الإمام يحيى بن معين.. رائد علم الجرح والتعديل

رسم لنا علماء الحديث وبخاصة علماء الجرح والتعديل، طريق التثبت في قبول الروايات على أتم وجه وأكمل صورة، بالنظر إلى أن علم الجرح والتعديل من أدق علوم الحديث وأدقها مسلكاً، وفي الحديث عن إمام هذا العلم، يبين لنا المجهود الكبير المبذول في الوصول إلى حقيقة الأمر في ما كان عليه رواة الحديث بخصوص توفر شروط الرواية فيهم من عدمها، وعلماء الجرح والتعديل اتسموا بالعدل والإنصاف مع من وافقهم، ومع من خالفهم ، فلم يدعوا مجالاً للأهواء وحظوظ النفس أن يكون حاضراً في أحكامهم على رواة الحديث، ويعد محور شخصيتنا الإمام يحيى بن معين من مؤسسي هذا العلم الجليل، لامتيازاته الكبيرة عن باقي علماء الحديث في تفرعاته من علوم وفنون أصيلة إن كان فقهاً أو مصطلحاً وغير ذلك.

قبل الخوض في غمار شخصيتنا، لا بد من بعض التوضيحات التي تتعلق بهذا العلم الجليل، الذي يؤكد مرة جديدة، أن الدين الإسلامي، هو الدين الذي شمل مفاصل الحياة كلها، بما فيها الأمانة العلمية في النقل، عن القدماء بضوابط شرعية تحولت إلى أدوات أكاديمية تفنّن بها كل مختص قديماً وحديثاً، ومما لا شك فيه أن جرح الرواة وتعديلهم يخضع لميزان دقيق لم يوجد له نظير، خاصة لجهة وضع الضوابط الدقيقة في قبول الجرح والتعديل الصادرين في حق رواة الحديث، إن كان في مسألة الصفات المعتبرة في الجارح أو المعدّل، وفي الصفات المعتبرة في الجرح والتعديل، وأيضاً الضوابط التي تتعلق بمنهجية الترجيح بين الجرح والتعديل عند التعارض، بالتالي هذه العملية لا يقوم بها إلا الجهابذة من العلماء وممن اتصفوا بالإيمان العميق والتجرد التام عن الهوى وحظوظ النفس، يقول الإمام النووي في هذا الصدد: (ثم على الجارح تقوى الله تعالى في ذلك، والتثبت فيه والحذر من التساهل بجرح سليم من الجرح أو نقص من لم يظهر نقصه، فإن مفسدة الجرح عظيمة، فإنها غيبة مؤبدة مبطلة لأحاديثه مسقطة لسنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورادّة لحكم من أحكام الدين)، بالتالي، للجرح والتعديل رتبة رفيعة لا ينالها إلا كل من اتصف بالعدالة، أول لبناتها أن يكون عدلاً ومن بعد ذلك تأتي بقية الشروط، وممن تنطبق عليهم تلك الشروط، محور موضوعنا اليوم، إمام الجرح والتعديل، يحيى بن معين.

من الخصائص التي تميزّ بها الفكر الإسلامي وشريعته وعلومه، موضوع الإسناد، وهو جزء من المنهج الذي اتبعه المحدّثون في النقل عن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودعامة أساسية في علوم الحديث، ثم أصبح سمة مهمّة في شتى العلوم الإسلامية، يكاد لا يخلو فن من فنون العلم من الاعتناء به؛ لأنه طريق معرفة مصدر المعلومة، ومدى مصداقيتها؛ لذا عني به العلماء سابقاً ولاحقاً، وعدّوه من الدين؛ فبذلوا في ذلك جهوداً كبيرة، فالسند في اللغة: ما ارتفع من الأرض، والسند في الاصطلاح: هو طريق متن الحديث، وهو “سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحداً عن الآخر، حتى يبلغوا به إلى قائله”، بالتالي، يكون الإسناد: هو حكاية طريق متن الحديث، وهو مصدر من قولك أسندت الحديث إلى قائله، حيث أن أهمية الإسناد تكمن في معرفة  صحة الخبر وضعفه؛ فإن كان السند ضعيفاً حكموا بضعفه، وإن كان صحيحاً حكموا بصحته، وتتضح أهمية الإسناد من العناية الكبيرة منذ فترة مبكرة من بزوغ فجر الإسلام، بداية من عهد الصحابة والتابعين، في شتى العلوم، وهذا المنهج اختص به العلماء المسلمون دون غيرهم، إمعاناً في التحري وزيادة في التثبت، وهذا يعطي النص المنقول زيادة في القوة ومصداقية في القبول؛ فنجد الصحابة والتابعين يرحل أحدهم إلى أماكن بعيدة، للتأكد من صحة خبر منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، طلباً للعلو في الإسناد، وتثبتاً من الراوي الذي يروي ذلك الخبر، لذا اهتم العلماء من بعدهم بالإسناد، واتخذوه منهجاً، أحكموا به رواية ما ينقلونه، وعدّوه من الدين.

