصفها الجامع المقدس بين هذه الديانات.
يذكر أن محمد موفاكو الأرناؤوط مؤرخ كوسوفي معني بالعلاقات البلقانية-العربية خلال
التاريخ الوسيط والحديث، يعمل مديراً لمعهد الدراسات الشرقية في كوسوفو ويرأس
تحرير مجلة “دراسات شرقية” التي تصدر عن المعهد. من مؤلفاته: “الثقافة الألبانية في
الأبجدية العربية” (1983)، “تاريخ بلغراد الإسلامية” (1987)، “معطيات عن بلاد الشام
الجنوبية في نهاية القرن السادس عشر- وقفية سنان باشا” (1993)، “مداخلات عربية–
بلقانية خلال التاريخ الوسيط والحديث” (2000)، “البلقان من الشرق إلى الاستشراق”
(2014)، “من التاريخ الحضاري لبلاد الشام خلال القرون الأولى للحكم العثماني”
(2019)، و”البوسنة والهرسك خلال الحكم العثماني” (2019).
/العمانية /174








