لكل مهتم بعلم المقاصد ومتتبع له من البدايات، ومواكبة كل التطورات، لأنه يتجدد تبعاً لكل زمان ومكان، ضمن دائرة وأطر الشريعة الإسلامية، لكن بما يتسق ويناسب الحياة والإنسان في مختلف التفاصيل التي تتشكل مع كل حقبة زمنية، إذ أن المهتمين بمقاصد الشريعة الإسلامية يعلمون أنها مرتبط بدرجة كبيرة بعلم أصول الفقه، لأن المستخدم في المقاصد قواعده الأساسية فقهية، والتي يُبنى عليها ومن خلالها الحكم، أي تجديد في صلب هذا العلم وبنيته.
والجدير بالذكر، أن مقاصد الشريعة الإسلامية أخذت أيضاً من العلوم الأخرى، لكن الأساس كما أشرت هو من علم أصول الفقه، فأبواب علم أصول الفقه واسعة جداً، لم تترك أي أمر دون قاعدة شملته لتكون مرجعاً لأي عالم إسلامي يُعنى في هذا الشأن.
واقع الحال، أن جميع العلماء اعتنوا ببيان محاسن الشريعة الإسلامية، ومقاصدها من شرع الأحكام، من فكر الإمام الجويني والإمام الغزالي واللذين أفردنا لهما مقالات عديدة في علم المقاصد، فلا يمكن لعالم أن يحصل على درجة الاجتهاد إلا إن فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، فالإمام الشافعي واضع علم أصول الفقه، ومبين قواعد الاستنباط، فلم يكن يستطيع ذلك لولا نظرته إلى مقاصد الشارع، حيث كان ينظر إلى كليات الشريعة ومصالحها العامة، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)، وعليه تكون مقاصد الشريعة هي الغايات الكلية العامة التـي وضـعها المـشرع الحكيم لتحقيق مـصلحة العباد رحمة وعدلاً، وبالتالي إن مقاصد الشريعة جزء من أصول الفقه،
وكنت قد أشرت في كتاب “الرسالة” للإمام الشافعي، حول قصد المشرع من وضع الشريعة للإفهام، فكتابة كتاب الرسالة في البداية كان السبب هو طلب عبدالرحمن بن مهدي، وهو من فقهاء المحدثين في البصرة، فلما “كتب عبدالرحمن بن مهدي إلى الشافعي، وهو شاب، أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحُجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة؛ فوضع له كتاب “الرسالة”، ليكون سبب التأليف هو علاج المشكلة التي اعترضت ابن مهدي، وهي مشكلة “فهم” بالدرجة الأولى، أي فهم معاني الشريعة مما تعلَّق بدلالة القرآن الكريم، ومشكلة النسخ الراجعة إلى تعارض النصوص في مقتضياتها الدلالية، ثم بالدرجة الثانية قضية الاستدلال، وحجية بعض الأدلة، كالإجماع، وخبر الواحد، والتي فسرناها جميعاً بالمقال السابق في بحث كتاب “الرسالة” للإمام الشافعي. التي كان كل ما يوضحه الإمام عن البيان، وللتوضيح أكثر، كان الإمام الشافعي يستقرئ طرق العرب في تنزيل الكلام في الواقع، ليس فقط من حيث الفهم العام، وهو ليس المقصود بمبدأ الإفهام، ولكن يتعلق بإفهام الكيفيات، فالمقصود من حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، أي كما وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، للهيئة والكيفية التي تتعلَّق بالتحقيق الواقعي والتنزيل.
المقاصد عند الإمام الشافعي
كان الإمام الشافعي يقدم المقاصد عند النظر والاستنباط الذي وضع أصوله، ونبه على بعض القواعد والكليات، وكان ينظر إلى المقاصد على أنها نص، فلطالما ذكر الإمام الشافعي لفظة المقاصد نصاً وذكر قاعدة أصولية عامة في التعامل مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وفهمهما، وهذا يعني أن الإمام كان ينظر للأصول والأحكام نظرة أصولية مقاصدية، في هذا الخصوص، قال الإمام الجويني: “ذكر الشافعي في الرسالة ترتيباً حسناً، فقال: إذا وقعت واقعة فأحوج المجتهد إلى طلب الحكم فيها، فينظر أولاً في نصوص الكتاب، فإن وجد مسلكاً دالاً على الحكم فهو المراد، وإن أعوزه انحدر إلى نصوص الأخبار المتواترة، فإن وجده وإلا انحط إلى نصوص أخبار الآحاد، فإن عثر على مغزاه وإلا انعطف على ظواهر الكتاب… إلخ”، فالإمام الشافعي هنا كان ينظر إلى مقاصد الشريعة من كليات عامة ومصالح كلية عامة، ويوازن بينها وبين الجزئيات، فيقدم المصالح الكلية العامة على المصالح الجزئية الخاصة، فالشريعة بحسب الإمام الشافعي جاءت للإفهام وبلسان عربي ذكر ذلك أيضاً في كتاب الرسالة.
