لاحق رجال القانون، قانون العقوبات بالتعديل والتبديل، ولكن لم يُجدِ ذلك شيئاً فقد استمر تكاثر الجريمة وانتشارها، وبدأت التعديلات تدخل قانون العقوبات على سبيل المثال، في مصر، حيث أخذوا من القانون الفرنسي والإيطالي والبلجيكي والإنكليزي والهندي والسوداني، ما يدفعنا للتساؤل ما هو حكم المرتد في القوانين الوضعية؟
قبل أن نشرح حكم المرتد في القوانين الوضعية، لا بد من معرفة طبيعة الأحكام الشرعية لهذا الأمر، قال تبارك وتعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، بالتالي، إن الردة لغةً هي الرجوع، والراجع مرتد، أما الردة شرعاً، فهي الرجوع عن الإسلام، من هذا المدخل سنتعرف على أركان الردة: الركن الأول، الرجوع عن الإسلام، والركن الثاني، القصد الجنائي.
الركن الأول، الرجوع عن الإسلام: هنا لا بد من قول أمر مهم على الأقل بالنسبة لي، هناك الكثير من الناس الذين يُحسبون على الإسلام عدداً أو رقماً، لكن لا يفقهون من تعاليمه شيء، وكأنهم مرتدين دون إظهار ذلك علانية، فالرجوع إلى الإسلام ممكناً دوماً، ولطالما كان الإسلام أميناً ومحباً لأبنائه جميعاً، فلنستغل الشهر الكريم ونقوم بتصحيح مساراتنا وغربلة اختياراتنا، والرجوع إلى الإسلام لا عنه، فالحياة مجرد محطة ستنتهي في يومٍ من الأيام، أما الرجوع عن الإسلام، فيعني ترك التصديق بالإسلام والرجوع عنه يكون إما بالفعل أو بالامتناع عن فعل، بالقول والاعتقاد، فالرجوع عن الإسلام بالفعل يحدث بإتيان أي فعل يحرمه الإسلام إذا استباح الفاعل إتيانه، سواء أتاه متعدماً إتيانه، وأتاه استهزاء بالإسلام واستخفافاً أو عناد ومكابرة، كالسجود للأصنام أو للشمس والقمر وما شابه ذلك، أو يكون ذلك بإتيان المحرمات كواقعة الزنى دون علم من مرتكب الفعل بأنها محرمة، كذلك يعتبر راجعاً عن الإسلام كل من امتنع عن إتيان فعل يوجبه الإسلام، إذا أنكر هذا الفعل أو جحده أو استحل عدم إتيانه، كالامتناع عن الصلاة أو الزكاة جحوداً وإنكاراً لها، وكذلك الامتناع عن كل ما أوجبته الشريعة وأجمع على وجوبه، ومن الممكن إدراج مثال من واقعنا المعاصر، كأن يستعيض الشارع بحكم الشريعة رغم ثبوته بأحد القوانين الوضعية لاغياً دور الشريعة في ذلك، خاصة وأن الأصل في الإسلام أن الحكم بما أنزل الله تبارك وتعالى واجب والحكم بغير ذلك فعل محرم، قال تبارك وتعالى: (إن الحكم إلا الله).
بالتالي، لا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل ومحرم على المسلمين، حتى ولو قالت القوانين الوضعية عكس ذلك، كذلك يعتبر خروج عن الإسلام صدور قول من الشخص هو كفر بطبيعته أو يقتضي الكفر، كأن يجحد الربوبية والوحدانية أو القرآن الكريم، أيضاً يُعتبر خروجاً عن الإسلام كل من اعتقد اعتقاداً منافياً للإسلام، كالاعتقاد بتناسخ الأرواح على سبيل المثال، لكن من كل ما سبق، إن الاعتقاد المجرد لا يعتبر ردة يعاقب عليها ما لم يتجسم في قول أو عمل.
أما الركن الثاني، فهو الركن الجنائي: حيث يشترط لوجود جريمة الردة أن يتعمد الجاني إتيان الفعل أو القول الكافر وهو يعلم أنه كذلك، فالإمام الشافعي يرى بأنه يشترط بالجاني أن يتعمد الكفر، فلا يكفي أن يتعمد إتيان القول أو الفعل الكافر، بل يجب أن ينوي الكفر مع قصد الفعل، أما آراء أبي مالك وأبي حنيفة ويتفق معهما الإمام الشافعي أنه يكفي لاعتبار الشخص مرتداً أن يتعمد إتيان الفعل والقول الكافر، ولو لم ينوِ الكفر ما دام قد جاء الفعل أو القول بقصد الاستخفاف أو العناد أو الاستهزاء.
بالتالي لكل جريمة عقوبة، وعقوبة جريمة الردة، تختلف باختلاف ظروف الجريمة، فمنها ما هو عقوبة أصلية، ومنها ما هو عقوبة بدلية، وكذلك عقوبة تبعية.
العقوبة الاصلية: عقوبة الردة الأصلية هي القتل حداً، والقتل عقوبة عامة لكل مرتد سواء كان رجلاً أم امرأة، لكن أبا حنيفة يرى أن لا تقتل المرأة بالردة بل يتم إجبارها الدخول في الإسلام، فإن لم تسلم يجوز حبسها وتأديبها، لكن المذاهب الأخرى على عكس أبي حنيفة لا تفرق بين رجل وامرأة، والعقوبة لكلا الجنسين القتل، يأتي بعد ذلك، الاستتابة، والقاعدة الأصلية أن المرتد لا يقتل إلا بعد أن يستتاب فإن لم يتب حينها يقتل، إذ يرى البعض أن الاستتابة واجبة والبعض الآخر يراها مستحبة لا واجبة، ومدة الاستتابة بحسب الإمام مالك ثلاثة أيام بلياليها، من يوم ثبوت الكفر على المرتد لا من يوم الكفر ولا من يوم الرفع أي التبليغ، لكن أبي حنيفة فيرى بأن المدة متروكة لتقدير الإمام، أما كيفية التوبة فتكون بنطق الشهادتين وبإقرار المرتد بما أنكره.
أما في القوانين الوضعية، جرت القوانين الوضعية مجتمعة على إغفال النص على عقوبة المرتد؛ والسبب في إغفال ذلك الأخذ بمبدأ حرية العقيدة، والأخذ بمبدأ القاعدة القانونية المشهورة: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون)، التوقيع على مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان)، كذلك موقف واضعي القوانين الوضعية من الدين، وهذه الأمور تختلف من شخص إلى آخر، فليست ملزمة بدرجة كاملة، ويقصد بمبدأ حرية العقيدة والديانة حرية الفرد في أن يعتنق الدين أو المبدأ الذي يريده، وحريته في أن يمارس شعائر ذلك الدين سواء في الخفاء أو العلانية، وحريته في أن لا يعتقد في أي دين، وحريته في أن لا يُفرض عليه دين معين، أو أن يُجبر على مباشرة المظاهر الخارجية أو الاشتراك في الطقوس المختلفة للدين، وحريته في تغيير دينه أو عقيدته، كل ذلك في حدود النظام والآداب، وهذا شرعاً لا يجوز، لكن قانوناً تم إباحة هذا الأمر لكن بدرجة متفاوتة، فبعض الدول لا تقبل بهذا الأمر تحت طائلة المحاسبة، رغم أن القانون يجب تطبيقه، فعلى سبيل المثال، تداول دستور مصر هذا الأمر عام 1923، إلا أن التطبيق العملي لهذا الأمر فتح أبواباً من الفوضى العقائدية إن جاز التعبير.
استُمدت معظم الدساتير العربية من الدستور المصري، ولهذا أكدت جميع تلك الدساتير على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومبدأ قضائية العقوبة كضمان للحريات الفردية من تعسف السلطة أو تجاوزاتها، ومن ذلك ما نصت عليه المادة، من الدستور المصري على أن (العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون)، فالدساتير العربية قد نصت على هذا المبدأ، وقد أكد هذا المبدأ أيضاً التشريعات العقابية العربية، ومن بينها على سبيل المثال: قانون العقوبات الاتحادي رقم (3) لسنة 1978م لدولة الإمارات العربية المتحدة المادة (1 ، 4)، قانون الجزاء الكويتي المادة (1)، قانون عقوبات قطر المادة (2)، وكلها تؤكد على أن العقاب على الجنايات والجنح والمخالفات وفق القانون المعمول به وقت ارتكابها، ويعد مبدأ الشرعية الجنائية دستور قانون العقوبات، ويقصد به: التغيير عن القاعدة الجنائية الشهيرة القائلة بأنه: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون)، والهدف من هذه القاعدة: هو حماية الفرد من خطر التجريم والعقاب بغير الأداة التشريعية وهو القانون، فاختصاص السلطة التشريعية وحدها بتحديد الأفعال التي تعد جرائم وبيان أركانها، وتحديد العقوبات المقررة لها سواء من حيث نوعها أم مقدارها، يعد من أهم الضمانات الأساسية لحماية الحرية الفردية.
خلاصة القول، أن مبدأ الشرعية يلزم المحاكم بأن لا تحاكم أي إنسان إلا بموجب القواعد المفروضة على جميع المتقاضين، وهنا لا بد من التذكير بأن هذا الجزء هو امتداد لسلسة التشريع الجنائي الإسلامي لمؤلفه المستشارعبد القادر عودة، وما نشرحه هو تبيان الحكم الشرعي والقانوني، فالحياة لا تستمر بدون قانون لأنه جزء أساسي من حياة الإنسان أياً كانت عقيدته، لكن الشريعة والقانون لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، وما نستعرضه ثقافة لكل الشرائح حتى من خارج الاختصاص، والمادة التشريعية الأولى لنا مسلمين ودستورنا الأول هو القرآن الكريم لفائدة البشرية جمعاء وليس فقط المسلمين.
عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت.