والإمام يحيى بن معين من أبرز علماء الإسلام الذين خاضوا هذا المضمار، من خلال تصديه لنقد الرجال وبيان أحوالهم، وجمعه من العلماء الأفذاذ، والنقاد الملهمين، فلقد کان رحمه الله من أبرز أئمة علم الرجال جرحاً وتعديلاً واهتماماً بالإسناد واعتناءً به، فقد بلغ بن معين بالمعرفة برجال الأثر مبلغاً كبيراً لا مثيل لأحد له فيه، وهذا ليس بكثير على رجل جال البلاد لأجل هذه الغاية بحثاً عن الحديث وفحصاً لرجاله، إذ كان اهتمامه بالحديث متوناً  ورجالاً، كتابةً وحفظاً، حلّاً وترحالاً، ولعل من أهم أسباب نبوغه، العلمي قوة حافظته، فقد كان أعجوبة في الحفظ، مما جعله مقدماً عند أهل زمانه، وهذا الحفظ القوي الذي تميز به ابن معين وعرف به، إنما اكتسبه من شيوخه، الذين أخذ منهم وتأثر بهم، ومن شدة حفظه للحديث وضبطه للروايات، كان ابن معين إذا حدث بحديث مغلوط، شدد العبارة على الراوي المخطئ، وذلك من غيرته على السنة النبوية أن يدخل فيها ما ليس منها، كان يحيى كثير المذاكرة للحديث، يدل على ذلك شهادة من ذاكره بمعرفته، حديثه معرفة تامة يستدل بها على موضع مروياته متى شاء، قال علي بن المديني: كنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا في الشيء فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيخرجه ما كان أعرفه بموضع حديثه.

ومما لا شك فيه أن للبيئة والأسرة والعصر الذي عاش فيه أي عالم، مكانة مهمة في صقل شخصية ما، فكيف كانت بيئة الإمام يحيى بن معين والأسرة والرحلة التي بدأها في هذا العلم الجليل؟

الإمام يحيى بن معين، هو و الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام، (158 هـ)، ولد بقرية قرب الأنبار العراقية، وكان والده من نبلاء الكتّاب، فكان كاتباً لعبد الله بن مالك، ثمّ ولي على خراج الري، نشأ ابن معين  ببغداد، وكان في فترته علماء كبار منهم علي بن المديني، وأحمد بن جنبل، وإسحق ن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم، عكف الإمام يحيى بن معين على تدوين الحديث، وكان والده، قد ترك له ثروة هائلة أنفقها كلها في طلب الحديث، ومن المعروف عنه أنه كان حسن السيرة، عابداً زاهداً، محتاطاً جداً في الحكم على الرجال، كان ابن معين رحمه الله من أئمة الجرح والتعديل، وكان من عناية هؤلاء الأئمّة أن يجمعوا حصيلة بحثهم ودراستهم عن الرجال فيفردون للثقات كتباً كما يفردون للضعفاء كتباً أخرى، ولم تكن هذه الكتب تعني مجرد جمع الأخبار وتصنيفها، إنّما هي أحكام في غاية الدّقة والتمحيص الشديد والتحري الزائد، إذ كانوا يراقبون الله في كل لفظة أو إشارة مخالفة أن يجرحوا عدلاً أو يوثقوا مجروحاً، فإذا كان حال الراوي يتضح بوصف اكتفوا به ولم يضيفوا إليه آخر، وهذا هو الذي أدى إلى هذا الإختصار الشديد في تراجم الرجال بين الطبقة المتقدمة خاصة.