وكحال كل حقبة وجد الإمام الشافعي بمن يرد السنة الصحيحة لمخالفتها لأصولهم وبمن ينشر الآراء الفاسدة المبنية على الكيد للإسلام، وحيال ذلك كان مقصده وضع منهج تشريعي يقوم على الاجتهاد والاستنباط فيما فيه نص، وفيما لا نص فيه، فعمل على تثبيت الأصول الأولى “القرآن الكريم والسنة النبوية” لأنهما أساس الاجتهاد ومنطلقه، وهذا ما كان منه في عصر التأسيس “النبوة والوحي”، تالياً، عصر الصحابة، وما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إذا أتى إلى القياس رسم حدوده وضبط مراتبه، وبيّن شروطه التي يجب توافرها في الفقيه ما يجعل منه قادراً على دحض أي مخالفة بالحجة والبرهان والدليل، والمثال على ذلك:
قال الإمام الشافعي: “ولو حاصرنا اهل مدينةٍ من أهل الكتاب، فعرضوا علينا أن يعطونا الجزية لم يكن لنا قتالهم إذا أعطوناها، وأن يجري عليهم حكمنا، وإن قالوا: نعطيكموها، ولا يجري علينا حكمكم، لن يلزمنا ان نقبلها منهم، لأن الله تعالى قال: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، فلم أسمع مخالفاً في أن الصغار أن يعلو حكم الإسلام على حكم الشرك، ويجري عليهم، ولنا أن نأخذ منهم متطوعين، وعلى النظر للإسلام وأهله، وإن لم يجر عليهم الحكم، كما يكون لنا ترك قتالهم”، فهنا رأى الإمام الشافعي أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب تطوعاً لمصلحة الإسلام وأهله، وعليه لم يجر عليهم حكم الإسلام، ويترك قتالهم، وهذا ليس عليه دليل من قرآن أو خاص من سنة ولكن نظر فيه إلى مصلحة المسلمين حتى يعدوا العدة، وبالتالي يعطي اهل الكتاب الجزية وهم صاغرون ومن ثم يجري عليهم حكم الإسلام.
وبالتالي، إن خوض مبحث المقاصد عن الإمام الشافعي واشع جداً، لكن نعرج على المقاصد العامة، مثل: حفظ الدین والنفس والعقل والنسل والمال.
أولاً، مقصد حفظ الدين: قال الإمام الشافعي: (على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح، والتشهد وغير ذلك، وما ازداد به العلم باللسان الذي جعل الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه كان خيراً له، كما عليه ان يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإتيانه، ويتوجه لما وجّه له، ويكون تبعاً فيما افترض عليه وندب إليه لا متبوعاً”، فالإمام هنا أقر الحفاظ على اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم للحفاظ عليه من التحريف والتبديل، والواجبات والمستحبات الأخرى من صلاة وتسبيح وتشهد وتلاوة، لتكون الأمة الإسلامية واحدة ودينها واحد ويكون الدين تابعاً لا متبوعاً فذلك من ضروريات الحفاظ على الدين.
ثانياً، مقصد حفظ النفس: قال الإمام الشافعي: “ولا خير في أن يعطيهم المسلمون شيئاً بحالٍ على أن يكفوا عنهم، لأن القتل للمسلمين شهادة، وأن الإسلام أعز من أن يعطي مشرك على أن يكف عن أهله، لأن أهله قاتلين ومقتولين، ظاهرون على الحق إلا في حال واحدة، وأخرى أكثر منها، وذلك أن يلتحم قوم من المسلمين فيخافون أن يصطملوا لكثرة العدو وقلتهم وخلة فيهم، فلا بأس أن يعطوا في تلك الحال شيئاً من أموالهم على أن يتخلصوا من المشركين، لأنه من معاني الضرورات، والضرورات يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، أو يؤسر مسلم فلا يُخلى إلا بفدية، فلا بأس أن يُفدى، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدى رجلاً من أصحابه أسره العدو برجلين”، وقصد الإمام هنا أنه لا يجوز إعطاء المشركين شيئاً، ليكفوا عن قتالهم، لأن ذلك يخالف مقصد مشروعية الجهاد، فإنه وإن كان فيه قتل للمسلمين، إلا أن هذا القتل فيه مفسدة تقابل مصلحة أعظم منها، وهي عزة الإسلام وأحقيته، والشهادة للمسلمين، فمصلحة القتال للمسلمين أرجح من مفسدتها، وهي الكف عن القتال. ففي ذلك مقصد حفظ النفس وعزة المسلم، ومن محاسن الشريعة ومقاصدها ألا يكون أسيراً تحت شوكة الأعداء.
