اجتهد في مؤلفاته، وترك موروثاً سيبقى خالداً أبد الدهر، جمع وكتب ولخّص، حياة طويلة من العطاء انتهت يوم الأمس بمغادرة الجسد، لكن الروح باقية في الموروث العظيم من علم التفسير والحديث والقرآن الكريم، في كل المكتبات الإسلامية، بالأمس غادرنا أحد أبرز الشخصيات الإسلامية المعاصرة، وأحد كبار أئمة التفسير في العصر الحديث، المرحوم العلامة السوري محمد علي الصابوني.
العلامة الصابوني رحمه الله تبارك وتعالى أحد أبرز العلماء وأشهر المفسّرين والمصنّفين في علم التفسير والحديث والقرآن الكريم، بلغ عدد مؤلفاته 57 كتاباً انتشرت في جميع الدول العربية والإسلامية ولكن كتابه صفوة التفاسير كانت الأكثر شهرة على الإطلاق حيث يقول الشيح الصابوني رحمه الله في مقدمته: “وقد أسميت كتابي صفوة التفاسير، وذلك لأنه جامع لعيون ما في التفاسير الكبيرة المفصلة، مع الاختصار والترتيب، والوضوح والبيان”.
ولد العلامة الصابوني رحمه الله في حلب عام 1930 – 2021، في زمن الانتداب و”الجمهورية السورية الأولى”، وتعلم أولاً على يد والده الشيخ جميل الصابوني أحد كبار علماء حلب، ودرس علوم اللغة والدين على يد شيوخ المدينة مثل محمد سعيد الإدلبي ومحمد راغب الطباخ، شغل باحث علمي في مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي في جامعة أم القرى، وعمل في رابطة العالم الإسلامي مستشاراً في هيئة الإعجاز العلمي بالقرآن والسنة، وتولى رئاسة رابطة العلماء السوريين، لقد كان محباً للعلم وطالباً له، كان والده الشيخ جميل الصابوني من كبار العلماء في حلب، تلقى الراحل عن والده علوم الدين والفرائض وغيرها من علوم العربية، كما أنه حفظ القرآن الكريم في الكتّاب.
بذل الشيخ الصابوني حياته في خدمة القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة، أغنى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته الموسوعية، المتخصّصة في التفسير والحديث، فاستحق بجدارة لقب “خادم الكتاب والسنة” وكان اختياره شخصية العام الإسلامية من قبل جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم لعام 2007 تتويجاً وتقديراً بجهوده المباركة في خدمة الإسلام والمسلمين.
منهجية رائعة ونعمة ربانية كان يمتلكها الشيخ الراحل رحمه الله، فبعد كل المناصب التي شغلها، تفرغ للتأليف والبحث العلمي، فقام بتأليف العديد من الكتب في عدد من العلوم الشرعية والعربية، وقد تم ترجمة مؤلفاته لعدد من اللغات الأجنبية؛ مثل الإنكليزية والفرنسية والتركية وغيرها من اللغات، وقد ألف الشيخ تفسيرين، أولهما “روائع البيان في تفسير آيات أحكام القرآن”، حيث اهتم فيه بالمسائل الفقهية، وفي مؤلفه الأسطوري “صفوة التفاسير”، هو خلاصة مجموعة من التفاسير القديمة؛ كالقرطبي والطبري وابن كثير، والزمخشري، إضافة إلى بعض من التفاسير المعاصرة مثل الآلوسي وقطب، صفوة التفاسير قام على الاختصار والإيجاز، ومن المعلوم أن من يريد الإيجاز عليه أن يجد مكاناً لمختصراته بالضبط اللازم والفهم الصحيح، فهذا الأمر من أعظم العلوم التي لا يتسنى لكل واحد الخوض فيها، ومن يخوض بها عليه أن يكون واسع العلم والدراية، الشيخ محمد علي الصابوني قد عرف ببيانه الأدبي الجميل ودراسته البلاغية المساهمة في توضيح روائع البيان القرآني، فمثلاً اعتمد الراحل عرف سرد الأحاديث التي تتعلق بالآية بالأسانيد، ويذكر أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم والحكم على الروايات وحال الرواة جرحاً وتعديلاً.
صفوة التفاسير من أشهر مؤلفات الراحل رحمه الله تبارك وتعالى، حمل الكثير من وجوه التفسير بشكل ميسر ومستساغ لكل من أراد الولوج لقراءة تفاسير القرآن الكريم فهو كتاب شامل، جامع بين المأثور والمعقول، مستمد من أوثق التفاسير المعروفة كـ الطبري والكشاف وابن كثير والبحر المحيط وروح المعاني، في أسلوب ميسر سهل التناول، مـع العناية بالوجوه البيانية واللغوية، وعلى الرغم ممن انتقد هذا المؤلّف إلا أنه بقي رقماً صعباً في كتب التفاسير الحديثة والميسرة للقرآن الكريم وبقيت نسخة تطبع وتوزع في أغلب الدول الاسلامية.
للراحل العديد من المؤلفات اتسمت جميعها بالروح العلمية والمعاني الغزيرة التي قدمها ميسرة لطلاب العلم وعامة المسلمين، ومنهجه في الكتابة يعتمد على التبسيط والابتعاد عن المطولات، فقد تناول أحكام القرآن في كتابه “روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن” وهو كتاب يبين الأحكام في المرجع الأول لها وهو القرآن الكريم، كما اشتغل بالحديث والسنة النبوية، فشرح كتب الصحاح الستّة، وأخرج كتابه الشهير “من كنوز السنّة النبويّة المطهّرة” كما قام باختصار وتنقيح كتاب (تفسير ابن كثير)، وعمل على كتاب (تفسير الطبري) حيث قام باختصاره وتنقيحه، ليسهل على العامة من الناس قراءته وفهمه، وقد اعتبر الكثير من العلماء هذا العمل من الاختصارات، تقديماً للعلم وتبسيطاً له، نحن في أمس الحاجة إليه في هذا العصر.
الشيخ الراحل رحمه الله عالم مثمر في نشاطه العلمي سواء في تأليف الكتب العلمية، أو المقالات والأبحاث، أو المحاضرات، أو المشاركة في الندوات في شتّى بقاع العالم، وله العديد من الأحاديث والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، اليوم كتب الراحل منتشرة في العالم الإسلامي ، فلا يكاد يخلو بيت من مؤلفاته، فضلاً عن كونها مقررات في أهم الجامعات الإسلامية، وتمّت دراسة معظمها على يد طلاب الدراسات العليا، وكتبت حولها عشرات البحوث لنيل درجات الماجستير والدكتوراه في جامعات عدّة حول العالم.
ماذا نقول، تعجز الكلمات عندما نكون في حضرة العلماء، الأحياء منهم والأموات، إن كنا نحب علماؤنا ونجلهم بصدق، لا تنسوهم من الرحمة والدعاء وإحياء إرثهم، فهم الآن رحلوا جسداً لكن عملهم الصالح وروحهم الطاهرة هي من تقدم لنا الدعم، العلامة المفسر المعمر الشيخ محمد علي بن جميل الصابوني الحلبي، أسأل الله تبارك وتعالى سُبحانهُ أن يتغمده بواسع رحمته، “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








