تميّز القرن العشرين بسمات متناقضة ومزايا خاصة، إبتعد فيها كثيراً عن التي عرفتها البشرية في تطورها السابق، مثل التقدم الكبير في مختلف ميادين العلم والثقافة وفي وسائل الإتصال والمواصلات كالطيران والتلفاز والمعلوماتية وسائر العلوم الأخرى في ميدان الطب والهندسة الوراثية والفلك وغيرها.
وسجل القرن العشرين لأول مرة، أعظم المنجزات العلمية في تاريخ البشرية المعروف، كغزو الفضاء وهبوط أول إنسان على سطح القمر ونقل معلومات هامة عن المجرات والكواكب الأخرى، لم يكن الإنسان القديم على علمٍ بها، واستطاع كشف أسرار البحار والمحيطات وما تختزنه من ثروات وما تحويه طبقات الأرض من معادن وإكتشاف الطاقات والأشعة غير المرئية والكثير غير ذلك.
وبالتالي إن الكرة الأرضية التي نعيش عليها أصبحت قرية صغيرة في هذا الكون الفسيح، وأمام هذه الصورة المشرقة، تلوح أخرى كالحة، حيث تنامت في القرن العشرين مواكب البائسين والجائعين والتعساء والمجاعات والنزاعات المدمرة والأزمات الإقتصادية الكبرى والتفجر السكاني والتحولات الخطيرة في الأيديولوجيات والأنظمة والأفكار، إضافة إلى حوادث الإبادة الجماعية والحروب الأهلية والطائفية والعرقية والأوبئة الجديدة التي تؤرق البشرية إلى يومنا هذا.
لكن ومع ذلك برزت أفكار جديدة وطروحات كثيرة حول حقوق الإنسان لا سيما بعد التغييرات الكبيرة التي حصلت في مطلع العقد الأخير من القرن العشرين وإختفاء النظام الشيوعي في كتلة كبيرة من العالم، ومن هذه الأفكار والنظريات التي تم تداولها عالمياً ما يسمى بفكرة الجيل الثالث لحقوق الإنسان في إطار المرحلة البنيوية لتطور الأمم المتحدة في هذا المجال.
هذه المرحلة أعقبت مرحلتين جرى التركيز في بدايتها على حقوق الإنسان، ففي بداية ستينيات القرن العشرين، ربطت حقوق الإنسان بحقوق الشعوب، ومع إنتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وتلمس العالم لنظام عالمي جديد لم تتضح معالمه بوضوح كبير.
فكل مرحلة من هذه المراحل تميزت بربط أعمال خرق حقوق الإنسان بالبنى والهياكل الإقتصادية والإجتماعية سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الدولي، والتي كان لها أثرها الكبير في تعزيز العنف المباشر وغير المباشر ثم محاولة التدخل في حياة الشعوب وتغير كثير من مفاهيم السيادة القديمة وإستمرار خلق أوضاع جديدة لم تكن متوقعة.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان







