َ
ألقيت المحراث جانبا بعد أن استغرقت طويلا في حرث ارض مزرعتنا وتفتيت الكتل الطينية الناتجة جراء ضرب الأرض بالمحراث اليدوي فقد كان يستعمله والدي حينما كان قوي الساعدين بمساعدة مجموعة من رجالات القرية! كانت الهمة تعلو مشاعرهم والنشاط يكسو حيويتهم والعرق يتصبب من جباههم واجسامهم السمراء بفعل حر الصيف واشعة الشمس القوية الحارقة في ضحاها! لقد كنا صغاراً حينها ولكننا كنا بمعيتهم! كنا نقدم لهم وحسب استطاعتنا مايمكن تقديمه!! لقد كانوا يذهب مبكرين إلى مزرعتنا في الصباح الباكر للحرث وإلقاء البذور نعم كانوا يذهبون مصبحين مبكرين و ليستفيدوا من الوقت حتى ينجزوا عملهم بإتقان وليأخذوا أو ليقطعوا اكبر قدر من مساحة الأرض المحروثة اي لتكن المساحات التي حرثت كبيرة حتى يتم بذرها في اليوم التالي..
فتلك الايام كانت لها دنيا في غاية من الروعة والجمال لقد كانت عوفيتنا ببساطتها التي لاتوصف مدعاة لمنتهى الفرح و السرور .. لقد كان أبي واهله واصدقائه من اهل الحي او القرية يشتغلون في حراثة الأرض ونحن نلعب بكتل الطين والسبخ نبني بها بيوتا كنا نحسبها بيوت حقيقية كنا نهرول ونعدوا بين أشجار النخيل وسواقيها واشجار الليمون والبيذام واشجار السدر تارة! وتارة أخرى نذهب إلى حضيرة الثيران لنداعبها ونلاعبها تارة وتارة أخرى نقدم لها طعامها من القت والتمر والماء و(الخلط) وهو عبارة عن أعواد الذرة وقصب السكر الخضراء تخلط مع بعضها على شكل سلطة وتقدم للأبقار كطعام كما نقدم لها الأعلاف كالشوار وغيره..وكنا في غاية السعادة ومنتهاها!! وبعد أن يتقدم النهار ويقترب من وقت الظهر ولتكن الساعة حينها تمام الحادية عشر والنصف ،، يترك الجميع الأرض وادوات الحراثة ليذهب الكل إلى حوض الماء العذب والبارد للإستحمام والوضوء استعدادا لصلاة الظهر ومن ثم لفترة الاستراحة وتناول الغداء،، كنا كالعصافير في منتهى الخفة الجسمانية وعفوية الطفولة وبرائتها!! ماأجمل تلك الأيام وماانقاها لقد كانت جميلة في كل شيئ لقد كان الناس متحدين في وشائج القربى ومتحدين في المشاعر ومتحدين في الأحاسيس!! لقد كان الواحد منهم يشعر بأخاه حينما لايجده في مجالس الحي وحينمالا يجده بينهم في اي مناسبة سعيدة والأعجب من ذلك انه يشعربه اذا كان قد اكل او شرب في بيته او انه هل اطعم اهله وعياله ام لا!! نعم هكذا كانوا وصدق رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام إذ يقول :- {(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )}
فأين نحن ذاهبون ففي وقتنا هذا او زماننا الواحد منا لايشعر بأخاه ابدا فسبحان الله الذي لا إله سواه،،ماذا حصل للدنيا والى أين نحن ذاهبون؟!
بقلم الأستاذ/ فاضل بن سالمين الهدابي








