نشعر بشيء من الخدر يشل حواسنا ولا نرغب في شيء البتة، حالة من البلادة تنتابنا، وتجعل من رئتنا أكثر شراهة في استنشاق الفراغ لنتحول بعدها كبالون ممتلىء يوشك على الانفجار، كل شيء هنا مترهلا وشاحباً..
الشروع في مشاهدة فيلم (نتفلكسي) يشعرك بالرتابة والملل، الأفلام جميعها بائسة، والتفكير في مقارعة هاتفك، والدخول في حلبة تنافسية؛ للحصول على لعبة مجانية توصلك حتماً الى إدمان إلكتروني يصفها (النفساني) بأنها باب من أبواب الانتحار البطئ، والتفكير في تجديد برمجة جمجمتك بقراءة شيقة لكتاب محنط منذ زمن على أرفف مكتبتك العجوز، المكتسية بغبار أزمنة طويلة تصيبك بالزكام، وبالتهاب رئوي حاد يرديك مصاباً ولو بعد حين، وتتحول بعدها الى كوروني إلى أن يثبت العكس.
حتى الحديث مع صديق قديم طال غيابه هو رتابة من نوعاً آخر فلا يسعفك الوقت للحديث معه، عن آخر لقاء كان بينكما قبل عشرة أعوام أو أكثر ستحتاج لحظتها إلى عشر سنوات أخرى لتحدثه عن الأيام وماذا فعلت بك منذ أن افترقتما؟ وهذا بالتأكيد يحتاج إلى جهد مضني مع ذاكرتك المتوسدة علب (الإسبرين) حتى تستطيع أن تؤجل إنفجارها الوقتي في رأسك المتأرجح أعلى قمة جسدك.
والنوم الهادىء الذي يسميه البعض هروباً جميلاً ومتعمداً عن اليقظة التي تجلدك جلداً إن لم تستطع أن تكون صحواً وفي حالة تأهب (ميكروسكوبي) كمحاولة تجنب الاصطدام بعقل بشري آخر قد يلقي بحتفك لا محالة، هذه اليقظة الأن هي ألد أعدائك وهي قادرة على إفساد ملامحك وتحويلها إلى تضاريس متصدعة مع التواءات مزمنة يعجز الطب الحديث عن ترميمها بإبر(البوتكس، والفلير) فالنوم يا هذا لا يأتي إليك طواعية، ولا يأتي إليك كراهية، فإما أن يأتي أولا لتعيش مع اضطرابات النوم المزمنة هنا.. أنت فقط في انتظار نومتك الأزلية حتى تحين الساعة..
أصبح لا شئ يسيل لعابك لتعود مرحاً ومبتهجاً، حتى وإن أشغلت نفسك بتصفح (تويتري) فهذا يربكك أكثر، ويوصلك إلى التوتر الذي يجعلك على حنق دائم مع عالم افتراضي ينال منك من أول حديث غوغائي فاشل لتغلقه، ثم تعود تفتحه، ثم تعود تغلقه، حتى يأتي عليك الصباح وأنت لا زالت حنجرتك تصدح بلعنات يتعدى صداها قلبك المثقل.
ورائحة حقائب السفر الجديدة، التي فقدت معها حاسة الشم وتذكرة سفرك التي كانت لا تتوقف معها عدسة هاتفك في التقاط صور السلفي لتغيض بها كثيراً من الذين لا يتمنون لك معانقة مطارات العالم حتى وأنت حالماً متوسداً أحلامك الصغيرة، وسعيك الدؤوب لألتقاط صوراً تبقى لك ذخيرة تستعين بها لقضاء مأرب لغيضاً آخر ، الأن لم تعد تهمك على الإطلاق.
كل شيء أصبح باهتاً حتى صوت الكابتن الذي يحرضك على أن تتمتم بآيات القرآن التي حفظتها والتي لم تحفظها مستعيناً بمصحفك أو هاتفك لتكون رقيتك اليتيمة من الحتف المنتظر، صوته الذي لا يعرف أن يفرق بين المصاب (بفوبيا الطيران)، وبين المصاب (بهوس السفر)، ولا تلك المضيفة الجميلة التي تقف في منتصف الطريق بين (كابينة القبطان)، وبين (ذيل الطائرة) لتساعدك على التعلم السريع (لبروتوكول الموت الفضائي( التي لن تتركك إلا وأنت قد أنهيت قراءة الفاتحة على روحك المعلقة بين السماء والأرض ولا تدري بعدها هل سيصل جسدك المهترى الأرض التي أتيت منها ؟ أم ستكون الطعم الهزيل لحيتان البحر التي ستبحث لا محالة عن بقايا جسدك ذو النكهه الأدمية؟ أم ستبقى مجرد جزيئات ذرية عالقة في الهواء قد تسقطها غيمة ماطرة ذات يوم ؟ هو الأخر أصبح غير مهماً.
