د. صالح بن عبدالله الخمياسي
تحتفي المؤسسات في 20 مايو من كل عام بـ اليوم العالمي للموارد البشرية تقديرًا للدور الذي تؤديه الموارد البشرية في تطويرالإنسان وتعزيز كفاءة المؤسسات. فلم تعد الموارد البشرية مجرد وظيفة إدارية تُعنى بالتوظيف والإجراءات الروتينية، بل أصبحت شريكًا استراتيجيًا في صناعة القرار، وتطوير الكفاءات، وقيادة التغيير، وبناء بيئات عمل أكثر استدامة وابتكارًا، بما يعزز جاهزية المؤسسات لمتغيرات المستقبل.
وعند استحضار الذاكرة والعودة إلى الماضي، فإن المتتبع لتطور مجال الموارد البشرية يلاحظ تدرجها من بدايات متواضعة اقتصرت على الجوانب الإدارية البسيطة، إلى واقع جعل لها مكانة راسخة على طاولة صنع القرار داخل المؤسسات. خلال هذه الرحلة، شهد هذا المجال، كسائر التخصصات، تحولات عميقة وتطورات متسارعة، تفاعلت مع مستجدات البيئة المحيطة وإيقاع العصر المتغير، وما أفرزه الطموح البشري من تحديات وإبداعات وتجديد مستمر في المفاهيم والممارسات.
وبالعودة للوراء نجد أنه خلال الثورة الصناعية، كان يُنظر إلى الإنسان باعتباره عنصر إنتاج داخل المصانع، قبل أن يبدأ تطور الفكر الإداري مع الإدارة العلمية بقيادة فريدريك تايلور، الذي أسس لمبادئ الكفاءة والإنتاجية من خلال دراسته المنظمة للعمل وقياسه علميًا.
ثم جاءت مدرسة العلاقات الإنسانية بقيادة إلتون مايو عبر تجارب هوثورن، لتحدث تحولًا جذريًا في الفكر الإداري بإضافة البعد الإنساني، مؤكدة أن العامل ليس آلة بل إنسان له احتياجات نفسية واجتماعية تؤثر في أدائه، وأن العلاقات داخل بيئة العمل والرضا الوظيفي عوامل أساسية في رفع الإنتاجية.
لقد تلى ذلك المدرسة السلوكية التي عمّقت فهم الدوافع الإنسانية وسلوك الأفراد داخل المنظمة، ثم جاء التحليل الكمي الذي أدخل الأساليب الإحصائية والنماذج الرياضية في اتخاذ القرار بدلًا من الاعتماد على الحدس.
اما نظرية النظم فقد نظرت إلى المؤسسة ككيان مترابط تتفاعل فيه الأجزاء المختلفة، في حين جاءت نظرية الطوارئ لتأكدعدم وجود أسلوب إداري واحد يصلح لكل الظروف، وأن الفعالية تعتمد على طبيعة الموقف والسياق.
ومع استمرار التطور، انتقل الفكر إلى إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية، حيث أصبح يُنظر إلى الموظف كأصل استراتيجي يساهم في تحقيق الميزة التنافسية، وتوسعت مفاهيم الموارد البشرية لتشمل القيادة والثقافة المؤسسية وتجربة الموظف وإدارة المواهب.
ومع تسارع التحول الرقمي وظهور الذكاء الاصطناعي، دخلت الموارد البشرية مرحلة تطورً يعتمد على التحليلات الذكية والأتمتة وإعادة تصميم الوظائف، مع التركيز على تنمية مهارات المستقبل، حيث لم يعد النجاح قائمًا على الكفاءة التقنية فحسب، بل على مزيج من المهارات الرقمية والإنسانية مثل الإبداع والذكاء العاطفي والقيادة والقدرة على التكيف.
كما أن تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي تشير إلى أن سوق العمل العالمي يشهد تحولًا جذريًا بفعل تطور الذكاء الاصطناعي، حيث تتراجع الوظائف الروتينية مقابل نمو وظائف جديدة قائمة على البيانات والتقنية، مما أدى الى تزايد أهمية المهارات التحليلية والإبداعية والإنسانية، إضافة إلى ضرورة التعلم المستمر وإكتساب المهارات، وتوسع أنماط العمل المرن والهجين والعمل الحر. وبذلك يتجه مستقبل العمل نحو بيئة أكثر رقمية ومرونة، تقوم على التكامل بين التقنية والمهارات الإنسانية كأساس للنجاح والاستدامة المهنية.
وإذا ما سلّطنا الضوء على واقع الموارد البشرية في سلطنة عُمان، نجد أنها شهدت تطورًا متدرجًا ومتكاملًا تزامنًا مع مسيرة النهضة الحديثة، حيث بدأت بمرحلة بناء الكفاءات الوطنية وتأسيس البنية المؤسسية، ثم انتقلت إلى مرحلة التعمين والتنمية البشرية التي ركّزت على تمكين الكفاءات العُمانية وإدماجها في سوق العمل، وصولًا إلى مرحلة التحول الرقمي التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ رؤية عُمان 2040، والتي جعلت الإنسان محور التنمية وأساس الاقتصاد المعرفي المستدام.