إذاً، ابن معين كان متخصصاً في حفظ الأسانيد ومعرفة الرجال، لا يكاد يقدم عليه أحد في ذلك، قال عمرو الناقد: (ما كان في أصحابنا أحفظ للأبواب من أحمد بن حنبل ولا سرد للحديث من ابن الشاذكوني ولا أعلم بالإسناد من يحيى ما قدر أحد يقلب عليه إسناداً قط)، فقد كان إمام المحدثين متعطشاً لنيل علم الحديث والاستزادة منه، فمع قوة الحافظة التي يملكها، كان كثير الكتابة حتى أصبح مضرب المثل في كثرة الكتابة، فقد كان يكتب كل شيء، فربما كتب الحديث الواحد أكثر من خمسين مرة، وهذا ساعده كثيراً على حفظ العلم، فهو يكتب جل علومه التي أخذها عن شيوخه ويكثر من تكرار كتابتها، حتى إذا نسي شيئاً منها أو شك رجع إلى كتبه متى شاء، فكانت علومه مكتوبة عنده ومحفوظة، وكان يحرص على كتابة كل حديث لا يعرفه، حتى يعرف صواب الراوي فيه من غلطه، قال يحيى بن معين: (صاحب الانتخاب يندم، وصاحب النسخ لا يندم)، وكثرة الكتابة أنتجت عنده يحيى ملكة وخبرة بأحاديث البلدان، ولذلك كان يصف بعضها بوصف دقيق، كوصفه كثرة انتشار الكذب في الحديث ببغداد، بقوله: (ما رأيت الكذب أنفق منه ببغداد)، وعلق الخطيب البغدادي على ما قاله بن معين: (إن: ما قال يحيى هذا القول تنبيهاً على أن البغداديين أرغب الناس في طلب الحديث وأشدهم حرصاً عليه وأكثرهم كتباً له، وليس يعيب طالب الحديث أن يكتب عن الضعفاء والمطعون فيهم، فإن الحفاظ ما زالوا يكتبون الروايات الضعيفة والأحاديث المقلوبة والأسانيد المركبة لينقروا عن واضعيها ويبينوا حال من أخطا فيها..).

ومما يوضح لنا كثرة كتابة الحديث عند يحيى ما ذكره أحمد بن عقبة وغيره حيث قال: سألت يحيى بن معين كم كتبت من الحديث يا أبا زكريا؟ قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث. قال أحمد: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف، لكن ومع الكم الهائل الذي كتبه ابن معين من الأحاديث إلا أنه لم يحدث إلا بالقليل، ومن أسباب نبوغه في الحديث، كثرة شيوخه في أخذه للحديث، فلا تقر عينه  إلا بسماع الحديث من عدة شيوخ ولو كثروا، وهذا الأمر جعله مقدماً على غيره، في بيان الخطأ من الصواب في الحديث، بل وتحديد مكان الخطأ هل هو من شيخ ابن معين أو من شيخ شيخه، الأمر الذي جعل من هذه المنهجية مدرسة يتعرف بها المحدثون على أخطاء الشيوخ، وكثرة أخذه عن الشيوخ أفادته كثيراً في التمييز بين الرواة، ومعرفة المقدم منهم عند الاختلاف على الشيخ، وهذا أمر معلوم وظاهر في سيرة ابن معين، فقد كان صابراً في أخذه للحديث وصابراً أكثر على كتابته فكانت له الإمامة في ذلك والتميز والنبوغ.

من هنا، إن بن معين كان يملك من الحديث الكثير، وكان واسع العلم والاطلاع فيه، فقد كان مرجعاً في معرفة الأحاديث والرجال، حتى شهد له العلماء بأن الحديث الذي لا يعرفه يحيى فليس بحديث، وهذا النبوغ العلمي إنما جاء بعد سنين طويلة في حفظ الحديث وكتابته، والصبر على الشيوخ في الأخذ منهم، مع كثرة الإنفاق على العلم في الرحلات وغير ذلك، الأمر الذي كون عند ابن معين ملكة علمية قوية في نقد الأحاديث والرجال، وهذا العلم الواسع الذي وهبه االله لابن معين في الحديث، كان من أهم أسباب تحصيله أنه كان يفيد به أهله، فبارك االله له في ذلك العلم، قال جعفر بن عثمان الطيالسي: سمعت يحيى بن معين يقول: أول بركة الحديث إفادته، كل هذه العوامل تعود إلى شخصية إمام المحدثين الفذة فلا يقبل الضعف ولا الهوان، بل كان قوياً في تعامله مع من حوله، ولذلك كانت له مهابة عند شيوخه وطلابه، وكان لا يعجبه شخصية المحدث الضعيفة، بل كان يذم ذلك وينصح بالقوة في التحمل والأداء، وفي هذا الصدد قال: (ويل للمحدث إذا استضعفه أصحاب الحديث قلت: يعملون به ماذا؟ قال: إن كان كودنا سرقوا كتبه، وأفسدوا حديثه وحبسوه وهو حاقن حتى يأخذه الحصر ٕ فيقتلوه شر قتلة، وان كان ذكرا استضعفهم وكانوا بين مره ونهيه، قلت: وكيف يكون ذكرا؟ قال: يعرف ما يخرج من رأسه).

