الله تبارك وتعالى، أنزل شريعته للناس وبعث رسوله الأكرم صلى الله عليه وأله وسلم، فيهم لتعليم الناس وإرشادهم، وقد فرض العقاب على مخالفة أمره لحمل الناس على ما يكرهون ما دام أنه يحقق مصالحهم، ولصرفهم عن الشهوات التي تؤدي إلى فسادهم، فالعقاب مقرر لإصلاح الأفراد ولحماية الجماعة وصيانة نظامها.
والعقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع. والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر، وحمايتهم من المفاسد، واستنفاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة, وكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة، ولم يرسل الله رسوله للناس ليسيطر عليهم أو ليكون عليهم جباراً، وإنما أرسله رحمة للعالمين، قال تبارك وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، ولما كان الغرض من العقوبة هو إصلاح الأفراد وحماية الجماعة وصيانة نظامها فقد وجب أن تقوم العقوبة على أصول تحقق هذا الغرض ليؤدي العقوبة وظيفتها كما ينبغي.
الأصول المحققة للغرض من العقوبة
هناك قاعدة شرعية تقول: (موانع قبل الفعل زواجر بعده)، أي العلم بشريعتها يمنع الإقدام على الفعل، بمعنى أن العقوبة أتت لمنع وقوع الجريمة فإذا ما وقعت الجريمة كانت العقوبة بحيث تؤدب الجاني على جنايته وتزجر غيره من التشبه به وسلوك طريقه، وأما حجم العقوبة يأتي في سياق حاجة المجتمع فمثلاً إن كان هناك ضرورة لوقاية المجتمع وجب التشديد أو بالعكس، وإذا كانت العقوبة غير رادعة للمجرم ولم تصلح سلوكه، هنا يجب إتخاذ تدابير حماية الناس والمجتمع منه، سواء بقتله أو نفيه، أو سجنه مدى الحياة، كما أن تأديب المجرم ليس معناه الانتقام منه، وإنما استصلاحه، والعقوبات على اختلاف أنواعها تتفق كما يقول بعض الفقهاء في أنها “تأديب واستصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب”، والعقوبات “إنما شرعت رحمة من الله تبارك وتعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم.
الأصول التي تقوم عليها العقوبة في الشريعة ترجع إلى أصلين أساسيين، فبعضها يعني بمحاربة الجريمة ويهمل شخصية المجرم وبعضها يعني بشخصية المجرم ولا يهمل محاربة الجريمة. والأصول التي تعني بمحاربة الجريمة الغرض منها حماية الجماعة من الإجرام، أما الأصول التي تعني بشخص المجرم فالغرض منها إصلاحه، لكن هناك تضارباً بين هذين الأصلين، لأن حماية الجماعة من المجرم تقتضي إهمال شأن المجرم، كما أن العناية بشأن المجرم تؤدي إلى إهمال حماية الجماعة، وقد قامت نظرية العقوبة في الشريعة على هذين المبدأين المتضاربين، ولكن الشريعة جمعت بين المبدأين بطريقة تزيل تناقضهما الظاهر، وتسمح بحماية المجتمع من الإجرام في أكثر الأحوال، ذلك أن الشريعة أخذت بمبدأ حماية الجماعة على إطلاقه واستوجبت توفره في كل العقوبات المقررة للجرائم, فكل عقوبة يجب أن تكون بالقدر الذي يكفي لتأديب المجرم على جريمته تأديباً يمنعه من العودة إليها ويكفي لزجر غيره عن التفكير في مثلها، أما مبدأ العناية بشخص المجرم فقد أهملته الشريعة بصفة عامة في الجرائم التي تمس كيان المجتمع؛ لأن حماية الجماعة اقتضت بطبيعتها هذا الإهمال، والجرائم التي من هذا النوع قليلة ومحدودة بطبيعة الحال, وما عدا ذلك من الجرائم ينظر في عقوبته إلى شخصية المجرم، تستوجب الشريعة أن تكون شخصية الجاني وظروفه وأخلاقه وسيرته محل تقدير القاضي عند الحكم بالعقوبة.