في هذا السياق، يبرز دور الجمعية العُمانية لإدارة الموارد البشرية كإحدى الجهات المهنية الداعمة لهذا التطور، من خلال الإسهام في بناء مجتمع مهني متخصص، ونشر أفضل الممارسات العالمية في مجال الموارد البشرية، وتأهيل وتطوير الكفاءات الوطنية، إضافة إلى تعزيز جاهزية المؤسسات لمتغيرات سوق العمل، بما يواكب التحولات العالمية في إدارة رأس المال البشري ويعزز استدامة التنمية المؤسسية في السلطنة،
وعلى المستوى العالمي، تسهم مؤسسات مهنية رائدة مثل جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM)، وجمعية تطوير المواهب (ATD)، والمعهد المعتمد للأفراد والتنمية (CIPD) و غيرها من الجمعيات في تطوير معايير المهنة، وترسيخ ثقافة التعلم المستمر، وإعداد القيادات، وتعزيز مفاهيم الابتكار والمرونة والاستدامة داخل بيئات العمل الحديثة.
ولا يمكن فصل هذا التطور المهني عن القيم الإنسانية والأخلاقية العميقة التي تؤكدها الرؤية الإسلامية لمفهوم العمل والإنسان، حيث يُنظر إلى الإنسان في القرآن الكريم باعتباره مخلوقًا مكرمًا ومستخلفًا في الأرض، لا مجرد أداة إنتاج، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وفي مبدأ الاستخلاف الذي يربط العمل بمعنى الإعمار والمسؤولية. كما يرسّخ الإسلام قيمة الإتقان في العمل، كما قال النبي ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”، ويؤكد كذلك على العدل في الحقوق والفرص، والرحمة في القيادة، والشورى في اتخاذ القرار، مما يشكل منظومة أخلاقية لإدارة الموارد البشرية ترتكز على التكريم، والأمانة، والعدل، والإتقان، والرحمة، وهي قيم تجعل من إدارة الموارد البشرية ممارسة إنسانية شاملة تهدف إلى بناء الإنسان، وترسيخ قيم العمل المسؤول والهادف داخل بيئات العمل المعاصرة. إن الاحتفاء بالموارد البشرية هو احتفاء بالإنسان أولًا، وبكل من يسهم في تمكين الطاقات، وبناء ثقافة عمل إيجابية، وقيادة المؤسسات نحو مستقبل أكثر جاهزية واستدامة. ومع كل تطور تقني أو تنظيمي، يبقى الإنسان هو المحور والأساس، والثروة الحقيقية لأي وطن أو مؤسسة.
ومن هنا، فإن على المؤسسات في مختلف أرجاء وطننا العزيز أن تقف وقفة تأمل ومراجعة لتتساءل: كيف تعاملت وتتعامل مع مواردها البشرية؟ وهل تنظر إليها فعلًا بوصفها رأس مال بشريًا تُقدَّر قيمته وتُثمَّن إنجازاته، أم أن الاهتمام يذهب أحيانًا لفئة محددة على حساب الكفاءة وتكافؤ الفرص وفتح المجال أمام الآراء المختلفة والأصوات التي تتطلع إلى من يستمع إليها ويحتضن أفكارها.
كما يبرز في هذا السياق، دور الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان بوصفه أحد المرتكزات الوطنية التي تُعنى بالحفاظ على صوت الموظف، وتمكينه من التعبير عن التحديات التي يواجهها، وطرح ما يراه من حلول ومقترحات، بما يعزز ثقافة الحوار المؤسسي البنّاء. وهذا النهج في الحوار والتشاور يُعد امتدادًا لقيم راسخة في البيئة العُمانية، تتجلى في اللقاءات الوطنية والجولات السامية، وفي الاجتماعات التشاورية بين مجلس الدولة ومجلس الشورى، وكذلك اللقاءات السنوية التي تجمع أصحاب المعالي الوزراء بأعضاء مجلس الشورى، في صورة تعكس إيمان الدولة بأهمية الاستماع وتبادل الرؤى.
كما تمثل مبادرة “معًا نتقدم” نهجا حضاريًا للحوار المفتوح، يجمع الطلبة والموظفين والقيادات والمتقاعدين بأصحاب المعالي الوزراء و المكرمين أعضاء مجلس الدوله و كذلك أعضاء مجلس الشورى تحت مظلة وطنية واحدة، في مشهد يعزز روح الانتماء واللحمة الوطنية، ويفتح المجال لتبادل الأفكار والرؤى حول قضايا التنمية والعمل والمستقبل.
إن هذا الحراك الوطني، وما يصاحبه من تأكيد على أهمية تعزيز ثقافة الحوار، يرسّخ قناعة بأن القائد الناجح هو من يتسم بالتعاطف والوعي الإنساني، ويوازن بين متطلبات المؤسسة واحتياجات العاملين فيها. فالإدارة الرشيدة لا تلجأ إلى قرارات الفصل أو التقليص أو التسريح بشكل متسرع، قبل استنفاد البدائل الممكنة والحلول المتاحة لمعالجة التحديات، كما أنها لا تبحث عن تبريرات قائمة على ثغرات قانونية أو إجرائية، بل تنطلق من روح العدالة والمسؤولية الإنسانية.
ومن المهم كذلك أن تحرص المؤسسات على الاحتفاء بقصص نجاح موظفيها ومواهبها و تكريمهم، وأن تستثمر في تطوير مواردها البشرية وتمكينها، عبر توفير مسارات مهنية واضحة وعادلة تتيح للكفاءات فرص التنافس والنمو والتقدم. فالمؤسسات التي تبني صفوفًا قيادية مؤهلة، وتطبق قيمها بشفافية، وتترجم رؤيتها ورسالتها إلى ممارسات عملية، هي الأقدر على تحقيق التميز والاستدامة، وصناعة فرق عمل متماسكة تعزز الولاء المؤسسي وترفع من مستويات الأداء والإبداع. هكذا يكون الإحتفاء باليوم العالمي للموارد البشرية حدث يرتقب ووقفة تأمل يجني ثمارها الجميع.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية.








