
رواية “مستر نوركه”.. اشتباك افتراضيّ مع شخصية “هنري إبسن”( النشرة الثقافية)
بيروت، في 8 فبراير/ العمانية/ تتحدث رواية “مستر نوركه” للروائي العراقي نوزت
شمدين عن شخص يؤمن بأن هنالك صلة قربى تربطهُ بالكاتب المسرحي النرويجي “
هنريك إبسن” (1828-1906).
ويتحول هذا الإيمان بمرور الزمن إلى يقين، فيبدأ “نافع” –وهو اسم البطل- بتقليد “إبسن”
في مظهره، بثياب سوداء سميكة ونظارات طبية بعدستين صغيرتين وحذاءٍ بكعبٍ عالٍ
وشعر طويل مدفوع إلى الخلف ولحية بذقنٍ حليق، ويمكث ساعات يومية طويلة لقراءة
مسرحيات “إبسن” أو ما كُتب عنها أو أيّ مطبوع يتحدث عنه أو عن النرويج بنحو عام
ولغتها. ويجول بين مكتبات بغداد في شارع المتنبي بحثاً عن كتب تتحدث عن “إبسن”
كطقس واظب عليه لأكثر من أربعين سنة، حتى بات الناس في بغداد يطلقون عليه (مستر
نوركَه)، والاسم الأخير يعني “النرويج” باللغة النرويجية.
وبحسب أحداث الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يبدأ الأمر في
عام 1977 حين ترسل الأم ابنها “نافع” وهو في الثانية عشرة من عمره، ليمكث عند خاله
في البصرة خلال العطلة الصيفية. وهناك، يقابل الرحّالة النرويجي “ثور هايردال” الذي
يعجب بذكائه ومقدرته الفائقة على تذكر أيّ شيء يقرؤه أو حديث يستمع اليه وترديده
بنبرة صوت المتحدث وبأيّ لغة كانت. ويشبّههُ الرحالة بعد أن يستمع إلى قصته والقسوة
التي يعامله بها والده، بـ”هنريك إبسن” في طفولته. فيظل الاسم يتردد في ذهن “نافع” إلى
أن يبلغ الثالثة والخمسين من العمر، بمسايرةٍ من والدته وشقيقته اللتين تتلقيان نصائح من
الأطباء النفسيين بعدم اعتراض طريقة تعبيره عن نفسه لكي لا تتفاقم حالته وأملاً في
تعافيه وتخلّصه من مرضه.
ويرسل “نافع” 277 رسالة إلى “تانكريد” حفيد “إبسن”، وملك النرويج ورؤساء الوزراء
المتعاقبين منذ منتصف العقد الثامن للقرن العشرين، وكان آخرها ما أرسله إلى “أورنا
سولبيرغ” في عام 2017.
ورغم أن أن المسافة التي تفصل بغداد عن أوسلو تبلغ حوالي 5300 كيلومترا، فإن
الرواية تحاول تقليصها والتركيز على المشتركات التي يمكن أن تؤسس مساحة يلتقي فيها
المختلفون بعيداً عن كل ما يفرقهم من لغة أو دين أو تقاليد.
جاء على الغلاف الأخير للرواية: “هو وأنا متشابهان إلى درجة كبيرة، ليس بتفاصيل
متطابقة إن جئتَ للحقيقة، وهذا طبيعيّ بحكم الفوارق الزمنية والمكانية والاجتماعية
وكذلك البدنية إن صحّ القول، لأن جدّنا احتفظ بأعضاء جسده كاملة دون نقص بينما اقتُطِع
جزءٌ مني وأنا طفل رضيع (…). وهنا، عند هذه النقطةِ تحديداً أواجهُ عصف أسئلةٍ وقد
أحتاج إلى وقتٍ وربما إلى كثيرٍ من الجرأةِ للإجابة عن بعضها. فهل أنا مُجرد فرعٍ من
فروعه وورثت عنهُ صفاتهُ الروحية بمجملها، أم أنني تكرارٌ لهُ في محيطٍ آخر بعيدٍ عن
الذي نشأ وعاش فيه وعلَيّ التقيد بظروف المكان والزمان اللذين أتواجدُ فيهما مع
المحافظة على نهجه وسلوك طريقه. أو قد أكون أنا، هوَ ذاتهُ وقد نجح بعد جهدٍ روحي
في العثور على جسدٍ يسكنهُ ويحاول قدر وسعهِ إعادتهُ إلى موطنه ليُكمل أمراً منقوصاً
تعذّر عليهِ إتمامه بجسدهِ الأول؟”
وتعد هذه الرواية الخامسة لنوزت شمدين المغترب في النرويج، إذ صدر له سابقاً: “
نصف قمر” (2002)، و”سقوط سرداب” (2015)، و”شظايا فيروز” (2017)،
و”ديسفيرال” (2019).
/العمانية/ 174