الآن لا شيء يبدو مشوقاً حتى الخروج من البيت الذي أشبه بالخيانة الوطنية في ظل الأيام الكورونية، هي ذات الخيانة التي تشعر بها الآن، وكأنك تخون عاداتك الكورونية التي فرضتها عليك قيود الحجر والتي تصالحت معها الى الحد الذي جعلك تستنسخ أيامك كلها، فتشابهت أحادثيك، والوجوه التي أعتدت أن تراها، والمواقيت التي تشبه بعضها، والأصدقاء المراوغين في الاطمئنان على صحتك، والمحل التجاري القريب من منزلك والذي تزوره وأنت ملثماً بأقنعة الهرب من وباء مجهول المصدر.
كل شئ يبدو حزيناً وأكثر ما كان يؤجج حزنك هي نشرات الأخبار الصادرة من (وزارة الصحة) والتي تنهال عليك كحجارة من سجيل تنذرك بأنك ربما تكون في عداد الموتى أو المصابين بالوباء الفاتك القادم نحوك، فالأعداد في تزايد رغم تشبثك الصادق بكل تعليمات (اللجنة العليا ) فلا شئ يبدو مطمئناً، عندها تشعر بالحقد على كل الذين كانو سببا في انتشار الوباء والذين كانوا يرتكبون إثم اللقاء والتجمهر ضاربين بالقانون عرض الحائط، أولئك الذين كانو يتباهون أنهم استطاعوا الفلات بحنكة من سيارات الشرطة المنتشرة بين زقاق الحارات، أولئك الذين مارسوا حياتهم الاعتيادية دون وجل طالقين بالنكات والسخرية على من التزم بكل القيود التي فرضها الحجر ولولا تثمين (السعيدي ) لموقفنا في كل مؤتمر لكنا شعرنا بخيبة الأمل شديدة القسوة.
نحن الذين طبقنا القانون بحذافيره لم نعد نرغب في الخروج دون إذن وكأننا طيور تشبثت بأقفاصها، حتى العودة التدريجية للحياة لم تسعدنا كثيرا شعرنا وكأنها أتت لتربك عاداتنا الكورونية الملتصقة بنا، كيف سيبدأ يومنا؟ وهل يا ترى سنستطيع معرفة الوجوه المندسة خلف الكمامات المتعددة الألوان والأشكال والتي ساعدت الوجوه الأنثوية المعتادة على التفنن في وضع مساحيق التجميل أن تعود في التعافي التدريجي والعودة الى التنفس مرة أخرى.
العودة التدريجية بالنسبة لنا لم تكن بالأمر السهل، وكأن سجيناً خرج ليكتشف العالم، خرج ليتعرف على الشوارع التي افتقدها و على أضواء السيارات وأبواقها التي كانت تشعره بصخب الحياة، وعلى البشر المنتشرين في الأسواق، وعلى المساجد التي باتت وحيدة إلا من مؤذنها، و على الرفقة التي لم نثمنها وعلى الحياة التي لم نقدرها، والوطن الذي كنا ننادي له بوفائنا وحين أحتاج لنا أدرنا له ظهورنا.
العودة التدريجية للحياة ، هي مواجهة العدو وجها لوجه، وكان لزاماً علينا الالتزام بكل الإجراءات الاحترزاية، والتخفي الجيد بكمامة البقاء ، وفي كل مرة كنا نخرج فيها لمعانقة الحياة تنتابنا لحظات مقرفة فنشعر بأن الهواء ملوث، والبشر الذين يحيطون بنا ملتصقون بالوباء وأن الأمكنة التي تطأ عليها أقدامنا ملغمة بفيروس أووهان ، وأن الاتجاهات الأربعة ليست الا بوصلة لإنتشار كوفيد 19 ، وفي زخم العودة الخادعة استطاع الوباء التحايل علينا للمرة الألف فلكل حرب خدعة، وها هي الخدعة استطاعت أن تنسينا المسافات المشروعة فلم نحترمها وانتهكنا حرمات التباعد الجسدي واقتربنا من الأهل وصافحنا الأصدقاء والزملاء وبقينا على مقربة من بعض، لا تحدنا حدود ولا تفصلنا الأمتار المشروعة والتصقنا بكبار السن شوقا ولهفة وحنيناً وأقمنا الأعراس والرحلات الجماعية، وانتقمنا من الهجر الذي أرهقنا وصمت الآذان من تحذيرات (السعيدي) بأن الوباء لا يزال يعيش بيننا، وأنه يملك حرية سلب عافيتنا رغم جهود منظمة الصحة العالمية في الحصول على اللقاح في أقرب فترة زمنية ممكنة.
وها نحن الآن نعيد سيرة الوباء الأولى حالمين بالخروج الآمن من نطاق الكرة الأرضية لنتنفس، فقط، لنتنفس الآن ونبحث عن الأكسجين النقي لرئة أعياها الزفير والشهيق المرتعب، الآن أيقنا بأن كل شئ قابل للتأجيل )السفر، والتنزه، والتسوق، والرفاهية الاجتماعية، والتعليم الجيد) كل شيء قابل للتأجيل إلا أكسجين البقاء، فهل سننجح في إيجاد أكسجين نقي يعيد لنا الحياة المبهجة غير أكسجين إسطوانات غرف الإنعاش الصناعي؟؟؟؟
منى بن حماد البيمانية







