اثناء مشيه بمحاذاة رصيف النهر لم يقطع استمتاع خالد بسماع نشيدة (الحياة حلوة) إلا صراخ شخص يغرق فقفز مباشرة سابحا نحوه وأنقذه ولم يكد يصل للرصيف حتى سمع شخصا آخر فعاد إليه وأنقذه ثم ثالث ثم رابع حتى أصابه الإعياء لهذه الحادثه المتكررة وقبل أن يعود للغارق الجديد إلتفت ناحية الجسر مصدوما برؤية مجنون يمسك بالمارة ويلقيهم في النهر.
أغلب اوقاتنا تضيع في تفاصيل عمليات (إنقاذ الغرقى) كصاحبنا خالد وهي حياة قائمة على ردات فعل لما حولنا من أحداث وهذا الإنشغال اللامنتهي ينسينا أبعاد الصورة الكبيرة التي نريد أن تكون عليها حياتنا وبذلك تستنزف طاقاتنا الذهنية والبدنية لتتساقط أيامنا كأوراق (البيذام) في أيام الخريف مما يجعلنا في حلقة مفرغة ندور فيها دون توقف ولا ندرك ذلك للأسف إلا بعد أمد بعيد. الصورة الكبيرة تعني رؤيتنا لأنفسنا في قادم الأيام وذلك لا يعني النظر للأمام فقط بس أشمل من ذلك وقد نشبه ذلك بسباق (فورملا السيارات) الذي يستلزم الفوز فيه الإنتباه لمن حولك من المنافسين ولمن قادمون خلفك ولمؤشراتك الحيوية والميكانيكية وليس مجرد القيادة للأمام.
كل ما يحدث لك الآن هو مما بدأ بالأمس وما تمر به الآن سيكون مؤثرا عليك في الغد فإصابتنا بالأمراض اليوم قد يكون من سوء الاهتمام الصحي بالأمس وابتعاد الآخرين عنك اليوم قد يكون لسلوكياتك التي كانت منك بالأمس والقصد في ذلك كله أن ما نحدده اليوم بشأن حياتنا سيكون له الأثر في الغد الذي سنعيشه – إن شاء الله – وغير ذلك هو تعامي وبحث عن شماعة نلقي اللوم عليها عندما لا تتحقق حياتنا التي نريد.
التعالي عن مصارحة النفس خوفا من (البرستيج) لن يذهب بك بعيدا وأفضل المسارات لتجد الصورة الكبيرة الخاصة بك هو مسار مواجهة نفسك أولا لتستخدم نقاط القوة فيها وتحيد من نقاط الضعف لديها وتضع خطتك التطويرية الذاتية لمشاكلك بعيدا عن المقولة الرائجة (خلها لبعدين ويحلها ألف حلال).
هذه المنهجية تعني أن تخرج من شرنقة منطقة الراحة – طبعا إن كنت جادا في احداث التفوق في نفسك – ومقولة (السفن أكثر أمانا في المرفئ ولكنها لم تصنع إلا لتمخر تلاطم أمواج البحر) والتي أراها تتردد كثيرا هذه الأيام في منصة (تويتر) هي وصف حقيقي لواقع الكثير منا والذي يتطلب وضع تصور للمراد الذي نريده لحياتنا ويستحق بذل كل ما نملكه من جهد للوصول إليه بدل أن نستنزف طاقتنا في أمور ثانوية مثل خالد الذي اصيب بالإعياء وهو ينقذ المتساقطين من الجسر.
محمد بن سيفان الشحي
١٥ ديسمبر ٢٠٢٠ م