ثالثاً، مقصد حفظ العقل: قال الإمام الشافعي: “وإن كان مريضاً، فوجد مع رجل طعاماً أو شراباً يعلمه يضره، ويزيد في مرضه كان له تركه، وأكل الميتة، وشرب الماء الذي فيه الميتة، وقد قيل: إن من الضرورة وجهاً ثانياً، أن يمرض الرجل المرض يقول له أهل العلم به ، أو يكون هو من أهل العلم به: قلما يبرأ من كان به مثل هذا إلا أن يأكل كذا، أو يشرب كذا، أو يقال له: إن أعجل ما يبرك أكل كذا، أو شرب كذا، فيكون له أكل ذلك، وشريه ما لم يكن خمراً إذا بلغ ذلك منها أسكرته، أو شيئاً يذهب العقل من المحرمات، أو غيرها، فإن إذهاب العقل محرم، وليس له أن يشرب خمراً، لأنها تعطش وتجيع ولا لدواء، لأتها تذهب بالعقل، وذهاب العقل منع الفرائض، وتؤدي إلى إتيان المحارم، وكذلك ما أذهب العقل غيرها”.
وهنا نجد الفهم العميق للإمام الشافعي في شرحه للمقصد الشرعي وكلياته العامة، من خلال عدم أكل لحم الميتة وعدم التداوي بالمحرمات وهنا قدم الإمام العقل على مصلحة النفس لأن ترك الفرائض بسبب العقل من المحظورات لا من الضرورات.
رابعاً، مقصد حفظ النسل: قال الإمام الشافعي: “إذا كان الرجل ولي نفسه والمرأة أحببت لك واحد منهما النكاح إذا كان ممن تتوق نفسه إليه، لأن الله تعالى أمر به ورضيه وندب إليه وجعل فيه أسباب منافع، قال تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)”، الإمام يقصد هنا أن الزواج شرّع من أجل أسباب ومنافع أهمها الابتعاد عن الفتنة وكذلك التناسل والحفاظ على الذرية.
خامساً، مقصد حفظ المال: قال الإمام الشافعي: “أصل المأكول والمشروب إذا لم يكن لمالك من الآدميين، أو أحله مالكه من الآدميين حلال، إلا ما حرم الله في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزم في كتاب الله أن يُحرم، ويُحرم ما لم يختلف المسلمون في تحريمه، وكان في معنى كتاب أو سنّة أو إجماع، فإن قال قائل: فما الحجة في أن كل ما كان مباح الأصل يحرم بمالكه حتى يأذن فيه مالكه، فالحجة فيه أن الله تعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)”، وفي ذلك قاعدة مقاصدية قررها الشافعي حول تحكم أموال الناس والمحافظة عليها وهي: ما كان مباح بالأصل يحرم حتى يأذن صاحبه، فالأموال المملوكة محرمة وممنوعة إلا بما فرض الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز، وبما فرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سنته، فأي اعتداء على أموال الناس شرخ لهذه القاعدة المقاصدية التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها.
أخيراً، إن الإمام الشافعي رائد علم المقاصد بلا منازع، هذا العلم الذي خرج من رحم أصول الفقه، ولايزال مرتبطاً به ارتباطاً كبيراً، فالإمام قدم في علمه المصلحة الكلية العامة على المصلحة الجزئية الخاصة، معتبراً أن النظر في مقاصد الشريعة يضبط عملية الاجتهاد ويحافظ على مصالح العباد، من هنا يجب أن يكون الاهتمام أكبر بمقاصد الشريعة الإسلامية في جميع المرافق التعليمية، وللمهتمين بالاختصاص، دراسة هذا العلم لدى العلماء في هذا المضمار، والبداية تكون دراسة المقاصد من خلال القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وبالطبع فإن كتاب الرسالة للإمام الشافعي غني بالقضايا المقاصدية سواء اللغوية أو الاستدلال الأصولي وما عرض فيه في سياق القياس والاجتهاد، وبناءً على كل ما سبق، فإن النتيجة الراسخة هي ان الإمام الشافعي هو أول من نبّه على منهج الفكر المقاصدي، بل إنه أول من وضع ضوابط لفهم مقاصد الشريعة، وكل ما كتبناه حول هذا الموضوع لا يعدو إلا لمحات خاطفة، لكن يكفيني فخراً أن يكون هذا البحثُ عن عالِم فذ ملأ الأرض علماً، وأسهم في تجلية بعض جوانب العبقرية والنبوغ لإمامٍ قد حقَّق في عمره القصير للفكر الأصولي ما حقَّقه أعظم الفلاسفة، فكان بحق فيلسوف الإسلام، ورائد التأليف المنهجي فيه.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