هذا المبدأ قسم الجرائم إلى قسمين، وأصبح لكل مبدأ حيز ينطبق فيه ومدى ينتهي إليه، ولتقيم الشريعة معالم واضحة للحيز الذي ينطبق فيه كل مبدأ، القسم الأول يتحدث عن الجرائم التي تمس المجتمع بصورة مباشرة، مثل جرائم الحدود التامة، وقد وضعت الشريعة لجرائم الحدود عقوبات مقدرة ليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها، فمن ارتكب جريمة منها أصابته العقوبة المقررة لها دون نظر إلى رأي المجني عليه أو إلى شخصية الجاني، وليس لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة بحال من الأحوال، وقد اتجهت الشريعة في جرائم الحدود إلى حماية الجماعة من الجريمة وأهملت شأن المجرم إهمالاً تاماً، فشددت العقوبة وجعلتها مقدرة، ولم تجعل للقاضي أو ولولي الأمر سلطاناً على العقوبة، وعلة التشديد أن هذه الجرائم من الخطورة بمكان أن التساهل فيها يؤدي حتماً إلى تحلل الأخلاق وفساد المجتمع واضطراب نظامه وازدياد الجرائم، فالتشدد في هذه الجرائم قصد به الإبقاء على الأخلاق وحفظ الأمن والنظام.
أما النوع الثاني من هذه الجرائم التي تمس المجتمع، هو جرائم القصاص والدية، أي جرائم القتل والجرح سواء كانت عمداً أو خطأً، وقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم عقوبتين هما: القصاص أو الدية في حالة العمد والدية في حالة الخطأ، وحرمت على القاضي أن ينقص من هاتين العقوبتين أو يزيد فيهما أو يستبدل بهما غيرهما، كما حرمت على ولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة، وعلى هذا فمن ارتكب جريمة من هذه الجرائم أصابته العقوبة المقررة لها دون نظر إلى ظروف الجاني وشخصيته. وإذا كانت الشريعة قد حرمت العفو على ولي الأمر فإنها قد أباحته للمجني عليه أو وليه، فإذا عفا المجني عليه أو وليه في العمد سقط القصاص وحلت محله الدية إذا كان العفو على الدية، فإذا كان العفو مجاناً سقطت الدية أيضاً. وفي جرائم الخطأ يسقط العفو الدية، ويترتب على سقوط القصاص في العمد والدية في الخطأ جواز معاقبة الجاني بعقوبة تعزيرية، ينظر فيها إلى شخص المجني عليه وظروفه.
وأما النوع الآخر من الجرائم التي لا تدخل تحت القسم الأول. أو هو يشمل الجرائم التي تعاقب عليها الشريعة بعقوبات غير مقدرة، فيدخل تحت هذا القسم كل الجرائم المعاقب عليها بعقوبة تعزيرية، وهي: جرائم التعازير الأصلية، أي كل جريمة ليست من جرائم الحدود ولا من جرائم القصاص والدية، وجرائم الحدود التي لا يعاقب عليها بعقوبة مقدرة، وهي جرائم الحدود غير التامة، وجرائم الحدود التي يدرأ فيها الحد، وجرائم القصاص والدية التي يعاقب عليها بعقوبة غير مقدرة، وهي الجرائم التي لا قصاص ولا دية فيها، والجرائم التي تدخل تحت هذا القسم ليست في خطورة جرائم القسم الأول، ولهذا كان لها حكم مختلف، ففي القسم الأول تقيد الشريعة القاضي بعقوبة معينة، مقدرة ليس له اختيار غيرها وليس له أن يزيد فيها أو ينقص منها، أما في القسم الثاني فتترك الشريعة الحرية للقاضي في اختيار العقوبة الملائمة من بين مجموعة من العقوبات، كما تترك له تقدير كمية العقوبة اللازمة وتقدير ظروف الجريمة وظروف المجرم.
من هنا، إن الشريعة تشددت في جرائم القسم الأول واتجهت في اختيار العقوبة وتقديرها إلى حماية المجتمع من الإجرام وأهملت شخصية الجاني إهمالاً تاماً، إلا إذا عفا المجني عليه في جرائم القصاص والدية دون غيرها. والشريعة أرادت بذلك حماية المجتمع لأن جرائم القسم الأول بنوعيها تمس كيان المجتمع مساساً شديداً، فالجماعات مهما اختلفت على المبادئ أو اختلفت عليها العصور تشترك في أنظمة معينة تعيش عليها الجماعة ويقوم كيانها عليها.
بالتالي، عندما تكون العقوبة رادعة، فهي كفيلة بأن يرتدع الناس عن ارتكاب الأخطاء، وكما ذكرنا جرائم الحد التامة التي تمس مساساً مباشراً بالمجتمع هي أساساً تمس بالمنظومة الأخلاقية للمجتمعات وعدم ردعها يعني ذهاب هذه المجتمعات نحو الانحلال والرذيلة، فهي بعُرف المجتمعات العربية والإسلامية غير مقبولة.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