لقد بنى الإمام بن معين علمه لبنة لبنة، وتكونت عنده المعرفة العلمية المنهجية الدقيقة، التامة بأحوال الرواة حتى أصبح إماماً في الجرح والتعديل ومن كبار الحفاظ، وقد شهد العلماء له بالتقدم والإمامة في الحديث وعلومه، قال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن أبي شهاب وعمرو بن دينار، فالتثبت أحد أهم أسباب نبوغ منهج ابن معين في نقد الحديث، فقد كان كثيراً ما يتثبت من أحاديثه، حيث أنه كان يخشى الخطأ في مروياته التي أخذها، فكان يسهر الليل في حفظه وتثبيته، حتى يطمئن أنه حفظه، واللافت فيه، أنه ما كان يأخذ حديثاً عن شيخ لا يحفظ الحديث، وهذا أمر طبيعي فقد كان منهجه في الجرح – مع تشدده- لا يخضع لهوى، ولا يقصد به الشهرة أو التحامل، بل كان يحب الستر والنصح قبل كل شيء، متجرداً عن أي أمر دنيوي يحمله على الجرح والطعن في الرواة، لذلك كان لأحكامه منزلة واعتبار مهم عند العلماء، فكان من أبرز شيوخه ابن المبارك، وسفيان بن عيينة، وغندر، وأبي معاوية، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى القطان، وابن مهدي، وعفان، وشيوخ من دول أخرى كالشام ومصر والحجاز، وأما تلامذته، فأصبحت نجوماً أضائت في سماء العلوم الإسلامية مثل أحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد وأبو خيثمة، وهناد بن السري، وعدة من أقرانه، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وعباس الدوري، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.

فقد كان ثناء الأئمة عليه كثيراً، قال النسائي: أبو زكريا يحيى بن معين الثقة المأمون أحد الأئمة في الحديث، وقال الخطيب: وكان إماماً ربانياً عالماً حافظاً ثبتاً متقناً، وهذا أمر طبيعي أن يحظى بشهادات كبيرة من علماء كبار، وهو الذي قضى حياته مرتحلاً طلباً للحديث، فقد ارتحل إلى الحجاز واليمن، ثم رجع إلى البصرة والكوفة والشام ومصر، فكانت عقيدته عقيدة أصحاب الزمان الذي عاش فيه، فقد كان من العلماء البارزين زمن الخلافة العباسية، لكن ربما أجمل ما قاله يحيى بن معين، (بيت خالٍ وإسنادٌ عالٍ)، فقد كان رقيق الطباع يتأثر عند وعظه وتعمقه في كلام الله تبارك وتعالى، ولعل وفاته في المدينة المنورة خير دليل على قوة إيمانه، حيث دفن في البقيع (233 هـ)، إلى جانب الأتقياء والأنقياء.

من هنا، إن الحديث النبوي هو بمثابة القرآن في التشريع من حيث كونه وحياً أوحاه الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث والسنة مرادفان للقرآن في الحجية ووجوب العمل بهما، حيث يستمد منهما أصول العقيدة والأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات بالإضافة إلى نظم الحياة من أخلاق وآداب وتربية، وقد سخّر الله تبارك وتعالى أئمة لهم الفضل في مدنا بالصحيح وإعلامنا بالسقيم، فمنهجيتهم خالدة أبد الدهر، وهي مدرسة متكاملة إن لم ننهل منها العلوم الإسلامية خاصة فيما يتعلق بعلوم الحديث، فهناك إيمان منقوص أو جهل مريض، وكلاهما مشكلة، وأما إمام المحدثين يحيى بن معين، خير علمائنا موروثاً، وأقواها منهجية إلى يومنا هذا.

عبدالعزيز بن بدر القطان – كاتب ومفكر/ الكويت.

زر الذهاب إلى الأعلى